الأصولية القومية هي الوجه الآخر للأصولية الدينية
الأصولية القومية هي الوجه الآخر للأصولية الدينية

بقلم محمد المحمود/

اعتاد الفضاء الثقافي العربي على مقاربة الظاهرة الأصولية في بعدها الديني خاصة، بحيث لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاقها إلا هذه الأصولية الدينية التي ترفعت ـ منذ سبعينيات القرن العشرين وإلى اليوم ـ لتصبح تحديا ثقافيا ومجتمعيا وسياسيا، بل وأمنيا، وهو ما دفع لاستنهاض الخطاب الثقافي/ الفكري من أجل مواجهة هذا الخطر الأصولي الداهم، في حين، لم يكن ثمة التفات يذكر لمواجهة الأصولية القومية (من منطق كونها "أصولية" تحديدا، وإلا فالنقد الموجه لها كثير)، فضلا عن بقية الأصوليات. ولهذا، ونتيجة لهذا "الصمت الناطق"؛ يحق لكثيرين أن يتساءلوا: هل ثمة أصولية متضمنة في الخطاب القومي العربي؟

إن القومية العربية التي بزغ نجمها السياسي بداية النصف الثاني من القرن العشرين، لم تنهض على فراغ. لقد تأسست على شعور عربي عام، على موقف وجداني ذي بعد ثقافي رسم معالمه المشروع النهضوي الذي كان يتحدث بلغة واحدة (العربية)، ويضع نفسه في سياق تاريخ واحد؛ من حيث هو نتاج مشروعية تاريخية واحدة. النتاج الثقافي والأدبي والديني، وما رافقه من تحقيق لكثير من كتب التراث، على امتداد النصف الأول من القرن العشرين، كان يقرأ في كل أقطار العالم العربي؛ سواء كتب في مصر أو في لبنان أو في العراق أو في سورية أو في تونس... إلخ.

الأصولية القومية هي الوجه الآخر للأصولية الدينية، وأن الأولى قد تكون أشد جهلا وغباء وتعصبا في كثير من الأحيان

​​فاللغة الواحدة، والتراث الواحد، والتاريخ المتصور واحدا، لهذا أصبح أعلام هذا الحراك أعلاما للجميع. الجميع في العالم العربي كان يقرأ محمد عبده، ولطفي السيد، وطه حسين، وعباس العقاد، ومحمد حسن الزيات، والزهاوي، ومعروف الرصافي، وشكيب أرسلان، ومحمد كرد علي، وعلي الطنطاوي، وإبراهيم المازني، وهيكل... إلخ، فضلا عن أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأبو شادي، وإبراهيم ناجي، وغيرهم من رموز الأدب والفكر والشعرية العربية. كل هذا نمى في الوجدان العربي العام تصورا واضحا عن "أمة عربية" متمايزة، تبحث عن مستقبلها في واقع دولي بائس/ زمن الاستعمار؛ من حيث هي تبحث عن تاريخها الذي تصنعه على حدود طموحاتها الحالمة بغد يستعيد مجد ذلك التاريخ!

إن القومية العربية التي بنت مشروعيتها على هذا النتاج الثقافي، وعلى ما نجم عنه من شعور قومي عام، تكون ـ على مستوى العقل الواعي ـ بمعزل عن جذوره المغروسة في صميم الهم الديني. الآباء المؤسسون لهذا الحراك الثقافي، كالأفغاني ومحمد عبده من رواد الإصلاحية النهضوية كانوا يطرحون النهضة من زاوية التجديد الديني. وبالتالي، انطبعت النهضة الثقافية اللاحقة بطابع ديني؛ حتى وهي تخوض معاركها مع التقليدية الدينية السائدة. ولعل هذا هو ما يفسر العودة الصريحة إلى الطرح الثقافي الديني من قبل كبار الأدباء والمفكرين ابتداء من أواخر ثلاثينيات القرن العشرين؛ حتى كاد بعضهم أن يتخصص في هذا مجال.

اقرأ للكاتب أيضا: النقد الذاتي والحماس الجماهيري

من الواضح أن كثيرا من وراد القومية العربية الأوائل، وضعوا الإسلام، الإسلام كثقافة على الأقل، في صلب الخطاب القومي، كما أن الخطاب الأصولي الديني من جهته أكد على البعد القومي العروبي للإسلام، ليس في مقولات مفكريه المحدثين، بل حتى في مقولات مراجع الأصولية الكبار (كابن تميمة مثلا، الذي أكد ـ بعنصرية عربية فاقعة الألوان ـ أن "جنس العرب أفضل من جنس العجم"). ولهذا، لا نعجب حين نرى الكواكبي الذي ناضل كعروبي ضد الهيمنة العثمانية، هو ذاته الذي طرح الاستقلال العربي المنشود في صورة خلافة إسلامية مستحدثة، شرط أن يكون الخليفة قرشيا، أي في النهاية عربيا/ غير تركي!

