الرئيس اللبناني ميشال عون
الرئيس اللبناني ميشال عون

بقلم حازم الأمين/

بغض النظر عن الشراكات الأهلية والمذهبية التي انعقدت حول فضيحة مرسوم الجنسية في لبنان، والتي بدا واضحا فيها أن شراكة انعقدت بين تياري الوطني الحر (المسيحي) والمستقبل (السني) وحاولت تمرير منح الجنسية اللبنانية لعشرات من رجال الأعمال الذين ما زالوا مجهولي الهوية على رغم كل النقاش الذي رافق الفضيحة، فإن على المسيحيين اللبنانيين أن يفاتحوا أنفسهم بحقيقة مؤلمة بالنسبة إليهم وبالنسبة للبنانيين عموما، وتتمثل أن أوضاعهم أودت بهم إلى تصدع إيمانهم بلبنان بصفته مساحة مستقرة لوجودهم.

ونقول المسيحيين وليس السنة، شركاؤهم في المرسوم، لأن الأخيرين لم يشكل يوما إضافة مجنسين إلى جدول المواطنة في لبنان حساسية بالنسبة إليهم، ولا أرقاما تضاف إلى جداول ناخبي الطوائف الأخرى. فبالنسبة للسنة، أن يجنس رجل أعمال سوري (سني) وإن كان قريبا من النظام السوري (العلوي)، فهو في النهاية امتداد لحضور الجماعة، ولبنانيته المستجدة ستستوعب في الآليات المذهبية بصفته سنيا. ونحن هنا نتحدث عن شكل اشتغال لاوعي الجماعات المذهبية، لا عما تدعي أنها تدركه وتمارسه.

أن تضعف المناعة المسيحية حيال مؤشر الهوية اللبنانية، فهذا بداية أفول لبنان كفكرة وكوظيفة

​​السنة جماعة غير قلقة على رغم كل ما أصابها في العقدين الفائتين. وهم محقون في ارتخائهم وإن كانت نتائجه عليهم دموية. ففي لبنان كانوا أضعف الجماعات اشتراكا في الحرب الأهلية، وأكثرهم جنيا لعائداتها، وفق اتفاق الطائف.

تتفاوت الهوية اللبنانية في مضامينها بين طائفة وأخرى. لبنانية السنة أقل حساسية على قضية ضم مجنسين. هؤلاء إما سنة، وإما غير سنة، لكنهم لا يهددون الديموغرافيا السنية. للمسيحيين قصة أخرى مع هذه القضية. فثمة جهاز نفسي جماعي يحصي يوميا الداخل إلى هذه الهوية والخارج منها. حتى المجنسين المسيحيين، مرحب بهم كأرقام لكن لا ترحيب اجتماعيا بهم، وهذه حال السريان والمجنسين الفلسطينيين الذين يمارسون تقية قاسية على أصولهم، فلا يفصحون عنها بسهولة، ويعيشون نقصا في هويتهم اللبنانية يردون عليه بالمبالغة بها.

اقرأ للكاتب أيضا: طهران استعادت 'حماس'... وربما 'الإخوان'

للمسيحيين قصة أخرى مع ظاهرة التجنيس؛ وهذا ما يدفع إلى التأمل بسهولة تبديدهم لبنانيتهم التي يعتقدونها نهائية ومغلقة على ثقافتهم وعلى من ضموا إليها من جماعات بعد إعلان لبنان الكبير. فكم بدا غريبا، لا بل مدهشا، انقياد التيار العوني وراء حزب الله، مبدد السيادة وباذلها على غير وجهها. الأمر لم يكن صعبا، وخيار الالتحاق بحزب الله لم يواجه بحساسية "سيادية" كان المرء يتوقعها. ضعف الحساسية هنا يشبه ضعفها في لحظة منح الجنسية لأشخاص من خارج "الهوية". فالرئيس اللبناني ميشال عون عندما كان رئيسا للتيار الوطني الحر ووقع على وثيقة التفاهم مع حزب الله، وهو بذلك بذل للحزب السيادة والحدود والمستقبل، فعل ذلك متخففا مما تمليه عليه تلك اللبنانية من شروط لطالما كانت في صلب قوله ودعاويه، وهو فعلها اليوم أيضا متخففا من أي التزام حيال الهوية "الضيقة".

ثمة شيء يشبه بيع الأصول قبل المغادرة، المسيحيون في لبنان يشعرون باقتراب المغادرة

​​

ثمة شيء يشبه بيع الأصول قبل المغادرة. المسيحيون في لبنان يشعرون باقتراب المغادرة. العونية بصفتها المظهر الأول لـ"الألم المسيحي" تسبقهم خطوة في مشاعرهم هذه. باعت السيادة في مار مخايل (الكنيسة التي وقع فيها حزب الله والتيار الوطني الحر وثيقة التفاهم بينهما)، وها هي شريكة في حفلة بيع رمزي للهوية. واليوم تشهد منطقة الأشرفية بيع مبان تراثية يشعر أصحابها أن قيمتها المعنوية لا تساوي مردودها المالي في حال استبدلت بمبان تجارية حديثة لا تنتمي إلى زمن المسيحيين، لكنها عائداتها تتيح مغادرة البلد الذي صاروا شركاء صغار فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: أما وقد 'صوّب' حزب الله موقفه من الفن السابع

ولهذه الحقيقة جذرها الشعوري، فلبنان هذا كف عن أن يكون لبنان الذي أراده المسيحيون. هم شركاء صغار فيه. سياسيا وديموغرافيا واقتصاديا وثقافيا. ثمة شعور بفقدانهم ناصية الهوية المستجدة، وهذا ما ولد رغبة بالهجرة وما سهل بيع الأصول من سيادة وهوية وعناصر وجود. حزب الكتائب باع البيت المركزي للرئيس نجيب ميقاتي، أو وجد صيغة شراكة عقارية معه، وورثة كميل شمعون باعوا قصره في السعديات لآل الحريري. هذا بجزء منه ناجم عن شعور بعدم التمسك بـ"موجودات" الهوية، أو بأصولها الواقعية. فالهزيمة عميقة، وما العونية سوى أحد مظاهرها، والالتحاق بالجاليات صار طموحا للتخفف من ثقل الهزيمة ومن حزن جوهري يشعره المرء على وجوه من يلتقيهم في أحياء المسيحيين المترنحة بين عونية سلبية وبين والتأهب للمغادرة.

أن يبيع سياسيون سنة الهوية اللبنانية فهذا لا يصطدم مع مضمون لبنانيتهم التي لطالما أرادوها امتدادا لوجودهم الأكثري في المنطقة. أما أن تضعف المناعة المسيحية حيال مؤشر الهوية اللبنانية، فهذا ليس فسادا، إنما بداية النهاية، لكنه أيضا بداية أفول لبنان كفكرة وكوظيفة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.