تظاهرة ضد الأسد في لندن
تظاهرة ضد الأسد في لندن

بقلم عبد الحفيظ شرف/

تزامنت مقابلة رئيس النظام السوري بشار الأسد التلفزيونية الأخيرة مع الطلب الروسي ـ الإسرائيلي والذي يتوافق مع الرغبة الأميركية بخروج القوات الإيرانية من سورية. نفى الأسد وجود قوات عسكرية إيرانية في سورية، وحصر التواجد الإيراني بعدد من الضباط الذين يقدمون الاستشارات والمساعدة لجيش الأسد.

موقف الأسد هذا، يذكر بأسلوبه في التعامل مع الأزمات. تعود على إنكار وجودها في البداية ثم يتدرج اعترافه بأنها أزمة حاصلة؛ وهو تماما الأسلوب الذي اعتمده منذ بداية الحراك الشعبي السوري عام 2011.

يتعامل الأسد مع العالم وشعبه وفق منطق "اكذب، اكذب ثم صدق كذبتك". وكأن دول العالم لا تملك أجهزة استخبارات تعرف حقيقة ما يجري على الأرض السورية، أو وسائل الإعلام لا تنقل الوقائع بانتظار تصريحات الأسد.

اعتبر الكثيرون موقف الأسد من "قسد" زلة سياسية استراتيجية

​​السؤال الذي يطرح نفسه، ليس حول وجود أو عدم وجود قوات إيرانية في سورية. فهذا التواجد مثبت، والقوات الإيرانية بنت قواعد لها في عدد من المطارات العسكرية ونصبت العديد من الدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ. السؤال المهم هو: هل يستطيع بشار الأسد أن يتخلص من الإيرانيين في سورية؟

اقرأ للكاتب أيضا: احتلال عسكري يوازيه احتلال فكري

لا أعتقد أن لدى الأسد القدرة الفعلية على طرد الإيرانيين، وذلك لأسباب عدة؛ أولها أن الإيرانيين لا يثقون ببشار الأسد بالكامل، فهم يعتمدون على عدد من كبار الضباط في الاستخبارات والجيش للحصول على المعلومات وكذلك للتحكم بالأرض. يحيط هؤلاء الضباط بالأسد، وقد قام الإيرانيون بتغيير المواقع بين ضباط الجيش وعزل البعض وترقية آخرين دون الرجوع إلى الأسد.

السبب الثاني هو الولاء المطلق للميليشيات العراقية والأفغانية وحزب الله اللبناني للإيرانيين وللولي الفقيه الذي يمثل المرجعية السياسية والدينية والمالية لكل هؤلاء مجتمعين، وهذه الميليشيات تشكل قوة داعمة لا يستهان بها بالنسبة لنظام الأسد.

أما السبب الثالث فهو يتمثل بالقوة الشرائية الإيرانية والتي انتشرت في الفترة الأخيرة في دمشق وفي عدد من المدن السورية الأخرى. فقد بدأت إيران تشتري الكثير من العقارات بل أن بعضا من مباني ومؤسسات الدولة أصبحت مرهونة للإيرانيين بمقابل الدعم المادي الذي قدموه للنظام.

في المقابلة التلفزيونية عينها، طالب الأسد القوات الأميركية المتواجدة على الأرض السورية بالرحيل وقال وبشكل صريح إن مشكلته الوحيدة حاليا هي مع "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) المدعومة أميركيا والتي تسيطر على أجزاء كبيرة من البلاد بعد أن حررتها من تنظيم "داعش". وهدد الأسد باستخدام القوة العسكرية إذا لم تسلم "قسد" تلك المناطق لنظامه عبر التفاوض السلمي.

لا أعتقد أن لدى الأسد القدرة الفعلية على طرد الإيرانيين

​​واعتبر الكثيرون تصريح الأسد هذا زلة سياسية استراتيجية. فهو تجاهل تماما خطر الإرهاب المتمثل بـ"داعش" و"النصرة" والذي دائما ما تذرع به هو وحليفه الروسي ووضع نفسه دائما في خانة محاربة الإرهاب.

وعبر هذا التصريح، وضع الأسد نفسه في مواجهة مباشرة مع أميركا، وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الثاني الذي ارتكبه. ووصل الأمر به لاعتبار "جبهة النصرة" ورقة أميركية، وهذا اتهام للولايات المتحدة بأنها تدعم الإرهاب.

اقرأ للكاتب أيضا: شيزوفرنيا الأمة

هذا وقد وصف بشار الأسد الكثير من معارضيه في الداخل السوري ودول الإقليم والغرب بأنهم دمى في يد الولايات المتحدة، ونسي أو تناسى أنه هو نفسه أصبح دمية في يد إيران وروسيا! يتحدث الأسد عن السيادة الوطنية وبلده أصبح ساحة صراع كبرى وعلى أرضه تتواجد قوات روسية وإيرانية وتركية وميليشيات من أصقاع الأرض.

تناقضات كثيرة يكررها الأسد في كل مقابلة تلفزيونية أو لقاء صحفي يجريه. لكنه كان أذكى في تمويهها وتزييفها وقد فشل في اللقاء الأخير في فعل ذلك. ولذلك أعتقد أن هذا اللقاء هو أحد أسوأ اللقاءات التلفزيونية للأسد والذي قد يترتب عليه الكثير من المواقف السياسية.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.