صحيح أن النصف الثاني من القرن العشرين شهد صراعا حادا بين القومية والإسلاموية، إلى درجة أن الأطروحة القومية تعلمنت نتيجة هذا الصراع، وأصبحت تتحسس من مقولات الإسلامويين، بل وأحيانا من الفكر الديني ذاته. ومن جهتها، واجهت الإسلاموية الفكر القومي مواجهة شرسة، فجرمته غاية التجريم؛ إلى أن وصلت به درجة الكفر الصريح، بعد أن وضعته صراحة في خانة "الجاهلية المعاصرة"، وربطته ـ كتيار فكري/ حركي ـ بالتغريب والغزو الثقافي، وألحت في أدبياتها على أن الفكرة القومية من أساسها "فكرة جاهلية" مستوردة من الغرب الكافر الذي يسعى لهدم الإسلام، وذلك بإحلاله الرابطة القومية محل رابطة الإسلام.

لكن، يجب ألا يخفى علينا أن هذا العداء إنما هو عداء الأشقاء المتنافسين على موائد السلطة الآخذة في التشكل في مرحلة ما بعد الاستعمار! بل إن الناصرية ذاتها، وهي التي أصبحت الوصية على القومية العربية، لم تكن قومية عربية في بداياتها، بل كانت وطنية مصرية خالصة/ قومية مصرية، وهمومها كانت لا تتعدى حدود مصر. ولولا ما حدث في 1956، وما ترتب عليه من جيشان جماهيري عربي مؤيد للصمود المصري في مواجهة العدوان الثلاثي (مع تحقق الهزيمة!)؛ ما خطر في بال الناصرية أن تستعين بهذا "المد القومي" المفاجئ لمواجهة التحدي الداخلي الكبير المتمثل في الأصولية الإسلامية/ جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تنازع الناصرية/ ضباط الجيش على السلطة، وكانت تملك القوة الجماهيرية الكاسحة، فيما كان الجيش يملك مؤسسات الدولة المدعومة بقوة السلاح.

لقد أرادت الناصرية، ومن بعدها بقية حركات الانقلاب المفتقدة للشرعية أن تتخذ من القومية دينا؛ لأنها كانت تبحث للدولة (التي وثبت عليها بعملية قرصنة خاطفة) عن دين جماهيري يستطيع التصدي لمشروعية الجماعات الدينية التي تربط نفسها بمشروعية تاريخية جماهيرية تضرب في عمق التاريخ. لهذا، اتخذت من القومية العربية أيديولوجيا دولة، وتعاملت معها بمنطق ديني، ولم تكتف بذلك، بل طعمتها ببعض ملامح الخطاب الديني حتى لا تحدث قطيعة كاملة بينها وبين الجماهير العربية التي لا يمكن لها أن تعي نفسها إلا من خلال تاريخها، ذلك "التاريخ العربي المجيد" الذي هو ـ في الوقت نفسه ـ تاريخ الإسلام بامتياز.

من هنا أصبح للقومية خطابها الدوغمائي الأصولي. أصبح للقومية أصنامها وأساطيرها، كما أصبح لها عبادها المخلصون المتبتلون في محاريبها. وكأي دين، أصبح للقومية قضاياها المقدسة التي لا تقبل أي نقاش/ حوار؛ إلا حوار تأييد على تأييد، وتأكيد على تأكيد، يقين يرثه خلف عن سلف بوثوقية عمياء. والويل لمن يحيد عن الصراط المستقيم القومي، الويل لمن يجنح أو يجمح برأي يصادم أصول الاعتقاد القومي التي سنها الآباء المؤسسون.

عند التأمل؛ نجد أن لغة التكفير القومي لم تكن تختلف عن لغة التكفير الديني؛ إلا في المفردات الاصطلاحية (هي هناك: خائن، وهنا: كافر)، بل ربما كان الإقصاء القومي المتشرعن بالتخوين أسرع وأقسى من الإقصاء الديني المتشرعن بالتكفير؛ لأن مساحات الاختلاف والتنوع في القومي أضيق من مساحات الاختلاف والتنوع في الديني.

