أولى طائرات إيرباص A321 التي استلمتها شركة "إيران للطيران" عام 2017 ضمن صفقة من 100 طائرة
أولى طائرات إيرباص A321 التي استلمتها شركة "إيران للطيران" عام 2017 ضمن صفقة من 100 طائرة

بقلم فرزين نديمي/

في 24 أيار/مايو، صنف "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" التابع لوزارة الخزانة الأميركية تسعة كيانات وأفراد على ارتباط بتقديم خدمات إلى ست شركات طيران إيرانية ضالعة في التحريض على الأنشطة العسكرية للنظام في المنطقة. وتهدف العقوبات إلى سد الثغرات التي استخدمتها هذه الشركات على مر السنين من أجل تأمين قطع الغيار والخدمات المرتبطة بالطيران. كما أشارت وزارة الخزانة إلى 31 طائرة فردية شاركت بشكل مباشر في إرسال الأسلحة والأفراد إلى سورية (انظر الجدول المبين أدناه). ومن المرجح اتخاذ المزيد من الخطوات ـ وخير البر عاجله نظرا إلى قدرة طهران المثبتة على التكيف مع العقوبات الجديدة.

مراجعة التصنيفات

تشمل الشركات الخاضعة للعقوبات "ماهان للطيران" و"خطوط قزوين الجوية" و"خطوط معراج" و"الخطوط الجوية دينا" و"شركة طيران بويا" و"الخطوط الجوية بلو"؛ علما أن هذه الأخيرة هي مجرد شركة وهمية لا تملك أسطولا. وكان قد تم تصنيف كل من "معراج" و"قزوين" و"بويا" (سابقا "ياس للطيران") في آب/أغسطس 2014 لدعمها عمليات "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في سورية؛ وفي الواقع، إن "بويا" هي جناح الشحن الخاص بـ"وحدة الدفاع الجوي" في "الحرس الثوري الإسلامي" وتسير رحلات يومية عبر الجسر الجوي إلى سورية.

وفي حزيران/يونيو 2011، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الناقلة الوطنية في البلاد "إيران للطيران" وشركتها التابعة "إيران إيرتورز (Iran Air Tours) بسبب دعمها لـ"الحرس الثوري" ووزارة الدفاع الإيرانية "من خلال نقل و/أو تحويل السلع لهذه الكيانات أو بالنيابة عنها". وشمل ذلك استخدام الرحلات الجوية التجارية لنقل "معدات ذات صلة عسكرية" و"شحنات يحتمل أن تكون خطرة" إلى سورية (على سبيل المثال، مكونات الصواريخ).

سيواصل "الحرس الثوري" إيجاد سبل للالتفاف على العقوبات، لذلك فمن الحكمة أن تواصل الحكومة الأميركية الضغط

​​وبعد أربعة أشهر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "ماهان للطيران" لتقديمها خدمات إلى "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" وإلى "حزب الله"، من بينها "نقل عناصر وأسلحة وأموال سرا على متن رحلاتها" إلى سورية والعراق. ومنذ ذلك الحين، فرضت عقوبات ثانوية على أكثر من 200 شركة وهمية وأفراد بسبب روابط تجارية مع شركة "ماهان". وترمي مثل هذه الخطوات إلى حظر أي كيانات أميركية "من المشاركة في معاملات تجارية أو مالية مع "ماهان للطيران"، حيث تم تجميد أي أصول قد تملكها وتخضع للسلطة القضائية الأميركية".

