تداول مشتركون على موقع " فيسبوك" وسما  حمل اسم #فسبك_كمثقف
تداول مشتركون على موقع " فيسبوك" وسما حمل اسم #فسبك_كمثقف

بقلم كوليت بهنا/

تداول مشتركون على موقع " فيسبوك" الأسبوع الفائت وسما غريبا في توقيته حمل اسم "#فسبك_كمثقف"، وتنافست بعض المنشورات العربية، والسورية بشكل أكبر في إظهار الفرق بين لغة وسلوك الإنسان المثقف ولغة وسلوك الإنسان العادي، بحيث هزأت معظم هذه المنشورات بسخرية لاذعة من المثقف ولغته الخشبية في مقابل إظهار سلاسة وبساطة وشعبوية وظرافة الإنسان العادي. فهل انحدرت النظرة العامة إلى الثقافة والمثقف العربي إلى هذا الدرك المزري بحيث باتا يستحقان الدفاع عنهما؟

تعرف الثقافة عند الفلاسفة بأنها تهذيب وصقل النفس البشرية. وهي مجموعة من السلوكيات التي يتم اتباعها لتقويم سلوك الأفراد والمجتمعات وذلك عن طريق العقائد والثقافات المختلفة التي تهدف إلى تقويم وضبط السلوك ويتجلى المعنى الحقيقي للثقافة في تعبير الفرد عن نفسه بطريقة سليمة بالإضافة إلى المشاركة في الحديث واحترام الرأي الآخر.

وضع بعض المثقفين أنفسهم في موضع التقاعس والخذلان

​​من هذا التعريف يمكن أن نستشف، ولو قليلا، أسباب السخرية من المثقف العربي اليوم والتي تعود للتغييرات الأخيرة التي حدثت في بنية المجتمعات كنتيجة للحراك العربي، إذ تقاعس عدد من مشاهير المثقفين العرب عن مواكبتها، بل على العكس وقفوا ضدها وهاجموها بمنطقهم الثقافي المتعالي؛ فيما يفترض إنسانيا ومنطقيا وأخلاقيا وثقافيا أن ينحاز المثقف بشكل دائم إلى قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان في كل الأماكن والأزمان.

اقرأ للكاتبة أيضا: لبنان: حلم الجميع المشتهى

ولو افترضنا أن لهم رأيهم وتحليلاتهم فيما حدث وأنهم يرون أن هذا الحراك لا يأتي إلا بالخراب لأن شعوبهم غير مؤهلة للحرية أو لا تستحقها، فأضعف الإيمان كان السعي عبر نتاجهم الثقافي لرفع هذه الشعوب لتستحق حريتها؛ مع أهمية اعترافهم الصريح بالحقوق المستمرة لكل الشعوب والتي لا تتوقف بثورات أو بدون ثورات. وسبق لهؤلاء المثقفين أن قدموا أنفسهم على أنهم دعاة حرية وحق وأنهم يدعمون نضال الشعوب في أصقاع الأرض، وجالوا حول العالم لتقديم المحاضرات أو القصائد الطنانة الرنانة أو ترويج أعمالهم الفكرية أو الفنية ونيل أوسمة الصداقات مع هذه الشعوب أو تلك والتقاط الصور التي يظهرون فيها بابتسامات عريضة كمثقفين أبطال لا يؤرق نومهم إلا الظلم الذي تتعرض له هذه البشرية المسكينة.

وبناء عليه، وضع بعض المثقفين أنفسهم في موضع التقاعس والخذلان. وانهار بنظر العامة كل نتاجهم الثقافي والفكري جراء مواقفهم. وكان من الطبيعي أن تتحول النظرة للمثقف والثقافة من الاحترام والتقدير إلى عكسيهما، دون أن يشمل هذا الكلام العدد الأكبر من المثقفين العرب الذين انحازوا لشعوبهم ونزلوا معهم إلى الشارع دون تردد أو تقاعس وطالهم القمع دون تمييز. وعند الحديث اليوم عن حال المثقف، يجب التمييز حكما وعدم التعميم الظالم والإجحاف وخلط الأمور.

إذا انحدرت النظرة للمثقف العربي والثقافة اليوم، فعلى الجميع مداواة هذه الانتكاسة الخطيرة، لا تكريسها وتمضية الوقت للتسلية بها

​​إضافة إلى ما تقدم، وخلال العقود الأربعة الماضية، قدم العديد من المثقفين صورة عن أنفسهم باتت تدعو للضحك والرثاء. بحيث اعتدت أن ترى معظمهم يتأبطون عشرات الصحف أو يحملون حقيبة متخمة بالكتب المهداة لهم والتي يرمونها فيما بعد. يطلقون لحاهم ويطيلون شعورهم دون أي جهد في تصفيفها. تتدلى دائما سيجارة من طرف شفتهم السفلى. يقضون أوقاتهم في المقاهي مع شلة من المريدين أو يتأملون الأفق لساعات طويلة مع النق النكدي والتذمر الدائم من همجية الشعب حولهم.

اقرأ للكاتبة أيضا: الدراما الرمضانية: تكرار المكرر

ولعبت دراما تلك الحقب الزمنية دورها في تكريس هذه الصورة النمطية مظهرا وسلوكا ولغة، بحيث انبرى العديد من كتاب الدراما (بعضهم من هؤلاء المثقفين ذاتهم) للكتابة عن المثقفين، واستعملوا لغة نخبوية أو خشبية جعلت العامة تجفل من صورة المثقف وكل ما يمت إليه بصلة. واستمرت هذه اللغة أحيانا في التعامل مع وسائل الاتصال الاجتماعي حديثا.

الإنسان المثقف ليس العامل في الشأن الثقافي أو صاحب الإنتاجات الثقافية فحسب، إذ تشهد مرحلة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين على عدد كبير ممن تميزوا بثقافة عالية وعملوا على دعمها عبر المساهمة في نشر الفكر المستنير وإنشاء المسارح وصالات السينما ودور النشر وغيرها، وكان معظم هؤلاء يعملون في حقول المحاماة والطب والسياسة والهندسة وغيرها. إذ لا تشترط الثقافة أن يعيد المرء إنتاجها بالكتب والمقالات والفنون وغيرها، ويكفي أن تفعل فعلها الحضاري داخل النفس البشرية وتعيد إنتاجها مترجمة بسلوك حضاري يصب في النهاية في دعم ارتقاء الأمم. وإذا انحدرت النظرة للمثقف العربي والثقافة اليوم، فعلى الجميع مداواة هذه الانتكاسة الخطيرة، لا تكريسها وتمضية الوقت للتسلية بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.