أداء رقصة التنورة في أحد المراكز الثقافية في القاهرة
أداء رقصة التنورة في أحد المراكز الثقافية في القاهرة

بقلم كوليت بهنا/

كلما جرب النقد ممارسة دوره الطبيعي لتقييم المشهد الدرامي العربي العام الذي يتم عرضه في شهر رمضان، يأتي الرد ناريا بإشعال المعارك الكلامية الغاضبة التي تتعامل مع أية رؤية نقدية مناهضة لها باعتبارها مؤامرة كونية ضد الدراما ومؤامرة ضد المنتج وتضييع لجهود صناع العمل وقطع لأرزاقهم. ويتهم هؤلاء الناقد غير المتيم بأعمالهم "بالشخصنة" والأحقاد الدفينة والعقد النفسية، رغم أن جل ما يبتغيه هذا الناقد المسكين هو البحث عن عمل إبداعي حقيقي ومتكامل يريح النفس التواقة للجمال.

ردود الفعل القاسية هذه ليست بمستغربة وخاصة في المشهد الثقافي والإبداعي العربي العام، والدرامي بشكل خاص، حيث ما زال تعليم تقبل الرأي الآخر واحترامه شبه غائب عن تربية الفرد العربي في بيته أولا، ثم مدرسته، ومن ثم خلال مقارعته للحياة العامة. كما تغيب التوعية بأهمية ودور النقد في تصويب جميع مفاصل حياة المجتمعات المتقدمة، وبخاصة إذا كنا نتحدث عن العملية الإبداعية لما لها من دور حضاري في حصانة الأمم ورقيها.

العمل الإبداعي المتكامل، تلفزيوني أو سينمائي أو روائي، هو الذي يفرغ الشوارع خلال فترة عرضه

​​نعم، الموسم الدرامي العربي العام لهذا العام لم يكن متميزا. وهذا أمر عادي ضمن الدورات الإبداعية التي يمكن أن تشهد هبوطا في مستوى الأعمال المطروحة لأسباب معروفة. كما أن هذا التراجع لا ينحصر في مستوى الأعمال الدرامية العربية، وفق نظرية المؤامرة الكونية ضدها، بل يمكن أن يصاب كل الإبداع العالمي من سينما أو مسرح أو رواية أو غيرها بمثل هذا التراجع. إذ قد تمر سنوات قحط طويلة على الإبداع أو تمر سنوات يفيض فيها العالم بالجمال والأعمال المتكاملة وهو ما يعرف بالفترات الذهبية. وهذه الفترات الذهبية، لا تحدث نتيجة لمبدأ الصدفة بالتأكيد، بل نتيجة لخطط مدروسة تثمر الإبداع. تكون الخطوات الأولى للخطط الناجحة، في عالم الدراما التلفزيونية أو السينمائية مثلا، بالبحث الممنهج عن فكرة جديدة وخلاقة تتبناها شركة أو أكثر للإنتاج المتفوق والمحترف. ثم يستقد لأجل هذه الفكرة كاتب سيناريو أو فريق كامل متخصص بالكتابة الإبداعية يعمل خطوة خطوة مع مخرج مبدع وممثلين يتم اختيارهم بعناية فائقة ليتناسبوا مع الشخصيات. ويدعم هذه العناصر الرئيسة فريق متميز للعمليات الفنية المعروفة من مونتاج وصوت وغيرها.

اقرأ للكاتبة أيضا: الدراما الرمضانية: تكرار المكرر

يحدث أحيانا أن تتكامل جميع هذه العناصر من ألفها إلى يائها، لكن النجاح الجماهيري لا يصيب العمل، دون أن ينتقص عدم النجاح هذا من قيمة العمل الإبداعية وليس لأنه خضع لضربات الحظ السيئة، بل لأن صناعه لم يدرسوا مزاج الجمهور مسبقا لاستكشاف أهوائه، مما يعني بالنتيجة أن معظم ما يقدم يتم عبر دراسات تقوم بها معاهد وأكاديميات متخصصة تسبر مزاج الرأي العام وتوجهاته وتقدم خلاصاتها العلمية بما يخدم احتياجات الجمهور من صناعات بما فيها صناعة الإبداع.

المطلوب، أن تفكر الدراما العربية مليا بما يحتاجه الناس حقيقة من أعمال تهز وجدانهم

​​الأمثلة العالمية عن الإبداعات المتكاملة لا تعد ولا تحصى. في المجال العربي التلفزيوني أو السينمائي، يمكننا بسلاسة ذهنية تذكر مسلسل "ليالي الحلمية" ومسلسلات "غوار الطوشة" ببساطة أفكارها وأدواتها في تلك الحقبة من الزمن، ومسلسلات: "الملك فاروق" و"العراب" و"أهل الغرام" و"الفصول الأربعة" و"خان الحرير" و"التغريبة الفلسطينية"، وأفلام مثل "عمارة يعقوبيان" و"أبي فوق الشجرة" و"خلي بالك من زوزو" و"عفوا أيها القانون" و"الخيط الرفيع" و"أريد حلا" و"يوم حلو يوم مر" و"زوجة رجل مهم" وغيرها من الأعمال التي سيقت كنماذج حية وطازجة على سبيل المثال لا الحصر، وتركت أثرها العظيم في الذاكرة الجماهيرية الإبداعية والفكرية والجمالية، إضافة إلى أثرها طويل الأمد في الإمتاع، أحد أكثر عناصر العمل الإبداعي حساسية.

اقرأ للكاتبة أيضا: لبنان: حلم الجميع المشتهى

العمل الإبداعي المتكامل، تلفزيوني أو سينمائي أو روائي، هو الذي يفرغ الشوارع خلال فترة عرضه، أو تقف الناس أرتالا طويلة للحصول على تذكرة لحضوره، أو الحصول على نسخة منه. العمل الإبداعي المتكامل يغير مسار حياتك أحيانا ويجعلك تعيد حساباتك من جديد بما يقدمه لك من رؤية مبكرة ومختلفة للحياة. العمل الإبداعي هو الذي يجعلك تدوخ بعد متابعته أو قراءته ويتركك أياما في حالة من الصمت والتأمل وأنت تفكر فيه.

هذا هو المطلوب، أن تعيد الدراما وغيرها من الأعمال الإبداعية العربية حساباتها بما تقدمه هذه الأيام، وتفكر مليا بما يحتاجه الناس حقيقة من أعمال تهز وجدانهم، وحين تعود العافية للدراما والإبداع لن يتأخر السادة النقاد عن مواكبتها بالتأكيد بما يخدمها بكل إخلاص وانفتاح وشهية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.