وفي أيار/مايو 2013، استهدفت وزارة الخزانة الأميركية شبكات شراء ودعم الطائرات الإيرانية في قيرغيزستان وأوكرانيا والإمارات العربية المتحدة وبلدان أخرى، التي ساعدت كلا من "ماهان" و"إيران للطيران" على الالتفاف على العقوبات. كما تم تصنيف المدير الإداري في شركة "ماهان" حميد عرب نجاد إلى جانب "الخطوط الجوية الأوكرانية عبر المتوسط" و"بوكوفينا" و"شركة الخطوط القرغيزية" وغيرها من الشركات التابعة. وقد اتهمت الشركات الأخيرة بتأجير مقاتلات من طراز "بريتش إيروسبيس بي إيه إي 146/أفرو أر جاي 100" وطائرة أخرى إلى "ماهان"، تم استخدام بعضها "للسفر إلى سورية في عدة مناسبات". وفي العام الماضي، استخدمت "ماهان" أسطولها من الطائرات البريطانية من طراز "بي إيه إي/أر جي" لنقل أفراد ميليشيات الشيعة من العراق إلى عبادان في إيران ومن ثم إلى دمشق، لعدم تمكنهم من السفر بالطائرة مباشرة من العراق إلى سورية.

وتخضع "ماهان" أساسا لعقوبات متشددة منذ عام 2011، مما أسفر عن توقف نحو ثلث طائراتها ـ من نوع "بي إيه إي 146/أر جي" البالغ عددها 16 ـ عن العمل، بسبب النقص في قطع الغيار. إلا أن العديد من هذه الطائرات عادت إلى الخدمة منذ العام الماضي. ويبدو أن العقوبات السابقة كانت أكثر فعالية على طائرات "بوينغ 747" الخاصة بشركة "ماهان"، التي لم تسير رحلات بشكل شبه كامل وكان لا بد من استبدالها على المسارات الدولية بالطائرات المستعملة من طراز "إيرباص إيه 340". وبموجب العقوبات الجديدة، تم تحديد 10 من طائرات الشركة العاملة بشكل منفرد، مما جعل من الصعب على نحو متزايد حصولها على الخدمات وبقاؤها صالحة للطيران. وشركة "ماهان" ـ التي تعتبر حاليا بشكل فعلي أكبر شركة طيران إيرانية ـ فستشعر تدريجيا بمزيد من الضغوط حتى على كامل أسطولها المؤلف من 36 طائرة، الأمر الذي قد يرغمها على السعي وراء خيارات مكلفة مثل تغيير الطائرات أو تغيير علامتها التجارية.

(انقر على الجدول للحصول على نسخة ذات دقة أعلى)

​​​

استهداف "الطائرة الرئاسية" الإيرانية

منذ عام 2011، كانت "خطوط معراج للطيران" العلامة التجارية للطائرات المسيرة من "حظيرة طائرات الجمهورية"، وهي المنشأة الرئيسية في إيران لنقل كبار الشخصيات الحكومية الرسمية. وقد سمح هذا التغيير باستخدام الطائرات الحكومية في عمليات مربحة في السوق التجارية. يذكر أن "القوات الجوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية" تتولى صيانة "حظيرة طائرات الجمهورية" و"معراج".

وفي الآونة الأخيرة، تولت شركة جديدة تدعى "الخطوط الجوية دينا" جانب العمليات الخاص بكبار الشخصيات باستخدام طائرتين: "إيرباص إيه 340 ـ 300" (سابقا طائرات تابعة للحكومة الإيرانية تسيّرها شركة "معراج (EP-AJA) والمسجلة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 باعتبارها تابعة لـ"الخطوط الجوية دينا" الإيرانية EP-DAA)، و"إيرباص إيه 321 ـ 200" (ضمن أسطول الحكومة الإيرانية EP-AGB). ويستخدم المرشد الأعلى علي خامنئي كلتا الطائرتين (تحت علامة الاتصال DENA-01) لرحلات العطل التي يقوم بها إلى مسقط رأسه في مشهد ومنتجعه على بحر قزوين. كما يستخدمهما الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف لرحلاتهما إلى خارج البلاد.

وكانت "الخطوط الجوية الإيرانية ـ دينا" (EP-DAA) قد اشترت طائرة الإيرباص في عام 2015 من خلال الوسيط "إيشين إكسبرس إيرلاين"(Asian Express Airline) من طاجيكستان، وكانت مملوكة في ذلك الوقت للمليونير الإيراني و"رجل الواجهة" الاقتصادي في حكومة أحمدي نجاد، باباك زنجاني. وفي عام 2013، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على معظم أصول زنجاني، استهدفت بشكل خاص "إيشين إكسبرس (Asian Express)" وتردد أن أسهم الشركة كافة كانت مملوكة لـ"مصرف تونك الاستثماري" في طاجيكستان، وهي شركة أسستها شركة زنجاني القابضة "كونت كوزميتيك (Kont Kozmetik)".

