جميل السيد ومحاميه في المحكمة الدولية عام 2011 (أرشيف)
جميل السيد ومحاميه في المحكمة الدولية عام 2011 (أرشيف)

بقلم فارس خشّان/

المرحلة الختامية لمحاكمة مجموعة أمنية تابعة لـ"حزب الله" متهمة بتنفيذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدأت.

الأسبوع المقبل، وبعد الانتهاء من الاستماع إلى إفادة خبير طلبه الدفاع، ترفع الغرفة الأولى في "المحكمة الخاصة بلبنان" جلساتها حتى موعد المرافعات المتوقع في آب/أغسطس المقبل على أن يصدر الحكم، تبرئة أو تجريما، في تاريخ لن يتخطى على الأرجح نهاية هذا العام.

ولكن قبيل الختام، حققت المحكمة، عفوا أو عمدا، نقطة مهمة لصالحها بقبول طلب جهة الدفاع استدعاء اللواء المتقاعد جميل السيد، غداة انتخابه نائبا على لائحة "حزب الله" البقاعية، لتقديم شهادته حول المناخ السياسي الذي سبق جريمة الاغتيال وواكبها في محاولة لخلق توازن "معلوماتي" مع الشهادات التي قدمها كبار السياسيين اللبنانيين في هذا السياق.

نفضت المحكمة عن نفسها، ولاحقا عن مكتب الادعاء العام فيها، كل مسؤولية عن سجن السيد ورفاقه الضباط

​​كيف استفادت المحكمة من شهادة جميل السيد، الذي كان قد أوقف في لبنان كمدعى عليه في هذه الجريمة مع ثلاثة ضباط آخرين لأقل من أربع سنوات؟

بعيد بدء المحاكمات، اتخذ "حزب الله" قرارا بوجوب عدم الاكتراث بأعمال المحكمة. وسارت وسائل الإعلام التابعة للحزب والملحقة به، بركب هذا القرار. وشغل الحزب بعض خلايا جيشه الإلكتروني لتسخيف من يأتي على ذكر أعمال المحكمة.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: المعارضة المرذولة

ومع انطلاق التسويات السياسية في البلاد، ولا سيما منها التسوية الرئاسية (التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية)، بدا واضحا أن الجميع همش فعاليات المحاكمة وإجراءاتها حتى بات يمكن القول إن ما يحدث في لاهاي يبقى في لاهاي، في إشارة الى مقر "المحكمة الخاصة بلبنان" وهي محكمة دولية ـ لبنانية مختلطة نشأت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي.

وكان ملاحظا، وسط هذا التهميش، أن وسائل الإعلام الملحقة بـ"حزب الله" كانت وفي كل مرة يحدث ما يمكن تفسيره، ولو بكثير من التأويل والتشويه و"شد الشعر"، أنه يصب عكس توجه القرار الاتهامي تفرغ له مساحة مهمة للنشر والشرح والاستنتاج.

وكان مؤكدا أن هذا الفريق، وفي حال مثل جميل السيد للإدلاء بإفادته سوف يعطيه مساحة وافية اعتقادا منه بأن السيد يخبئ "معلومات ـ متفجرة".

وهذا ما حصل فعلا.

ولكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر، إذ إن المحكمة استفادت من تسليط الإعلام "المعادي" نظره عليها حتى تطلق عملية ترويج لمصداقيتها.

في الشكل، عاملت "الموقوف السابق" باحترام شبيه بذاك الذي أبدته لسائر الشهود ومن بينهم رؤساء وزعماء. وفي المضمون، نفضت عن نفسها، ولاحقا عن مكتب الادعاء العام فيها، كل مسؤولية عن سجن السيد ورفاقه الضباط وألقت، عبر كلمات أطلقها رئيسها ديفيد راي، باللوم على لجنة التحقيق الدولية التي كان يجب أن توصي علنا السلطات اللبنانية بإخلاء السبيل طالما لم تكن هناك أدلة تسمح بالاتهام عملا بقواعد حقوق الإنسان التي لا تتطابق مع تطبيقات القانون اللبناني.

وراحت وسائل الإعلام المعادية للمحكمة تعيد كلمات رئيسها كما لو أنها "حكم مبرم".

وفجأة، وبسحر ساحر، تحولت المحكمة بنظرها من مجرد "جهاز إسرائيلي" إلى "ناطقة بالحق"، وعليه وفي اعتقادها بأن "سحر" من سعى إلى تشكيل هذه المحكمة "انقلب عليه".

وهذا التسليم بكلام قاض واحد سيسحب نفسه، بطبيعة الحال، لاحقا على التسليم بما سوف يصدر من أحكام عن قضاة الغرفة التي يترأسها هذا القاضي لأن ما يكتسبه المرجع من مصداقية الآن لا يمكن إلا وأن يفيده بعد حين عملا بمبدأ "التراكم".

وهذه خدمة... ألماسية!

في المقابل، وعلى صعيد المضمون فمن الواضح أن شهادة جميل السيد لم تقدم ولم تؤخر، إذ كانت خالية من أي معلومة ذات قيمة جنائية ومن أي تحليل ذي وزن "تبريئي"، بل بدت، بكل المعايير أنها:

  • تكرار ممل لمؤتمراته الصحافية.
  • تذكير "استهدافي" بالمسلم به، في سائر الإفادات السابقة، بأن غالبية الطبقة السياسية كانت على صلة وثيقة، أقله حتى العام 2004، بالنظام السوري.
  • تفسير كلاسيكي لا يرقى حتى إلى مستوى التفسيرات التي كان قبل صدور القرار الاتهامي يطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله صاحب الإمرة بوجوب إهمال المحكمة.
    استفادت المحكمة من تسليط الإعلام "المعادي" نظره عليها حتى تطلق عملية ترويج لمصداقيتها
    ​​

محصلة الإفادة هذه، دفعت الفريق الأكثر حرصا على تجريم المتهمين، أي الادعاء العام في المحكمة، لأن يتعامل بنوع من "الاستلشاء" مع مثول جميل السيد.

وقد برز هذا "الاستلشاء" بإعلان ممثل الادعاء العام بأنه لن يخضع الشاهد لاستجواب مضاد، أي لاستجواب يهدف إلى المس بصدقية ما أدلى به من معلومات أو بصدقيته كشاهد.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان وأوروبا وأحدث العقوبات

وكان يمكن للادعاء العام، وردا على إعلان الشاهد أنه يرفض أن يطرح عليه ممثل النيابة العامة أي سؤال لأسباب ينبذها القانون، أن يصر على استجوابه استجوابا مضادا تحت طائلة إسقاط كل إفادته لو اعتبر أن قاله السيد يؤذي بطريقة أو بأخرى قرار الادعاء ومندرجاته.

المسلك نفسه اعتمده ممثل المتضررين المحامي محمد مطر الذي رفض السيد أن يتلقى أسئلته، وكان لسان حاله يقول إن المحكمة لا تعير إفادته أي اهتمام جنائي ومن الأدلة على ذلك أن رئيسها كان، مرارا وتكرارا، يعلق على كلام الشاهد قائلا: "ما تقوله لا علاقة له بالقضية".

وإذا كانت شهادة جميل السيد قد انتهت بإمعان النيابة العامة ـ وهي تحتفظ بمعطيات تحقيقية سرية وافرة ـ في التعاطي مع الشاهد كـ"شخص غير مرحب به"، من خلال رفض ممثلها مبادلته المصافحة، فإن من عُبئوا سياسيا وطائفيا وحزبيا ضد المحكمة سمح لهم هذه المرة أن يروا من دون..."تغبيش".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.