مسلمون في الهند
مسلمون في الهند

بقلم د. عماد بوظو/

في عام 1919 ألقى الزعيم المصري وأبرز قادة النضال ضد الاحتلال البريطاني سعد زغلول خطابا استخدم فيه عبارة "الدين لله والوطن للجميع". وسعد زغلول، بالإضافة لكونه قائدا لثورة 1919، كان رئيسا للوزراء ورئيسا لمجلس الأمة ووزيرا للتربية ووزيرا للعدل، كما كان من خريجي الأزهر وقد تتلمذ على يد جمال الدين الأفغاني ومفتي الديار المصرية الأسبق محمد عبده.

وكان سعد زغلول قد فصل من عمله بالداخلية في نهاية القرن التاسع عشر لاشتراكه في ثورة عرابي. ودخل السجن ونفي أكثر من مرة نتيجة مواقفه الوطنية، كما كان من المساهمين في وضع حجر الأساس لإنشاء الجامعة المصرية عام 1907، وفي نفس العام ساهم في تأسيس النادي الأهلي وتولى رئاسته، أي أنه من أهم مؤسسي الدولة المصرية الحديثة.

لن تفلح محاولة وقف التطور الإنساني الذي يعتبر أن الناس سواسية بغض النظر عن دينهم وطائفتهم ومعتقداتهم

​​وذكر الكاتب المصري وجيه وهبة أن الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي قد ألقى خطابا خلال حفل خيري وعرض مسرحي في القاهرة عام 1916 قال فيه أيضا إن "الدين لله والوطن للجميع". كان هذا الحفل تحت رعاية شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية حسب ما ذكرت صحيفة سركيس في أحد أعدادها في ذلك الزمن. وبالإضافة إلى مكانة الرافعي الأدبية الرفيعة فقد كان شخصا متدينا على المستوى الشخصي وتجلى تدينه في الكثير من أعماله الأدبية. وقوله هذه العبارة أمام شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية يدل على أنها كانت من العبارات المألوفة وغير المستهجنة قبل قرن من الآن.

وكما ذكر المفكر الدكتور سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت" أن صحيفة "نفير سورية" التي أصدرها بطرس البستاني رائد الوطنية العربية السورية عام 1860 كان شعارها المطبوع في أعلى الصحيفة "الدين لله والوطن للجميع".

اقرأ للكاتب أيضا: هل حارب الدعاة الشعبويون الفكر المتطرف أم ساعدوه؟

كما أن هذه العبارة كانت شعار سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، والتي اجتمع عليها الثوار من مختلف المناطق السورية ومن جميع الطوائف.

وبغض النظر عن منشأ هذه العبارة ومن استخدمها أولا، فعلى ما يبدو كان هناك إجماع عليها في المنطقة العربية في القرن التاسع عشر خصوصا عند الوطنيين الرافضين للحكم العثماني حتى النصف الأول من القرن العشرين في أجواء النضال ضد الانتداب الأوروبي وصولا إلى فترة حكومات ما بعد الاستقلال التي وضعت أسس الدولة الوطنية. واستمر الوضع كذلك حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي عندما بدأت المرحلة التي يسميها الإسلاميون "الصحوة الإسلامية"، بينما يطلق عليها خصومهم مرحلة الردة الثقافية والحضارية، عندما برز جيل جديد من الإسلاميين يرفض عبارة الدين لله والوطن للجميع ويعتبرها دعوة لحبس الإسلام في المساجد.

في الأساس، معنى هذه العبارة الواضح والبسيط لا يترك سببا للاعتراض عليها. فهي تشير إلى أن أبناء الوطن الواحد متساوون أمام القانون، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات مهما كان دينهم أو طائفتهم. هذه القواعد وضعتها وسارت عليها الدول الحديثة بعد أن مرت بفترة طويلة من الحروب الدينية والصراعات بين أبناء الوطن الواحد.