إن البنية الذهنية للأصولي القومي لا تختلف عن البنية الذهنية للأصولي الديني في شيء، وحتى الوظائف المناطة بهذه البنية لا تختلف إلا في أقل القليل، وفي هوامش وتفاصيل لا تضع فارقا في جوهر الرؤية. الخلاف فقط في المضامين المباشرة والانتماءات المعلنة التي تمنح القومي ـ في النهاية ـ كثيرا من الحرية في المنحى السلوكي الخاص الذي لا يؤثر تأثيرا مباشرا في المنحى السلوكي العام.

إن البنية الذهنية للأصولي القومي لا تختلف عن البنية الذهنية للأصولي الديني في شيء

​​لقد كنا ننتقد الأصوليين بل ونشنع عليهم في موقفهم التقليدي المتزمت/ الضيق من الفنون، وكنا نرجع موقفهم هذا إلى الجهل بالفنون وطبيعتها من جهة، وإلى التعصب الأعمى من جهة أخرى. فمثلا، عندما كان الأصوليون يضيقون بعبارة من رواية يرون فيها تجديفا، أو بمشهد من فيلم سينمائي ورد فيه ما يرونه مساسا بالأخلاق؛ كنا نرد عليهم بأن للفن ضروراته، كما أن له سياقاته المختلفة، وأن ما يرونه مخالفا لمعتقداتهم وأخلاقياتهم ليس هو كذلك في الحقيقة، فما يرد على لسان أحد شخصيات الرواية لا يعني أنه كلام مؤلف الرواية، وما يرد في المشهد السينمائي لا يعني أن الفيلم السينمائي في مؤداه الأخير يوافق عليه، فقد يورده ليعرض واقعا سيئا يعترض عليه بشكل غير مباشر... إلخ محاولات الإيضاح والإفهام. طبعا، كان الأصولي الديني يرفض كل ذلك، ولا يعترف للفن بسياق خاص، ففي نظره، الفقرة التي ترد في الرواية يجب أن يحاسب عليها الكاتب كالفقرة التي ترد في مقال أو في كتاب علمي!

اقرأ للكاتب أيضا: مفهوم الفن في المجتمع التقليدي

حتى في هذا الموقف المتشنج من الفنون، لا يختلف الأصولي القومي عن الأصولي الديني. صحيح أن الأصولي القومي لم يكن يغضب من تلك النصوص والأعمال الفنية التي طالما غضب منها الأصولي الديني، بل كثيرا ما دافع عنها تحت شعارات الحرية الفنية. لكن، في الحقيقة لم تكن الحرية الفنية واشتراطاتها هي ما جعلت القومي متسامحا هنا، تسامحه ليس فهما ولا تفهما للفن، بل فقط؛ لأن هذه الأعمال لم تمس أصنامه ومقدساته القومية الخاصة؛ فإن مستها ـ ولو من بعيد ـ فسيغضب أشد الغضب.

ولعل ما حدث في هذه الأيام خير شاهد؛ فقد غضبت فلول الأصولية القومية من مشهد عابر في عمل درامي تاريخي يعرض على إحدى القنوات الفضائية الخليجية في الأمسيات الرمضانية، حيث يظهر المشهد أحد الشخصيات التي كانت تعشق عبد الناصر، وتحرص على اقتناء صوره، ولكنها تجد نفسها مضطرة ـ نتيجة تخوفات أمنية ـ لإحراق تلك الصور التي تشي بانتمائه. هنا غضب القوميون غضبا أصوليا، فمنهم من كتم غضبه المسعور واحتج بمبررات ثانوية حتى لا يبدو وكأنه يحتج على حرية الفن، ومنهم ـ وهم الأغلبية الساحقة ـ من أعلن غضبه بتشنج يتجاوز تشنج المتزمتين دينيا في مثل هذه الحال.

لم يرض الأصوليون القوميون هنا بتفسير المشهد، ولا بالتأكيد على أنه ضرورة فنية وسياقية، ولا بإيضاح أن المشهد لا يتضمن أي إهانة لزعيمهم المقدس/ المصنم. لقد أصروا ـ بوثوقية دوغمائية صريحة ـ على الغضب والرفض والاعتراض؛ في موقف يشهد بوضوح على أن الأصولية القومية هي الوجه الآخر للأصولية الدينية، وأن الأولى قد تكون أشد جهلا وغباء وتعصبا في كثير من الأحيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.