وقد أثير جدل أيضا حول طائرة "إيرباص" في أسطول الحكومة الإيرانية (EP-AGB). وفي عام 2005، أوقفت الشركة الفرنسية "سوجرما سيرفسس (Sogerma Services)" مؤقتا عملها الرامي إلى جعل داخل الطائرة فخما، معللة السبب بالعقوبات الأميركية.

ولم تدرج وزارة الخزانة الأميركية بعد بشكل منفرد طائرتين حكوميتين لكبار الشخصيات تابعتين لشركة "دينا" بعد ضمن لوائحها، كما لم يتم تصنيفهما ضمن لائحة العقوبات الثانوية الخاصة بـ"مكتب مراقبة الأصول الأجنبية". ويقينا، لقد جرى إدراج "دينا" نفسها على اللائحة، لذا فإن الطائرتين تخضعان للعقوبات. لكن، وكما سيرد أدناه، يبدو أن الإعلان عن لائحة لا تشمل الطائرتين الرئيسيتين للمرشد الأعلى هو بمثابة فرصة ضائعة لبعث رسالة إلى الإيرانيين وغيرهم في الخارج.

كما يستخدم "الحرس الثوري" الإيراني وشركات الطيران التابعة له مجموعة من الشركات الوهمية في أرمينيا وطاجيكستان وتايلاند وتركيا وأوكرانيا وأوزبكستان لشراء قطع غيار الطائرات والخدمات التقنية المحظورة. وقد تم إدراج بعض هذه الشركات ضمن لائحة العقوبات الأخيرة، ومن المحتمل اتخاذ المزيد من الإجراءات بحقها.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2016، فرض "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" عقوبات على "أجنحة الشام للطيران" السورية "لأنها قدمت مساعدة مادية أو رعاية أو دعما ماليا أو ماديا أو تقنيا لـ... حكومة سورية والخطوط الجوية العربية السورية". غير أن الشركة المستأجرة للطائرات الخاصة بـ"أجنحة الشام للطيران" لا تزال تسير رحلات إلى طهران، على الأقل خمس مرات أسبوعيا، مستخدمة الطائرات التجارية من نوع "إيرباص إيه ـ 320"، في حين أنها غالبا ما تحظى بمساعدة "ماهان للطيران" في أعمال الصيانة. ووفقا لتقرير صدر في 6 نيسان/أبريل عن وكالة "رويترز"، تتولى "أجنحة الشام للطيران" أيضا نقل المرتزقة الروس والمتعاقدين العسكريين إلى دمشق واللاذقية، باستخدامها مطار روستوف بلاتوف الدولي كمركز. وقدر التقرير أن هناك ما بين ألفين وثلاثة آلاف مرتزقة روسي يقاتلون في سورية.

الإعلان عن لائحة لا تشمل الطائرتين الرئيسيتين للمرشد الأعلى هو بمثابة فرصة ضائعة لبعث رسالة إلى الإيرانيين وغيرهم في الخارج

​​وعلى نحو مماثل، لا يزال "الحرس الثوري" الإيراني يستخدم "شركة طيران بويا" لرحلات الشحن المتكررة على متن طائرات "إليوشن" إلى المدن الروسية ودمشق. ولم تشمل اللائحة الجديدة لوزارة الخزانة الأميركية إحدى أكثر الطائرات نشاطا على هذه المسارات التابعة لـ"شركة طيران بويا (EP-PUS) " رغم أن رقمها التسلسلي قد تم إدراجه سابقا في أيلول/سبتمبر 2012 تحت اسم تسجيل مختلف هو (EP-GOM). وتخضع جميع هذه الطائرات لعقوبات بسبب ورود اسم "شركة طيران بويا" على لائحة الوزارة لعام 2014، ولكن تسميتها بشكل منفرد قد تساعد شركات الطيران والشركات المالية على تطبيق هذه العقوبات بشكل أفضل.

