حقل ألغام في البصرة جنوب العراق
حقل ألغام في البصرة جنوب العراق

بقلم منى فياض/

تحيلنا الانتخابات المتزامنة بين لبنان والعراق، بفارق أسبوع واحد، إلى المقارنة بين أوضاع البلدين لجهة علاقتهما التاريخية بإيران ومن يمثلها في كلا البلدين.

هناك الكثير من النقاط المشتركة، وليس بالضرورة المتشابهة، بينهما على هذا الصعيد. فعلاقتهما بإيران الإسلامية بدأت منذ قيام الثورة؛ علاقة سلبية وعداء مع العراق جراء الحرب التي شنها صدام حسين، وخطة هيمنة بطيئة لعلاقة تتسلل متخفية بلبوس "مقاومة" إسرائيل وتحرير جنوب لبنان عبر إنشاء خلايا حزب الله أو "المقاومة الإسلامية" التي تكونت من بقايا عناصر من المنظمات الفلسطينية واليسارية ومن منشقين عن "حركة أمل موسى الصدر".

بحكم التجييش الطائفي ـ المذهبي الذي استجلبه قانون الانتخاب عادت النخبة الحاكمة ذاتها وزادت هيمنة حزب الله

​​وفي حين كانت إيران في حالة حرب مع النظام العراقي إلى حين "تجرع سم" إيقافها، عملت في لبنان بدأب وصمت خلال أكثر من 30 عاما على توجيه وتجميع جيوب وخلايا وتجمعات وجمعيات حول حزب الله و"المقاومة الإسلامية" التي أعلنت بعد أن كانت انطلقت المقاومة المدنية العلمانية التي قامت بها الأحزاب اليسارية اللبنانية.

انضم إلى "المقاومة الإسلامية" جموع من المقاتلين والمناضلين مجرحي الهوية والمحبطين بعد حرب 1982 الإسرائيلية وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. هذا بينما حرص الحزب، بمساعدة النظام السوري وعلى الأرجح بتخطيط إيراني، على احتكارها ومنع المقاتلين غير المنتمين إلى خطه بجميع الوسائل من القتال لتحرير أرضهم.

اقرأ للكاتبة أيضا: البروباغندا خدمت إيران على المدى القصير لكنها تنقلب عليها الآن

عمل الحزب طوال تلك السنوات على بناء شبكة علاقات تتمحور حول مؤسسات تقدم الخدمات الصحية والتربوية وحتى الترفيهية تحت شعارات إسلامية ـ مذهبية غير فاقعة في البداية؛ لكنها مع الوقت تحولت إلى مدارس غسل دماغ وربط أبناء الطائفة الشيعية بسلسلة من الطقوس والعادات شملت مجمل نواحي الحياة عبر ابتداع المناسبات الاجتماعية والدينية بحسب شعار "والمؤلفة قلوبهم".

كما فرضت عادات جديدة في اللباس وطريقة الكلام والتعبيرات الفنية التي اقتصرت على الأناشيد الدينية والوطنية، وحتى في التدين فلقد درجت في بداية التسعينيات من القرن الماضي عادة تكفير الأبناء للأهل لعدم صحة تدينهم، وخصصت رواتب للفتيات اللواتي يرتدين التشادور وخصوصا في الجامعات.

فانقلبت الحياة الاجتماعية لسكان القرى والبلدات الشيعية وتمحور وجودها حول هذه المظاهر المستجدة، والتي كانت تتكاثر باطراد مع مرور الوقت وتؤطر مجمل نواحي الحياة عبر إضافة المزيد من المناسبات الدينية والأعياد والمزارات والتي لم تكن معروفة في الجنوب اللبناني ناهيك عن البقاع، منطقتي التمركز الشيعي في لبنان.

وتحولت المدارس إلى أمكنة للتبشير بالمذهب الشيعي ـ الصفوي الجديد وأدخلت مناهج غريبة عن المنهج اللبناني، مما يزيد ارتباط الأجيال الجديدة بالبلد الاجنبي، أي الإيراني، وتبعدهم عن لبنانيتهم بحيث مرت فترات ـ 2006 مثلا ـ كانت فيها دكاكين الضاحية تخلو من العلم اللبناني فلا تجد فيها سوى العلم الإيراني أو علم حزب الله.

