غابت جماعة الإخوان المسلمون عن حراك الشارع الأردني
غابت جماعة الإخوان المسلمون عن حراك الشارع الأردني

بقلم عريب الرنتاوي/

غابت جماعة الإخوان المسلمين عن الحراك الشعبي غير المسبوق، الذي أطاح حكومة هاني الملقي، وأجبر رئيس الحكومة المكلف على التعهد بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل، وإدارة حوار شامل، يفضي لبناء توافق وطني عريض حول ملامح "العقد الاجتماعي" الجديد بين الحكومة والمواطنين.. لم تحضر أعلام الجماعة وراياتها الخضراء. غابت "مكبرات الصوت" المحملة على السيارات الكبيرة وهي تصدح بخطابات قادتها وهتافاتهم وأناشيدهم.. غابت الجماعة فأثار غيابها، كما حضورها في مرات سابقة، العديد من الأسئلة والتساؤلات وتحديدا تلك التي سعى أصحابها لمعرفة كنه القرار من حيث أسبابه ودوافعه، والظروف التي أحاطت به.

في السياق العام، يمكن القول إن الحراك الشعبي الواسع النطاق داهم الجماعة وحزبها السياسي، حزب جبهة العمل الإسلامي، وهي في أضعف حالاتها بعد سلسلة، لم تتوقف حتى الآن، من عمليات الانشقاق والنزيف.. حزبان سياسيان جديدان خرجا من رحمها: "حزب المؤتمر الوطني ـ زمزم" و"حزب الشراكة والإنقاذ"، فيما خلافاتها الداخلية لم تتوقف بعد خروج من يوصفون بـ"المعتدلين" من صفوفها. وهي تنذر بمزيد من الانشقاقات والانسحابات في ظل أكبر وأوسع عملية "شيطنة" للجماعة شنتها أجهزة "الدولة العميقة" من أمنية وسياسية وإعلامية منذ انقلاب المشهد الإقليمي في النصف الثاني من العام 2013 وسقوط حكومة الإخوان والرئيس محمد مرسي في مصر.

والجماعة تواجه منذ ذلك التاريخ امتحاني "الشرعية" و"الشعبية".. في الامتحان الأول، امتحان "الشرعية"، خسرت الجماعة ترخصيها لصالح جمعية منشقة حملت الاسم ذاته وقادها المراقب العام الأسبق عبد المجيد الذنيبات لتشرع الأخيرة في الاستحواذ على ممتلكات الجماعة الأم ومقراتها الرئيسة، وليتولى قادة محسوبون على الحزبين المنشقين قيادة أكبر ذراع اقتصادي واجتماعي وتربوي للجماعة، جمعية المركز الإسلامي، التي سبق للحكومة أن وضعت اليد عليها قبل أزيد من عشر سنوات.

الشارع يمكنه أن يتحرك من دون توجيه أو مشاركة من أحزاب "الإسلام السياسي"

​​إقليميا، تواجه الجماعة أكبر حملة "مكارثية" تتعرض لها من سنوات وعقود تقودها عواصم عربية نافذة، مثل القاهرة والرياض وأبوظبي، حيث تجري أوسع عمليات "المطاردة" و"الاستهداف" لفروعها في مختلف دول العالمين العربي والإسلامي، وفي أوساط الجاليات الإسلامية في الغرب، حيث يجري تجفيف مواردها وحجبها عن الإعلام ويتلقى نشطاؤها وقادتها أحكاما لمدد طويلة، وأحيانا تصل حد الإعدام، لمجرد انخراطهم في صفوف جماعة صنفت رسميا كجماعة "إرهابية" في العديد من الدول العربية تحت ضغط النفوذ القوي للعواصم المذكورة.

اقرأ للكاتب أيضا: بعد ثماني سنوات على انطلاقه، هل يلتحق الأردن بقطار 'الربيع العربي'؟

أما في امتحان "الشعبية"، فقد سجلت الجماعة الأردنية تراجعا ملحوظا في انتخابات طالبية ونقابية حصلت مؤخرا في عدد من الجامعات والنقابات الوازنة في الأردن، أهمها نقابة المهندسين، التي تحولت إلى معقل للجماعة الإسلامية طوال أزيد من ربع قرن. وثمة ما يشي بأن عملا منسقا بين أطراف محسوبة على السلطة وتيارات سياسية وفكرية أخرى، من مدنية ويسارية وقومية، قد أفضى إلى إلحاق الهزيمة بالنفوذ المهيمن للجماعة في هذه المواقع ذات الحضور الجماهيري "النوعي" والمكثف.

في مثل هذه الظروف، الصعبة للغاية، داهمت احتجاجات الشارع الأردني بمنظماته النقابية والمهنية وطبقته الوسطى وقطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة ونشطاء الحراكات الشبابية في المدن والمحافظات المختلفة الجماعة وهي في أضعف حالاتها، حيث سجلت تراجعا ملحوظا عن "خطوط المواجهة الأمامية" في السنوات الثلاث الأخيرة، وأظهرت ميلا للتهدئة والانسحاب من الشارع. كما تخلفت عن الحراكات المتنقلة في الأطراف وسجلت كتلتها البرلمانية (15 نائبا من أصل 130) أداء متواضعا وغير صدامي في البرلمان، حتى حين تقدمت لحجب الثقة عن الحكومة تحت ضغط اتهامات الشارع لها، بـ"الانتهازية" و"المهادنة" وتفادي المواجهة حفظا لما تبقى من مكتسبات.

