من العرض المسرحي (تصوير ليز لورين)
من العرض المسرحي (تصوير ليز لورين)

بقلم رياض عصمت/

الحرية، تلك الكلمة التي لا تقدر بثمن. الحرية، شعار رفعته الثورات، ثم ما لبثت أن منعته أنظمة عدة من التداول. أضحى السؤال عن الإيمان بالحرية يطرح كاتهام على حواجز التفتيش تحت تهديد السلاح وكأنها جريمة يحاسب عليها القانون.

لكن الحرية تبقى موضوعا أزليا خالدا، حارب من أجله الإنسان ضد العبودية والاستبداد في كل زمان ومكان في التاريخ القديم والحديث، من سيرة الأنبياء والرسل، إلى ثورة سبارتاكوس والثوار أجمعين، وصولا إلى مناضلي التحرر والعدالة في عصرنا الراهن.

جوهر مسرحية سوزان ـ لوري باركس "الأب يعود إلى البيت من الحروب" (Father Comes Home from the Wars) موضوعات تمس قضية الحرية والكرامة. لكن السؤال الأعميق: كم تغير الحرب من طبائع البشر، وهل تدمر أخلاقهم أم تحييها؟ يمكن للحرب عموما أن تكون واحدة من الحروب الكثيرة التي شهدها التاريخ في الماضي، ويشهدها الحاضر الآن، وسيشهدها المستقبل غدا. لكن خيار المؤلفة المسرحية الأميركية ذات الأصول الأفريقية كان أن تتناول الحرب الأهلية الأميركية بين الاتحاديين في الشمال الذين أرادوا منح السود حقهم في التحرر من الرق والمساواة مع البيض، وبين الكونفيدراليين في الجنوب الذين أرادو إبقاء السود عبيدا يبتزون جهودهم في مزارع القطن والذرة مقابل الفتات.

كم للحرب من ثمن باهظ، فهي تغير من طبائع البشر إلى نقائضها

​​إذن، الموضوع المحوري هو الحرب مقابل الحرية، احتمال الموت مقابل الكرامة، فقدان الحبيبة للزوج الغائب مقابل التحرر من العبودية، وإن تكشف العمل دراميا عن جوانب أخلاقية وإنسانية عديدة مثيرة للاهتمام العميق لدى مختلف الأجيال.

في الواقع، عندما يكون العمل الفني عظيما، فإنه يتمتع بسمة الخلود على نحو أو آخر، ويمكن تفسيره بصور متباينة ليتحدى عوائد الزمان. لذلك، استلهمت سوزان ـ لوري باركس مسرحيتها "الأب يعود إلى البيت من الحروب" بشكل تهكمي ساخر من ملحمة "الأوديسة" لهوميروس، وحظيت المسرحية عقب نشرها في عام 2015 بعدة انتاجات ناجحة من قبل بعض أشهر الفرق المسرحية الأميركية، من نيويورك وكمبريدج على الساحل الشرقي إلى لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو على الساحل الغربي، وها هي ذي تكمل مشوارها بافتتاحها على مسرح "غودمان" العريق في شيكاغو بتاريخ 4 حزيران/يونيو 2018.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تعكس سينما الواقع الحقيقة؟

جدير بالذكر، أن سوزان ـ لوري باركس سبق أن حازت جائزة "العبقرية" من مؤسسة ماك آرثر، كما نالت جائزة "بوليتزر" عام 2002 على مسرحيتها Topdog/Underdog، لتكون أول كاتبة أميركية من أصول أفريقية تنال هذا الشرف الرفيع في مجال الدراما. كما أسهمت سوزان ـ لوري باركس في كتابة السيناريو السينمائي للمخرج سبايك لي، ولنجوم مثل دنزل واشنطن وبراد بيت، فضلا عن قيامها بتدريس مادة التأليف المسرحي في جامعة نيويورك.