التداعيات على السياسة الأميركية

سيواصل "الحرس الثوري" إيجاد سبل للالتفاف على العقوبات، لذلك من الحكمة أن تواصل الحكومة الأميركية الضغط حيث يكون هذا الدور أشد فعالية ويبعث رسالة أكثر قوة. وعلى وجه الخصوص، من المرجح أن يستمر النظام في إعادة تسمية شركات الطيران وتأسيس شركات وهمية جديدة للحصول على طائرات وخدمات غربية؛ ويمكنه أيضا اللجوء إلى مزودين روس أو صينيين. وقد تؤدي أحدث العقوبات على مزودي قطع الغيار إلى إرغام "ماهان" وشركات طيران أخرى على شراء هياكل طائرات مستعملة أو متوقفة عن العمل من نوع "إيرباص" و"بي إيه إي" لاستخدامها كمصادر لقطع الغيار.

ومع تشديد الخناق على "ماهان"، ستصبح عملياتها المحلية والدولية أكثر تكلفة وأكثر صعوبة، مما قد يدفع طهران إلى تخصيص شركات طيران أخرى للحفاظ على الجسر الجوي لسورية ـ وربما يشمل ذلك انخراطا أكبر من قبل شركة "إيران للطيران". وعليه، يجب على واشنطن أن تحذر إيران من أنها لن تتردد في إدراج الطائرات الناقلة الوطنية (التي تقوم بالفعل برحلات منتظمة إلى دمشق) على لائحتها إذا استخدمها "الحرس الثوري" الإيراني لملء طرق الإمدادات العسكرية الخاصة بـ"ماهان". وكان قد تم شطب شركة "إيران للطيران" من لوائح العقوبات في إطار الاتفاق النووي الموقع عام 2015، لكن وزارة الخزانة الأميركية قالت إنها ستعيد فرض العقوبات على جميع الكيانات المعفاة في موعد لا يتجاوز 5 تشرين الثاني/نوفمبر، لذلك قد تكون عقارب الساعة تدق أساسا بالنسبة لشركة الطيران.

أما بالنسبة للطائرتين اللتين يستخدمهما خامنئي، فقد يكون لدى وزارة الخزانة الأميركية عدد من الأسباب التقنية لإبقائهما خارج اللائحة في الوقت الحالي. ومع ذلك، على الوزارة أن تفكر في تسميتهما بشكل منفرد، على الأقل لتعزيز موقفها بأن العقوبات الأميركية تستهدف النظام، وليس الشعب الإيراني. ويمكن لمثل هذه الرسائل أن تمنح الإيرانيين المبرر الذي يحتاجون إليه للتعبير علنا عن شكوكهم إزاء الأنشطة العسكرية التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية في المنطقة و"أهدافها الثورية"، التي تتعارض مباشرة بشكل متزايد مع المصالح الوطنية الإيرانية.

فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

People eat their Iftar meal provided by a group of volunteers in a damaged neighbourhood, amid fear for the coronavirus disease…

في الأسبوع الماضي، أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، أن اللجنة الدستورية السورية التي أنشأت في سبتمبر 2019 تستطيع عقد اجتماعها المقبل حالما تسمح بذلك الظروف المتعلقة بالوباء العالمي الذي يسببه فيروس كورونا. 

ولم يتم تصميم هذه الآلية الضيقة لحل النزاع الدائر منذ سنوات عبر الحلول القانونية، بل لفتح نقاشٍ سياسي بين السوريين. ولكن على الرغم من قيود اللجنة، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها بذل المزيد من الجهود فيها، وإلا ستكون روسيا حرة في استغلال العملية الدستورية كوسيلة لتطبيع نظام الأسد دون معالجة أي من الأسباب الجذرية للحرب.