بهذه الذهنية، واجهت الجماعة الحراك الشعبي الأخير. واكبته إعلاميا وسياسيا من دون أن تنخرط فيه جماهيريا. وتركت لنشطائها حرية المشاركة أو عدمها ولقد سجلوا حضورا متواضعا في الساحات والميادين بما فيها عمان والمدن الكبرى حيث "جغرافيا الانتشار الإخواني". ويدلل هذا الأمر على عمق "الحذر" الذي تبديه الجماعة وحرصها على تفادي المزيد من الاتهامات والمضايقات والرغبة في عدم استدراج المزيد من ردود أفعال حكومية غاضبة.. بل إن الجماعة، ومن خلال أقلام كتاب محسوبين عليها، وجدوا في الحراك فرصة للتذكير بدورهم المتمثل في "ضبط الشارع" و"احتوائه" وتوفير مرجعية "راشدة" يمكن لمؤسسات الدولة مخاطبتها والتفاوض معها.

ربما تكون الجماعة قد أساءت تقدير حجم الحراك الشعبي ومآلاته، وهذه ليست مشكلتها وحدها على أية حال، فالحراك فاجأ الجميع من حيث انتشاره وانخراط مئات الألوف في صفوفه.. وفي ظني، وليس كل الظن إثم، أن الجماعة لربما كانت قررت الانخراط على نحو أكبر لو أنها قدرت أن الحراك سيستمر ويتواصل وتتسع دوائره وينجح حيث أخفقت كتلتها البرلمانية في الإطاحة بالحكومة وفرض سحب مشروع قانون الضريبة المثير للجدل والغضب.

داهم الحراك الشعبي الواسع النطاق الجماعة وحزبها السياسي

​​وربما تكون الجماعة قد تفاجأت بحسن تنظيم الحراك الشعبي والشبابي، سلميته وتحضره. وربما كان من بين صفوف قادتها من توقع انتهاء الحراك إلى مواجهات دامية وفوضى وعنف وشغب، فتكون هي خارجه بالكامل، بل وسيكون بمقدورها إعادة التشديد على نظرتها لنفسها ودورها، بوصفها "ضابطة إيقاع الشارع"، وأنها وحدها القادرة على "عقلنته" وضمان "سلميته" و"معقولية" أهدافه وشعاراته.. الجماعة، كما غيرها من التيارات والاتجاهات، فوجئت بلا شك بانضباط الشارع وأجهزة إنفاذ القانون على حد سواء، مثلما فوجئت بحسن التنظيم وعقلانية الحراك، ففوتت على نفسها "شرف" المشاركة في تحقيق هذا المنجز من دون أن تفلح في كسب أي من الرهانات أو تمرير أي من الرسائل.

اقرأ للكاتب أيضا: قصة صعود وهبوط "الإسلام السياسي" في تركيا

أيا تكن الأسباب والدوافع والظروف التي لابست قرار الإخوان بـ"النأي بالنفس" عن الشارع، فإن معظم المراقبين والنشطاء يعتقدون أنها حسنا فعلت فقد بقي الحراك بعيدا عن أية أجندات حزبية أو فئوية ضيقة ومغلقة. وأثار بقاء نشطاء الجماعة بعيدا عن "الدوار الرابع" الطمأنينة في أروقة صنع القرار الأردني وبات متعذرا على أكثر المحافظين والاتجاهات المناهضة للإصلاح وحراك الشارع اتهامه بالارتباط بأجندات حزبية أو خارجية. وسمح غياب الإخوان لعشرات ألوف الشبان من خارج صفوفهم اتخاذ قرار المشاركة، وربما لأول مرة، في التظاهرات والاحتجاجات من دون خشية من صدام مرجح مع أجهزة الدولة أو "تصنيف" على هذه الجهة الحزبية أو تلك الجهة الإقليمية.

وإذا كان ثمة من خلاصة، يمكن استخلاصها من تجربة "الأسبوع الذي هز الأردن"، فهي أن الشارع يمكنه أن يتحرك، وعلى نحو كثيف كذلك، من دون توجيه أو مشاركة من أحزاب "الإسلام السياسي". وأن الطبقة الوسطي يمكنها أن تقود تحركا وتنخرط فيه بشعارات مدنية ومطلبية، اقتصاديا واجتماعيا بل وسياسيا، من دون "وسيط إسلامي" كما كان عليه الحال في ثورات الربيع العربي وانتفاضاته.. كما قدمت تجربة الحراك الشعبي الأردني، خلاصة ثانية، مفادها أن الحراك الشعبي قد يأخذ شكل موجات متعاقبة، تنجز كل موجة منها أهدافا تكتيكية محددة على الطريق الطويل للتغيير الاستراتيجي المنشود وغير القابل للانتكاس لمسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي والتحول الديمقراطي. فالشوارع والميادين لا يمكن أن تكون مكانا لإقامة مديدة للشبان والشابات إلى حين إنجاز الأهداف الكبرى. مثل هذا الخيار، قد يكون إلزاميا بوجود أنظمة شمولية وعسكرية، بيد أن هناك دولا عربية، من بينها الأردن، لن يأخذ التغيير طريقا كهذا بالضرورة، ولن يحدث دفعة واحدة، نظير أن يبقى سلميا ومتحضرا وخاليا من الدماء التي تملأ ساحات المدن وتتسلق جدرانها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.