تدور أحداث مسرحية "الأب يعود إلى البيت من الحروب" في مزرعة بولاية تكساس في العام 1862. قسمت المؤلفة مسرحيتها إلى ثلاثة أجزاء تقدم جميعا في عرض واحد طويل يزيد عن ثلاث ساعات. أطلقت المؤلفة على الجزء الأول عنوان "مقياس الرجولة"، والثاني "معركة في البرية"، والثالث "وحدة الأجزاء الكونفيدرالية". يتسم العمل بأسلوب بالغ الحداثة من خلال شخصيات أغلبيتها الساحقة من السود، باستثناء شخصيتي مالك المزرعة الذي يذهب لخوض الحرب برتبة كولونيل، وضابط أسير مصاب بجرح بليغ في ساقه من الجيش الاتحادي.

تبدأ حبكة المسرحية بعبد يدعى "هيرو" (لعب دوره بحضور قوي ولافت الممثل كمال أنجلو بولدن) يواجه خيارا صعبا طرحه عليه سيده الأبيض بين أن يرافقه إلى الحرب للقتال مع القوات الاتحادية مقابل أن يمنحه حريته بعد تلك الحرب، أو أن يبقى في المزرعة آمنا كعبد إلى الأبد مع زوجته وبقية النساء والعجائز. يتردد "هيرو" في خوض غمار المغامرة، وبعد أن يكون على أهبة المخاطرة بحياته من أجل نيل حريته، تقنعه زوجته "بيني" (لعبت دورها بمنتهى الحيوية الممثلة الموهوبة إيمي دونا كيلي) أن بقاءه سالما كعبد خير من موته المحتمل.

يهم الزوجان بقطع إحدى قدمي "هيرو" ليتجنب السوق إلى الحرب، خاصة وأن رفاقه يبثون الشكوك لديه في وفاء السيد الأبيض بوعده في منحه حريته. لكن "هيرو" يختار أخيرا المخاطرة بحياته من أجل الحرية تعويضا عن شعور دفين بالذنب لأنه أسهم في اعتقال صديقه "هومر" (لعب دوره باقتدار الممثل جيمي لينكولن سميث) الذي حاول الهرب من نير العبودية، وقام بتسليمه إلى سيده الأبيض التزاما منه بما اعتقد أنه واجبه، فعوقب الصديق بقطع قدمه ليعرج إلى الأبد. عندما يكشف الصديق أمام بقية العبيد عن دور "هيرو" في الوشاية به واعتقاله، يثير احتقار جميع السود تجاهه بعد احترام، فيبصقون نافرين منه، ويرفضون مناداته باسم "هيرو"، أي "البطل". بالتالي، يقرر الذهاب إلى الحرب مهما كانت النتائج كي ينال حريته المنشودة.

أضفت المؤلفة مسحة من الكوميديا السوداء على موضوع مسرحيتها المأساوي، وزينتها بمسحة غنائية/موسيقية لتضفي على العرض متعة غير مألوفة أو متوقعة. أما من حيث المضمون، فسعت بحنكة وبراعة إلى تسليط الضوء على مختلف الجوانب الأخلاقية لسلوك بطلها، الذي يخوض غمار حرب طاحنة من أجل إثبات هويته ونيل حريته واستعادة كرامته واعتزازه بنفسه.

في الفصل الثاني، نرى "هيرو" جنديا مطيعا، حتى حين يوهم سيده الكولونيل الأسير الاتحادي الجريح بأنه سيعدمه. لكنه في نهاية الجزء الثاني، ومع اقتراب دوي مدافع الاتحاديين واستعداد سيده الكولونيل للهرب أمام انتصارهم الوشيك، لا يمانع "هيرو" أن يرتدي سترة الجيش الاتحادي، محاولا التعويض عن ذنبه الذي اقترفه تجاه صديقه الأسود "هومر" بإطلاقه سراح الضابط الأسير، خاصة حين يعلم منه أنه ينحدر من أصل عرقي غير أبيض.