في المقابل، تزامنت تلك الفترة مع حقبة الحرب العراقية التي شنها صدام على إيران ووجد فيها الخميني فرصته الذهبية للتخلص من معارضيه وتثبيت حكمه في الداخل عبر تأجيج الشعور القومي الفارسي. وفيما كان نظام صدام يمعن في غروره وبطشه، كان نظام الملالي يتغذى من أخطائه المتناسلة من أجل بناء شبكة علاقات من المضطهدين والمتضررين من نظام صدام وخصوصا الشيعة الذين سيشكلون نقطة ارتكاز سيستغلها نظام الملالي أفضل استغلال. كما سيتعلم ويخطط لشن الحروب على أنواعها، من ناعمة إلى شرسة، على أرض أعدائه أنفسهم بعيدا عن إيران وبواسطة أبنائهم بالذات كوقود.

شكلت الحرب الأميركية على نظام صدام حسين وإسقاطه، فرصة ذهبية للتغلغل الإيراني في العراق وبناء شبكة روابط على غرار تجربته اللبنانية الناجحة. وما كان ليحصل ذلك إلا بغض نظر غربي أراد الانتقام من الإرهاب السني.

لكن اختلفت الأوضاع في العراق عنها في لبنان، ففي حين كان التواجد الإيراني في لبنان غير ظاهر وغير معلن وبل وحتى مخفي لأن حزب الله ـ الوسيط /التابع عمل تحت ستارة مقنعة بعنوان مقاومة إسرائيل ولم يعترف بتبعيته الكاملة لإيران سوى منذ فترة قريبة. وظل الحزب لسنوات ينفي علاقته العضوية بإيران لجهة التمويل وتلقي الأوامر وتنفيذها عبر فتاوى دينية ملزمة، مكتفيا بالمقاومة ومبتعدا عن السلطة التنفيذية في لبنان تاركا لشريكته حركة أمل الاحتكاك المباشر بالأوضاع اللبنانية.

في هذا الوقت كان التواجد الإيراني المباشر يتصاعد ويتكثف في العراق ويتدخل بشكل مباشر عبر ممثلين ووكلاء تدخلوا في كل شاردة وواردة بعد أن تغلغلوا وتوصلوا إلى تشكيل الحكومات ودعمها.

بينما يمنع النظام اللبناني، عبر التوازنات الدقيقة التي تحكم علاقات الطوائف فيما بينها، حزب الله من الهيمنة المباشرة؛ إلا أنه وجد الوصفة المناسبة للهيمنة عبر التحالف مع شريك مسيحي شكل له الغطاء الميثاقي وعبر صفقات وتحالفات طالت مختلف الأفرقاء، ومن ثم وجه سلاحه إلى الداخل اللبناني بعد حرب 2006 متهما قوى 14 آذار بالتواطؤ مع إسرائيل بعد أن كان قد شكر رئيس الحكومة اللبناني خلال حرب 2006، فؤاد السنيورة، على جهده في الاتفاق الذي حصل لإنهاء الاعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل. ومن ثم قضم حزب الله صلاحيات الحكومات وشوه النظام السياسي اللبناني بالتدريج وفرض أجندته عبر توسيع شبكة حلفائه من مختلف الطوائف، مع المحافظة على قواعد اللعبة شكليا.

فضحت الثورة السورية دور حزب الله أمام السوريين وفي الداخل اللبناني وكشفت أقنعته ومذهبيته الفاقعة كما تمثيله للمصالح الإيرانية على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية والمصلحة العربية. مع ذلك ظل يحتفظ بجمهوره الشيعي عبر التقديمات المعهودة والتي أضيف إليها تخويفهم من الآخر لشد عصبهم المذهبي خلف حاميهم القوي الذي لا يقهر شاعرين بفائض قوة غير مسبوق.