الدستور كأداة لانخراط روسيا

طوال سنوات، حاول مبعوثو الأمم المتحدة إيصال الأحزاب السورية إلى تسوية سياسية، ولكنهم وجدوا مساعيهم مشلولة بسبب موسكو التي دأبت بثبات على حماية النظام السوري من عواقب رفض التفاوض مع المعارضة. ورفضت الولايات المتحدة وأوروبا والدول الإقليمية المعنية التصدي لهذه الحماية من خلال تصعيد الأعمال العسكرية مع روسيا عند تدخّلها على الأرض، وبدلا من ذلك اقتصرت ضغوطها على العقوبات الاقتصادية والانخراط الدبلوماسي.

وبالتالي، اكتسب الإصلاح الدستوري زخما لأنه كان أحد المواضيع القليلة التي أبدى الدبلوماسيون الروس اهتماما بها. وفي الواقع كان العمل على وضع دستور جديد في محور النقاشات التي دارت بين الولايات المتحدة وروسيا في مارس 2015. وبعد شهرين من ذلك التاريخ، قدمت موسكو المسودة الأولى من الدستور التي تم رفضها بشكل قاطع من قبل جميع أطراف المعارضة السورية. 

من الضروري أيضا إجراء نوع من التشاور الأوسع مع الجالية السورية في الشتات للتعويض عن نقص الشفافية في عملية تعيين أعضاء اللجنة

وفي يناير 2017، قوبِلت المسودة الثانية بردٍّ مماثل. ومع ذلك، اقترح المسؤولون الروس في مايو 2017 عقد "مؤتمر مصالحة وطنية" في سوتشي، ثم ساعدوا النظام على اختيار الفصائل السورية التي ستتم دعوتها لمناقشة الدستور الجديد خلال المؤتمر. وبحلول نهاية ذلك العام، كان الإصلاح الدستوري أحد المقومات الجوهرية في مذكرة دانانغ المشتركة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب.

ويبدو أن موسكو كانت ولا تزال تنظر إلى الإصلاح الدستوري كإطار عمل مرن لإطلاق عملية دبلوماسية دولية وإسكات النقّاد في الغرب مع الحفاظ على نهجها السياسي والحد من نطاق ما قد يتضمنه "التغيير" في سوريا في نهاية المطاف. وعلى الرغم من دعوة قرار مجلس الأمن رقم 2254 إلى قيام عملية سياسية مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية ـ حكومة انتقالية، انتخابات حرة ونزيهة، ودستور جديد ـ إلا أن روسيا عملت تدريجيا على تخفيف النقاش وحصره بالعنصر الأخير وحده.

الدستور كـ "غموض بَنّاء"

بينما تعمل الأطراف الفاعلة الدولية على حث السوريين على الاهتمام بالقضايا التي يجب عليهم اتخاذ القرارات بشأنها بأنفسهم ـ أي المبادئ الدستورية، وإصلاح الدولة، وترتيبات تقاسم السلطة ـ إلا أن هذه الأطراف، من كلا المقلبَين الموالي لنظام الأسد والمعارض له، تدرك جيدا أن طريقة فهمها لهذه الأمور تختلف فيما بينها. ومع ذلك، اعتبر المسؤولون الأجانب أنه من المفيد الحفاظ على هذا الغموض في الوقت الحالي كمحطة على الطريق المؤدي إلى المزيد من المناقشات المفصّلة.

وهكذا، عندما اقترحت روسيا وتركيا وإيران تشكيل لجنة دستورية خلال مؤتمر سوتشي في يناير 2018، تم قبول الفكرة لاحقا من قبل "المجموعة الصغيرة" (بريطانيا ومصر وفرنسا وألمانيا والأردن والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة) شريطة أن تبقى تحت الرعاية الكاملة للأمم المتحدة. وأظهرت هذه المجموعة تجاوبا مع العملية، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى قبول نظام الأسد بها، وبذلك أصبحت هذه الحالة الوحيدة التي تنخرط فيها دمشق في مفاوضات بشأن أي موضوع منذ عام 2011.