في الجزء الثالث، نرى العبيد في المزرعة عقب الحرب وقد صمموا على الفرار من ربقة العبودية مهما كلفهم ذلك من ثمن. كما نرى "بيني"، زوجة "هيرو"، وقد وصلها نبأ عن استشهاد زوجها، ونعلم أنها أقامت علاقة عابرة مع الصديق الأعرج "هومر". كما نتعرف لأول مرة على كلب البطل المسمى "أوديسة" بلمسة كوميدية طريفة من المؤلفة، (وأدت دور الكلب الكوميدي وحواره الظريف الممثلة بريتني لوف سميث).

يفاجئ "هيرو" الجميع بعودته سالما غانما يحمل الهدايا لأسرته، ويداعب كلبه الوفي. لكن، بين الفرحة لقدومه، وخيبة أمل الصديق الذي أحب الزوجة ظنا منه أنها غدت أرملة، واختلاط مشاعر الزوجة التي ظنت زوجها قد استشهد، يجد "هيرو" نفسه في مأزق نفسي وأخلاقي صعب، وإن أضحى حرا من العبودية كما أراد ورغب، ومرتديا زيا عسكريا خليطا من بزات الكونفيدراليين والاتحاديين.

كم غيرت الحرب من إنسانية "هيرو"! بل كم تغير الحرب من طبائع البشر، وتنقلهم من الخير للشر، ومن الشر للخير! إنها مسرحية رائعة حقا في معانيها وإيحاءاتها ودلالاتها الرمزية، ولا غرابة أن تستلهم مؤلفتها بشكل طفيف وحر ملحمة شهيرة وخالدة مثل "الأوديسة".

كم تغير الحرب من طبائع البشر، وتنقلهم من الخير للشر، ومن الشر للخير!

​​قام بإخراج عرض مسرح "غودمان" المخرج الموهوب نيجيل سميث، القادم من نيويورك حاملا في رصيده عدة جوائز قيمة مع سمعة عريضة في مجال الإخراج المسرحي. جسد تصور المخرج رؤية المؤلفة بمزيج من الجدية ذات الطابع الملحمي في تناول قصة درامية عن فترة الحرب الأهلية الأميركية بشكل يتسم بالواقعية تارة، وبالشعر والشاعرية تارة أخرى، وبالموسيقى والغناء الأصيلين تارة ثالثة بأداء المغنية السوداء المعروفة في أوساط شيكاغو الموسيقية ميلودي إنجل، وألحان جوستين إلينغتون. لكن الرائع حقا هو الديكور بالغ التقشف والحداثة، الذي امتد بجسور أحاط بها جزء من الجمهور، بينما جعل المخرج الممثلين يظهرون ويحتفون من مخارج ومداخل الصالة نفسها بين المتفرجين.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تنبأ سام شيبرد بلا معقولية المستقبل؟

تباينت مواقف بطل مسرحية "الأب يعود إلى البيت من الحروب" بين الحب المخلص، وبين الشعور بالذنب بسبب ما ارتكبه البطل إزاء صديق، ثم الإحساس العميق بالألم وخيبة الأمل نتيجة تعرضه للخيانة من ذلك الصديق مع زوجته.

كم للحرب من ثمن باهظ، فهي تغير من طبائع البشر إلى نقائضها، وكثيرا ما يدفع المرء بسببها ثمنا غاليا من عواطفه، ليمتزج الأمل بالألم، والنصر بالمرارة. بالتالي، فهذه مسرحية تتناول الماضي بقدر ما هي عن الحاضر، إذ بذلت المؤلفة القديرة سوزان ـ لوري باركس جهدها لمناقشة القيم الإنسانية الخالدة، مستلهمة هوميروس في "الأوديسة" دون تطابق واتباع، بل بتحرر وإبداع.

لذلك، فإن موضوعات العمل التي تتناول الحرية والحرب والتضحية والكرامة والإخلاص والخيانة ونكران الذات يمكن أن تنطبق على ثقافات عديدة في العالم أجمع، وتلهم الجمهور المعاصر دروسا عن الحرب والسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.