أزمة الخليج
أزمة الخليج

بقلم حسين عبد الحسين/

مر عام على اندلاع الأزمة بين قطر من ناحية، والسعودية والإمارات والبحرين، من ناحية ثانية. البعض يضيف مصر أحيانا إلى تحالف المقاطعين، لكن مصر فعليا خارج توازنات البيت الخليجي الداخلي وهي كانت على عداء مع قطر منذ ما قبل الأزمة.

الوساطات المتكررة التي قادتها الكويت إلى جانب وزيري خارجية الولايات المتحدة المتعاقبين ريكس تيلرسون ومايك بومبيو وسلسلة الاتصالات التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع زعماء عواصم الأزمة، كلها لم تنجح في تذليل العقبات، فاستمر الانقسام الخليجي على حاله ودخل عامه الثاني بزخم أكبر من الذي انطلق به.

تحديد سبب الخلاف صعب، ويبدو تراكميا ومترافقا مع غياب "الكيمياء" في العلاقات الشخصية بين زعماء قطر من ناحية، ونظرائهم في العواصم الخليجية الثلاث من ناحية ثانية.

اقرأ للكاتب أيضا: فتوى مقاطعة محمد صلاح

المقاطعون، أي السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قدموا لائحة بـ13 مطلبا جعلوا التزام قطر بها بمثابة التسوية الوحيدة للأزمة. على أن هذه المطالب يمكن تلخيصها بأربعة:

أولها قطع الدوحة علاقاتها مع طهران، وثانيها إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، وثالثها إغلاق "كافة وسائل الإعلام التي تدعمها قطر بشكل مباشر أو غير مباشر" بما في ذلك فضائية "الجزيرة" القطرية. ورابعها إعلان قطر "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا وتسليم أي تابعين له من جنسيات دول المقاطعة الأربع، وتوسيع ذلك المطلب ليعني وقف الدوحة أي تمويل تستفيد من مصدره التنظيمات الإسلامية على أنواعها.

مشكلة المطالب، من وجهة النظر القطرية، أنها تبدو استنسابية؛ فعلاقة مصر بإيران ماضية في التحسن منذ افتتاح طهران أول سفارة لها منذ عقود في القاهرة في عام 2013، في وقت تحافظ دولة الإمارات على وجود لبعثة دبلوماسية لها يرأسها سفير في "الجمهورية الإسلامية"، وهو ما يطرح السؤال التالي: كيف تطالب دولتان لهما علاقات مع إيران دولة ثالثة بقطع علاقاتها بالإيرانيين؟ كما أن لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، أي عمان والكويت، علاقات دبلوماسية مع إيران.

مشكلة ثانية تتمثل في مطلب إغلاق الإعلام القطري. فإذا ما استجابت الدوحة، ما الذي سيمنع الدول الأربع من المطالبة بإغلاق أي وسيلة إعلامية لا تروق لها سياستها الإعلامية في عموم المنطقة؟ الكويت، بدورها، قامت بتحويل المطلب إلى بند "وقف الحملات الإعلامية المتبادلة بين الطرفين"، طالما أن غالبية الوسائل الإعلامية المنخرطة في المواجهة حكومية.

وفي الرسالة التي وجهها الرئيس ترامب إلى زعماء الخليج مقدما إليهم بعض البنود التي يمكنها أن تشكل أساسا للحل، تبنت واشنطن الرؤية الكويتية. فالولايات المتحدة تعارض إسكات أو إقفال أي وسيلة إعلامية في العالم، بما فيها "قناة الجزيرة" التي عانت أميركا من سياسة بثها رسائل إرهابيين في الأشهر الأولى التي تلت بدء الحرب الأميركية على الإرهاب.

ثالثا، واجه مطلب الدول الأربع لقطر بإعلان "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا مشكلة؛ فهذا التنظيم يعمل في دول خليجية وعربية.

على أن المطلب الأبرز الذي نفذته قطر، وبمراقبة أميركية، هو دخولها في اتفاقية لمكافحة تمويل الإرهاب.

التباين في السياسة الخارجية يبدو أنه لعب دورا رئيسيا في التباعد الخليجي. قطر، بجناحيها الإسلامي والقومي العربي، دعمت الأحداث الشعبية المعروفة بـ"الربيع العربي"، فيما عارضتها الرياض وأبوظبي والمنامة.

الدول الصغيرة، مثل قطر، لا تواجه جاراتها الكبيرة، وتحاول في الوقت ذاته عدم الارتماء في حضن هذه الجارات خوفا من أن تبتلعها جاراتها وتملي عليها سياساتها. ما تفعله الدول الصغيرة هو حفاظها على علاقات طبية مع الكبار، خصوصا المتخاصمين منهم، في سياسة معروفة تقليديا بـ"المشي (السير) على السور". قطر تعتمد هذه السياسة للحفاظ على استقلاليتها في مواجهة جارتيها السعودية وإيران. لهذا السبب، لم تتأخر الدوحة في الاتصال بالرياض لإنهاء الأزمة، على أثر محاولة مصالحة قام بها الرئيس ترامب. لكن الدوحة لم تتصل بأبوظبي، في الغالب لأن جارتها الجنوبية لا تتمتع بالوزن نفسه كالسعودية. عدم اتصال قطر بالإمارات عرقل المصالحة، ودفع الدول المقاطعة إلى اعتبار أن قطر لا تزال تناور سياسيا.

هكذا، مر عام وما زالت الكويت تسعى حتى الأسبوع الماضي لرأب الصدع بين الأشقاء.

ينطبق المثل الإنكليزي "ما لا يقتلك يجعلك أقوى" على قطر، إذ استبدلت الدوحة خطوط إمدادها مع بعض جيرانها العرب الخليجيين بأخرى عبر إيران وتركيا. وبذلك، تسببت المقاطعة بدفع الدوحة للتقارب مع طهران وأنقرة بدلا من الابتعاد عنهما، حسبما ورد في المطالب.

اقرأ للكاتب أيضا: "القوات اللبنانية" في مواجهة "حزب الله"

أما السعودية، فأثبتت أنها زعيمة العالم الإسلامي وأنها ستفرض خطابا إسلاميا معتدلا، ولن تسمح لبعض التنظيمات خصوصا "الإخوان"، بتحديد الإسلام وخطابه. ولا شك أن حملة السعودية وحلفائها ضعضعت التنظيمات الإسلامية وأفقدتها شعبية واسعة في الخليج وبعض الدول العربية.

لكن التغييرات التي حصلت في الأشهر الأولى لاندلاع الأزمة يبدو أنها بلغت مداها. منذ ذلك الحين، تحولت الأزمة إلى ما يشبه الحرب العالمية الأولى، حرب خنادق دبلوماسية وإعلامية، فيها هجمات كلامية متبادلة من دون أي تغييرات في أرض الواقع.

سال حبر كثير في محاولة تحليل أسباب استمرار الأزمة الخليجية، وهذه السطور من بين المحاولات، لكن يبدو أن السبب الرئيسي في الانقسام بين الأخ وأخيه في الخليج هو "قلوب مليانة"، حسب القول العامي اللبناني، أكثر منه سياسات ومواقف.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.