كما أنّ هذا الاقتراح منح النظامَ وداعميه الوقت الكافي لاستعادة الأراضي في مختلف أنحاء سوريا (نفس الديناميكية التي نشهدها اليوم في إدلب)، وفي الوقت نفسه إحباط الضغوط التي تمارَس عليه قبل الانتخابات الرئاسية في البلاد عام 2021. ومن جهتها، اعتبرت أوروبا وتركيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة اللجنة بمثابة "مفتاح" يتيح لها إعادة المعارضة السورية إلى المسار السليم وبناء الثقة دون مناقشة المصير الشخصي لبشار الأسد.

الإعداد غير الشفاف والأهداف غير الواضحة

على الرغم من أن اللجنة الدستورية كانت قائمة على تفاهم ضمني بأنها ستعمل على تنشيط العملية السياسية السورية المنصوص عليها في القرار 2254، إلا أن الأسد وإيران وروسيا وتركيا ماطلوا ثمانية عشر شهرا حتى الموافقة على تشكيلتها. وتم التوصل إلى حل وسط مبهم بشأن ثلاث فئات من الممثلين، هي: خمسون ممثلا من النظام، وخمسون من المعارضة، وخمسون من المجتمع المدني السوري، علما بأن أفراد هذه الفئة الأخيرة هم في الظاهر مرشحون من الأمم المتحدة ولكن بمعظمهم مفروضون إلى حد كبير من قبل موسكو وأنقرة.

لا يخفى أن الآمال في قيام عملية دستورية وانتخابية شفافة في سوريا ليست كبيرة

وكانت المشكلة الرئيسية الأخرى هي استبعاد شمال شرق سوريا، الذي نجم عن النزاع المفتوح بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"، الميليشيا الكردية التي تهيمن على المنطقة. وقد منعت أنقرة أي عضو من "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي تقودها "وحدات حماية الشعب" من المشاركة في اللجنة ـ وهي فرصة تم تضييعها لتهدئة التوترات بين الجانبين وتوضيح أهداف "وحدات حماية الشعب" فيما يتعلق باللامركزية مقابل الانفصالية.

ومن غير الواضح أيضا الهدف الرئيسي العام للجنة: هل تهدف إلى إصدار دستور جديد، أم مجرد الاكتفاء بتعديل الدستور الحالي؟ وما هي الآلية التي ستستعين بها للمصادقة على الميثاق الجديد: أهي استفتاء عام أو تصويت في البرلمان؟ وإذا كان الأخير هو الجواب، فهل سيتم انتخاب برلمان جديد قبل التصويت على الدستور؟

النظام مستمر في عرقتله وموسكو تسايره

على الرغم من أن الغموض البنّاء قد يسهّل أحيانا التقدم بشأن العناصر الأقل حساسية من العملية السياسية، إلا أنه يتعيّن على الأطراف المعنية في النهاية معالجة العناصر الجوهرية من النزاع، مهما بدت مستعصية. 

ومع ذلك، فبحلول نوفمبر 2019، وبعد عقد اجتماعَين للجنة الدستورية، منع النظام مجددا مناقشة القضايا الجوهرية وركّز محور المحادثات على محاربة "الإرهاب". وهذه المسألة بعيدة كل البعد عن القضايا الدستورية، وشكلت في أغلب الأحيان أداة استخدمها النظام للخلط بين المعارضة السياسية والتنظيمات الجهادية المسلحة في سوريا. 

كما رفضت دمشق مناقشة أي مسألة مرتبطة بالإشراف على الجيش، معتبرة هذا الأمر "خطا أحمر" ـ على الرغم من أن السلطة المدنية على القوات العسكرية هي قضية دستورية أساسية في البلدان في جميع أنحاء العالم. 

وفي الآونة الأخيرة، ألمح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى أنه تم إيجاد ترتيبات جديدة لاستئناف المحادثات الجوهرية، ولكن الوباء العالمي منع الأطراف المعنية من تحديد موعد اجتماع جديد.