أما ما فضح دور إيران وكشفها أمام الشعب العراقي فتدرج من تنصيب المالكي رئيسا للحكومة رغم حصول علاوي على أعلى نسبة من الأصوات في الانتخابات، وأبقي لفترة ثانية ما سمح لإيران بالهيمنة عبر الممارسات المذهبية الميليشيوية التي مارسها ما تسبب بانهيار المؤسسة العسكرية العراقية وتفشي السلاح ـ يقال إنه يوجد 36 مليون قطعة سلاح خفيف ومتوسط بين أيدي المواطنين ـ وتفشي الفساد وإفقار الشعب العراقي بالرغم من ثرواته الضخمة.

نتج عن كل ذلك، وأسباب أخرى، خروج ظاهرة تنظيم "داعش" كما الميليشيات والمجموعات المسلحة التابعة لإيران والتي فرخت كالفطر، مثل "عصائب أهل الحق" و"منظمة بدر"، ناهيك عن أن "داعش" أحدث القتل والتهجير في المناطق ذات الأغلبية السنية قبل غيرها؛ ما شكل هزة للمجتمع السني وأعاد الاعتبار لمفهوم مؤسسات الدولة والدولة المدنية (المقصود هنا دولة غير دينية تفصل ما بين الدين والسلطة السياسية) كأكبر منافس للإسلام السياسي.

تحولت المدارس إلى أمكنة للتبشير بالمذهب الشيعي ـ الصفوي الجديد وأدخلت مناهج غريبة عن المنهج اللبناني

​​من هنا جاءت استفاقة الشعب العراقي تجاه الهيمنة الإيرانية، وخصوصا الشق الشيعي على مصلحة البلد الذي ينتمي إليه؛ ما ينبئ بتغير الوضع في العراق لغير مصلحتها. ورغم أن المشاركة في هذه الانتخابات تعد من أدنى النسب في تاريخ العراق الحديث، وفيما يعبر هذا الأمر عن يأس المواطن العراقي وعدم ثقته بالانتخابات أو بحكامه ومن يشرفون عليها؛ لكنها أشارت مع ذلك إلى حصول تحولات كبيرة تجري في العراق، من مثل تحالف تيار الصدر الأصولي مع الشيوعيين والعلمانيين والتكنوقراط ولو أن البعض لا يعتبرهم مستقلين تماما. حتى الشعارات الانتخابية لم تعد طائفية على غرار "جيش الحسين ضد جيش يزيد" وما شابه ذلك.

اقرأ للكاتبة أيضا: شرعية الأسد درعا للدب الروسي والطاووس الإيراني

لكن الانتخابات اللبنانية فعلت العكس، فبحكم التجييش الطائفي ـ المذهبي الذي استجلبه قانون الانتخاب عادت النخبة الحاكمة ذاتها وزادت هيمنة حزب الله وأعطته ثلثي مجلس النواب واستعادت الودائع السورية.

ذلك أن الوضع في لبنان أكثر تعقيدا ولا تزال قطاعات من الشعب اللبناني تعتبر حزب الله مقاومة ولم ينفضح تماما سلوكه الميليشيوي في الداخل كما حصل في العراق. لا يزال الحزب قوة لبنانية ساهمت بتحرير الجنوب خصوصا أن ثقله في الحكم مستجد فهو لم يتغلغل في أجهزة الدولة كحركة أمل وبالتالي لم يتظهر بعد بما فيه الكفاية كطرف فاعل ومشارك في تقاسم الجبنة والحصص مع الشركاء.

الدينامية مختلفة تماما بين العراق ولبنان، فإيران لا تزال متوارية عن الأنظار في لبنان لولا تصريحات مسؤوليها عن احتلالهم لأربع عواصم عربية، فهي تلعب دائما من خلف الستارة أو عبر وكلاء ومرتزقة من مختلف الأرجاء. لكن موقف إسرائيل المستجد منها كما الموقف الأميركي سيجعلها مكشوفة تماما ويعيدها إلى حجمها هي والحزب في لبنان أو يفجر الوضع.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.