كما أن العبارة صحيحة ولا غبار عليها، أخلاقيا أو إنسانيا. وهي تتماشى بشكل خاص مع مصالح المسلمين حول العالم قبل غيرهم، لأنها تعني أن لمسلمي الهند بعددهم الذي يفوق 200 مليون نفس حقوق الأغلبية الهندوسية ومن ضمنها حقهم في ممارسة دينهم وطقوسهم بحرية. وتشير أيضا إلى حقوق مسلمي الصين بأعدادهم التي قد تصل لمئة مليون أو أكثر، أو المسلمين في روسيا والتي تصل نسبتهم إلى 20 في المئة من عدد السكان، وبالإضافة إلى الجاليات المسلمة الكبيرة والسريعة النمو في دول أوروبا الغربية. أي أنه حين يتبنى المسلمون هذه العبارة يصبح بإمكانهم المطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية والقانونية للمسلمين المنتشرين في كل دول العالم والذين يبلغ عددهم مئات الملايين.

لكن مع ذلك، فإن أغلب رجال الدين المسلمين هذه الأيام يرفضون ويهاجمون عبارة "الدين لله والوطن للجميع". فنقرأ مثلا في موقع منتديات "أتباع المرسلين": "عبارة الدين لله والوطن للجميع روج لها أعداء الإسلام من الكفار المنافقين ثم تبعهم بدون تفكير جهلاء المسلمين". ثم يهاجم هذا الموقع من يظن أنه مخترعها وهو سعد زغلول ويتهمه بأنه عميل للإنكليز! ونقرأ في موقع إسلامي آخر سمه "سنابل الخير": "لما عجز أعداء الإسلام عن محاربته بالسيف لجأوا إلى غزو عقول المسلمين ثقافيا ومن أخطر طروحاتهم الدعوة لتقديس الوطن واستبدال حدود الوطن بحدود الله، فتتلاشى عقيدة الحب بالله ورسوله بدعوى الوحدة الوطنية بين نسيج الأمة الواحدة، التي تجمع الفرق المختلفة تحت اسم القومية بدلا من الدين، واستبدال عقيدة الولاء والبراء بشعار المواطنة".

وفي الموقع الرسمي للشيخ ابن باز يقول: "إن كان معنى العبارة إنه يجوز أن يسكن الكافر مع المسلم في الشام والعراق ومصر وغيرها (ما عدا جزيرة العرب التي لا يجوز أن يسكن فيها الكفار) فهذا ممكن، وفي تلك المناطق إذا كان للمسلمين قوة أخذوا عليه جزية إذا كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أما إذا لم يكن للمسلمين قوة فيسكن معهم بالأمان والموادعة".

حتى في موقع دار الإفتاء المصرية: "إن أراد قائل هذه العبارة فصل الدين عن النظام السلوكي والاجتماعي والتشريعي للدولة وحصره في علاقة الفرد بربه فهذا معنى مذموم يرفضه الشرع، والمذهب الذي يدعو إلى ذلك باطل، لأنه ينادي بالبعد عن فعل المأمورات وعن ترك المنهيات وهذا من أكبر الكبائر، لأن فيه تفلتا من ضوابط الإسلام وقواعده وسيؤدي إلى هدم بنيان هذا المجتمع وتماسكه، والإسلام الذي شرعه الله لم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا وتعهده بالتشريع والتوجيه فهو شامل لكل نواحي الحياة مادية وروحية، فردية واجتماعية، وسنة رسول الله كانت في مختلف شؤون الحياة من اقتصاد وسياسة واجتماع وعبادة وغير ذلك من أمور الحياة، وأي مذهب يدعو إلى البعد عن كتاب الله وسنة نبينا محمد هو مذهب باطل لا يجوز لمسلم أن ينتمي إليه أو يشجعه أو يدعو إليه".

وعندما قال البابا شنودة أثناء زيارة الشيخ شعراوي له الدين لله والوطن للجميع رفضها علانية الشيخ شعراوي قائلا: "الدين والوطن لله والوطن الذي لا دين له لا يشرفنا العيش فيه"، رغم أن الشيخ شعراوي من المحسوبين على تيار الوسطية والاعتدال في الإسلام.