إن هدف النظام واضح، ويتمثل بتأجيل اللجنة لفترة كافية إلى حين قيام الأسد بإجراء الانتخابات الرئاسية لعام 2021 بموجب الدستور الحالي (والفوز بها). ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستكون روسيا مستعدة لاستخدام أسلوب الترهيب والترغيب لإقناع دمشق بضرورة المشاركة في المحادثات المشروعة. وهذه هي نفس الظروف التي عرقلت مفاوضات الأمم المتحدة في جنيف على مدى سنوات طويلة ـ بمباركة موسكو، فدمشق تحاول خنق العملية ببطء، بينما يحكم الأسد بلدا مدمرا، ويسمح مؤقتا ببقاء بعض أجزائه تحت النفوذ التركي.

الاستثمار في اللجنة ـ أو إنهائها إذا لزم الأمر

لا يوجد حل سحري للجمود الراهن، خاصة إذا قررت واشنطن مواصلة انسحابها العسكري الذي بدأته في خضم التوغل التركي إلى شمال شرق سوريا في أكتوبر 2019. وسيؤدي عدم انخراط الولايات المتحدة وحلفائها بحزمٍ أكبر في مسألة اللجنة الدستورية وغيرها من القضايا السياسية، إلى إضعاف موقفها بصورة أكبر. وفي غضون ذلك، تستغل روسيا والنظام السوري كل فرصة ممكنة لتعزيز نفوذهما في المجتمع الدولي، كما أظهرت بوضوح مفاوضات مجلس الأمن الدولي في يناير بشأن وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود.

لذلك، من الضروري بشكل طارئ أن تتخذ واشنطن وحلفاؤها قرارا حاسما بشأن اللجنة الدستورية ـ أولا لدعمها وإعطائها فرصة حقيقية للنجاح، ومن ثم إنهائها إذا لم تحقق الهدف الذي أُنشأت من أجله خلال الشهرين المقبلين. ويشمل ذلك ربط عقوبات إضافية بكل حالة من حالات العرقلة من قبل النظام، وتقديم الدعم التقني والمالي لممثلي اللجنة من المعارضة والمجتمع المدني. 

كانت المشكلة الرئيسية الأخرى هي استبعاد شمال شرق سوريا، الذي نجم عن النزاع المفتوح بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"

ومن الضروري أيضا إجراء نوع من التشاور الأوسع مع الجالية السورية في الشتات للتعويض عن نقص الشفافية في عملية تعيين أعضاء اللجنة ـ على وجه الخصوص، يجب على أوروبا وتركيا والولايات المتحدة توفير أُطرا [تآزرية] للسوريين خارج سوريا للتعبير عن آرائهم بشأن الإصلاح الدستوري.

ومن شأن هذه الخطوات أن تضع الكرة بحزم في ملعب روسيا، مما يجبرها على دفع النظام إلى المساهمة في صياغة مسودة دستورية جادة. وإذا لم تكمّل اللجنة عملها قبل موسم الانتخابات بوقت طويل في عام 2021، ينبغي على المسؤولين الأميركيين والأوروبيين أن يكونوا على استعداد للمطالبة بحلّ اللجنة.

فيما يتخطى الدستور

بطبيعة الحال، حتى الدستور الجديد المُصاغ بوساطة شرعية لن يمثل سوى الخطوة الأولى في عملية طويلة ـ وبمفرده، لن ينهي الميثاق معاناة الشعب ولن يمكّن مئات آلاف اللاجئين من العودة إلى ديارهم. لذلك يجب على الأمم المتحدة وضع الخطوات التي يمكن أن تلي نجاح اللجنة الدستورية، مثل تصميم آلية رقابة قوية على الانتخابات الرئاسية، وإعداد خيارات تصويت آمنة وحيادية للمغتربين.

ولا يخفى أن الآمال في قيام عملية دستورية وانتخابية شفافة في سوريا ليست كبيرة. ومع ذلك، ستزداد حظوظها إذا بذلت الولايات المتحدة وأوروبا جهود مصممة بعناية وإتقان ـ أو على الأقل إذا مُنِعت روسيا من إعطاء صورة مزيفة عن عملية غير مشروعة.

المصدر: منتدى فكرة