رئيس الحكومة الأردني المكلف عمر الرزاز
رئيس الحكومة الأردني المكلف عمر الرزاز

بقلم داود كتّاب/

الدكتور عمر الرزاز، رئيس الحكومة الأردنية المكلف،

بعد التهنئة للحصول على الثقة الملكية لا بد من طرح عدد من المواضيع التي تهم المواطنين والمتابعين للوضع في الأردن كافة. لقد قلت في تغريدة بعد تكليفكم في تشكيل الحكومة: "سأكون إن شاء الله جنديا مخلصا لهذا الوطن وخدمة أبنائه، لكي نصل معا إلى ما فيه خير أردننا وذلك عبر الحوار بين الجميع، والله يقدرنا على الحمل".

ولا شك أن خاتمة تغريدتك صحيحة فالحمل ثقيل على كل المستويات ونأمل أن تستطيع تحمل ذلك العبء الكبير بل كلنا أمل أن تتغلب على التحدي والذي يوفر أيضا فرصة للإصلاح والتغير الجذري في إدارة الدولة.

يتطلع الشعب في الأردن والإقليم لنجاحكم ونجاح نهجكم الليبرالي المتفتح والديمقراطي

​​وفي مجال قيادة الحكومة، لا شك أنه سيكون عليك العمل على عدة مستويات في نفس الوقت. ورغم أنك ستهتم بالصورة الكبيرة وتقضي الوقت في التفكير بالقرارات الكبيرة والحاسمة إلا أنه قد يكون مهم الاهتمام بمسار العمل. فقدرتكم على مأسسة كيفية اتخاذ القرارات سيوفر لكم إرثا يدوم لسنوات وعقود. لن يكون ذلك المطلب صعبا عليكم حيث قمتم عند تسلمكم وزارة التربية والتعليم برفض اتخاذ أي قرار حتى الاستماع إلى كافة وجهات النظر المتعلقة بالموضوع.

اقرأ للكاتب أيضا: كيفية ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء

هذا التوجه الديمقراطي المعتمد على الاستماع لكافة الآراء هو ما دفع الملك للطلب منكم بإطلاق حوار جاد وشفاف حول قانون ضريبة الدخل المقدم من الحكومة للبرلمان. وإذا ما تم تطبيق هذه التوجهات الملكية من حوار مع الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني فهذا يعني قطع أكثر من نصف الطريق نحو الإصلاح الجاد في الأردن. فالتواصل والحوار مع مؤسسات المجتمع المدني سيشرعن هذا القطاع والذي طالما تم شيطنته من قبل أسلافكم الذين رفضوا حتى الجلوس مع ممثلي المجتمع المدني وأنتم أصلا من قادة المجتمع المدني قبل انتقالكم للعمل العام.

طبعا، إن انتقالكم من وزارة كبيرة ومليئة بالعاملين والمسؤولين لرئاسة الوزراء لا يعمل بها سوى المستشارين قد تشكل مفاجئة لكم. والمعروف أن لكل رئيس الحق باختيار مستشاريه ونأمل أن يتم ذلك بناء على الكفاءة فقط. فكلنا أمل أن لا تقعوا في مصيدة الاستفادة من وظائف المستشارين لحل مشاكل الترضية. فتعيين "مستشار لا يستشار" هو هدر لأموال دافع الضريبة والأهم أن الرئيس يحرم من استشارة ضرورية قد تفيده وتغنيه لاتخاذ بالقرار السليم.

أهم أمر في موقعكم الجديد سيكون في كيفية توجيه الحكومة. موقفكم الإعلامي والعام سيكون له أثر كبير لأن الشعب يحتاج معرفة أين أنت من كافة الأمور. عليك الاستفادة من اهتمام الإعلام وتوجيه المسؤولين والشعب بالاتجاه الصحيح. والمعروف أن للأردن التزامات واسعة في موضوع الحق في الوصول إلى المعلومات ومبادرة الحكومات الشفافة مما يعني أنه بتوجيهكم يجب أن تزيد بصورة واضحة تدفق المعلومات والعقود والوثائق ذات المصلحة العامة لكي تضع الشعب، وخاصة أن الشعب الأردني مثقف وواعي، في صلب الأمور المالية والسياسية التي ستساعدهم لتفهم أسباب قرارتكم التي قد تكون صعبة.

وفي مجال الإعلام فلا بد من التذكير بالتقصير الرهيب الذي بدى لدى الإعلام الرسمي خلال الأيام الماضية حيث تم تجنب ذكر أو متابعة كافة الاعتصامات والاضرابات والاحتجاجات في الأردن. وفي هذا المجال آمل ألا تقع في مطب تغيير الأشخاص فقط. فنحن بحاجة إلى تغيير جذري في أسس إدارة المؤسسات الإعلامية الرسمية والتي يجب أن تعود لدافع الرسوم الشهرية، أي المواطن، وأن تمثل المواطن الأردني بكافة فئاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والجندرية. فالدول المتحضرة تخلق مجلسا تمثيليا يوجه الإعلام الرسمي لكي يكون إعلام دولة وليس إعلام حكومة كما هو الوضع الحالي.

كما لا بد من الإشارة إلى غياب التشريعات والإجراءات الإدارية التي تسمح بتأسيس إعلام مملوك من المجتمع المحلي. وهذا الغياب، أمر في غاية الخطورة إذ ينحصر الإعلام غير الرسمي في الإعلام التجاري الترفيهي الذي لا يقدم أي خدمة حقيقية للمجتمع.

لا بد من التذكير بالتقصير الرهيب الذي بدى لدى الإعلام الرسمي خلال الأيام الماضية

​​ومن أجل زيادة التواصل مع الناس نأمل في إعادة العمل بالمؤتمر الصحافي الأسبوعي كي يكون التواصل دائما وتكون حكومتكم صادقة وشفافة مع الشعب. وفيما يتعلق بدور المجتمع المدني نأمل منكم أن توفروا الغطاء الشرعي لعمل مؤسسات المجتمع المدني واللقاء الدوري مع ممثلي مؤسساتهم لأن الحكومات السابقة قامت بشيطنة المجتمع المدني ووضعت شروطا تعجيزية لعمله أحيانا. وهو الأمر الذي أفقد الدولة الأردنية عنصرا مهما يساهم في إغناء النقاش العام ويوفر تعددية تعكس التعددية الموجودة في الأردن.

اقرأ للكاتب أيضا: حق التنقل: اقتراح عملي يعيد الأمل للغزيين

لقد تم اختياركم للمنصب الهام في إدارة الحكومة الأردنية بسبب إخلاصكم وقدرتكم على سماع صوت الناس وخاصة الشباب كما جاء في كتاب التكليف.

يتطلع الشعب في الأردن والإقليم لنجاحكم ونجاح نهجكم الليبرالي المتفتح والديمقراطي.

لا شك أنكم ستكونون أمام مسؤولية اتخاذ قرارات بحاجة إلى توازن بين أصوات وفئات مختلفة ولكن مؤيدوكم من المجتمع المدني الأردني يأملون أن توفروا للفكر التقدمي والآليات الديمقراطية الحقيقية دورا هاما في صنع القرار.

آملين لكم النجاح في قيادة أردن تقدمي تحت قيادة حكيمة ومشاركة حقيقية للمواطن في صنع مستقبله.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.