وقد كان من اللافت أن أحد أبرز الشعارات الذي رفعها عشرات الآلاف من المتظاهرين المصريين أمام مبنى الاتحادية نهاية عام 2012 للاحتجاج على حكم الإخوان المسلمين عبارة "الدين لله والوطن للجميع"؛ أي أن رفض هذه الحركات الإسلامية الجديدة لهذه العبارة لم ينجح في نزعها من الضمير والعقل الجمعي لأبناء هذه المنطقة.

لم يبق تقريبا على خريطة العالم الحالية من الدول التي تذكر في دستورها دينا للدولة سوى الدول العربية بالإضافة لإيران وباكستان وبنغلادش، أما بقية دول العالم فلا يوجد دين رسمي للدولة، لأنه حينها يتم التشكيك بحقوق المواطنة عند أصحاب القناعات والديانات الأخرى من أبناء البلد.

رفض الإسلاميين لاعتبار أن الوطن لجميع أبنائه لا يقتصر على الديانات غير الإسلامية بل يشمل الطوائف الأخرى ضمن الدين الإسلامي نفسه

​​والغريب أن هؤلاء الإسلاميين الذين يرفضون عبارة "الدين لله والوطن للجميع" يرون أن لهم الحق في بناء مساجد في باريس ولندن وبقية دول الغرب رغم أن الوجود الإسلامي هناك حديث عمره لا يتجاوز بضعة عقود ومكون بشكل رئيسي من المهاجرين والباحثين عن العمل لأسباب اقتصادية، ويعترض هؤلاء الإسلاميون في نفس الوقت على بناء أو ترميم كنائس في مدن الشرق الأوسط التي ولدت فيها المسيحية ومنها انتشرت لبقية العالم؛ وقد اعتنق سكان هذه المدن المسيحية قبل قرون.

ويرى الإسلاميون أن من حقهم ارتداء أزيائهم الخاصة في كل دول العالم، وفي المقابل، يريدون أن يحرموا الآخرين من حريتهم في اختيار طريقة عيشهم أو لبسهم في البلدان التي يشكلون فيها أغلبية. ويرفض هؤلاء الديانات والمعتقدات الأخرى ويكفرونها ويطلبون من العالم أن يحترم معتقداتهم. يقسمون العالم إلى معسكرين، معسكر الإيمان، أي هم، ومعسكر الكفر، أي كل الآخرين بما فيهم الأغلبية المطلقة من المسلمين الذين لا يشاطرونهم قناعاتهم.

اقرأ للكاتب أيضا: الإمبراطورية الإيرانية الوهمية 2014 ـ 2016

كما أن رفض الإسلاميين لاعتبار أن الوطن لجميع أبنائه لا يقتصر على الديانات غير الإسلامية بل يشمل الطوائف الأخرى ضمن الدين الإسلامي نفسه. وعلى سبيل المثال، الاتهامات المتبادلة بين السنة والشيعة حول حرية العبادة أو إنشاء المراكز الدينية للطوائف المخالفة؛ إذ يدعي بعض سنة إيران تعرضهم للتمييز والتضييق على ممارساتهم الدينية في بلدهم، وكذلك يشتكي بعض الشيعة في دول الخليج من التمييز بحقهم، وفي الحالتين يضطر الكثيرون منهم لإخفاء معتقداتهم أو تغيير طائفتهم تجنبا للتمييز أو الاضطهاد.

حرية الإنسان باختيار وممارسة معتقداته، لم تعد موضوعا قابلا للنقاش في عالم اليوم، بل هي من المسلمات التي تقرها القوانين الدولية والشرعة العالمية لحقوق الإنسان. ولم يعد من المقبول التمييز تجاه أبناء الوطن الواحد نتيجة الدين أو الطائفة، بل قد يترتب عليه مضاعفات سياسية وقانونية.

ولن تفلح محاولة وقف التطور الإنساني الذي يعتبر أن الناس سواسية بغض النظر عن دينهم وطائفتهم ومعتقداتهم، ورغم أن خط التطور يسير بالإجمال للأمام ولكن أحيانا تتخلله بعض النكسات والتراجعات كما حدث في منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.