الرزاز خلال مغادرته مجلس النواب
الرزاز خلال مغادرته مجلس النواب

بقلم نضال منصور/

حتى الآن، لا يزال الشارع الأردني يترقب تشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور عمر الرزاز، ويبدو واضحا في وسائل التواصل الاجتماعي وجود حالة من القبول للرئيس الجديد، والرهان والاستبشار باختياره لفريق وزاري أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على الإنجاز.

لأول مرة منذ سنوات طويلة لا يقبل رئيس حكومة مكلف بأن "يطبخ" تشكيل الحكومة خلال أيام قليلة، ويمضي أكثر من أسبوع على تكليفه رسميا وهو يقوم بمشاورات معلنة وسرية، فهو من جهة يلتقي بمجلس النواب والأعيان، وكذلك النقابات المهنية التي أطلقت شرارة الاحتجاج على مشروع قانون ضريبة الدخل، ومن جهة أخرى يلتقي بعيدا عن كاميرات الإعلام رؤساء الوزراء السابقين ويستمع لنصائحهم والكثير من الشخصيات السياسية والاقتصادية المرشحة لدخول الحكومة.

تسربت حتى الآن إشاعات بأسماء عشرات من الشخصيات التي قيل إن الرزاز اختارها لتكون ضمن فريقه الحكومي، ولكن الشيء المؤكد أن الرزاز دخل في حوارات ومفاوضات مع كثير من المرشحين لشغل المناصب الوزارية، ووضع سيناريوهات متعددة لتوليفة الحكومة، وضغط على بعض الشخصيات لتقبل الانضمام للحكومة، وتعرض للرفض والصد أحيانا، والقبول أحيانا أخرى، وما ظل مجهولا حتى الساعة هو هوية الفريق الوزاري الذي سيخوض به الرزاز معركة تغيير النهج السياسي والاقتصادي في البلاد.

أكثر سؤال مقلق سمعته في الأيام الماضية: هل يملك الرزاز "الولاية العامة" لتشكيل حكومته من دون تدخلات وضغوط في بلد يعرف بقوة ونفوذ "الديوان الملكي" ودائرة الاستخبارات العامة؟

سيناريوهات لحل مجلس النواب وتقديم قانون انتخاب جديد

​​هل التفاهمات والتوافقات مع "الديوان والاستخبارات" ستؤثر على صورة الحكومة المقبلة التي يتزايد الرهان عليها، أم أن الرزاز أخذ "ضوءا أخضر" من الملك عبد الله الثاني يتيح له كبح جماح التدخلات وفرض إرادته ورؤيته؟

الرئيس المكلف، صاحب دراسة "من الدولة الريعية إلى دولة الإنتاج"، لا يواجه تحدي التوافق مع مؤسسات القرار بالدولة وحدها فقط، وإنما مطالب أن يجد حلا سحريا لتمثيل المكونات المجتمعية. ويلخص إعلامي تابع لسنوات تشكيل الحكومات المشهد فيقول: "الحكومة لوحة فسيفساء صعبة التركيب والتشكيل، تريدها أن تظهر متناسقة وجميلة، وبذات الوقت تريد أن تشرك عناصر قد لا تبدو متوافقة معها".

اقرأ للكاتب أيضا: هل يدخل عمر الرزاز المعركة الصعبة حتى لو أدمته ولوثت صورته قليلا؟

يتابع حديثه في التفاصيل: "الرزاز ينظر لدولة الإنتاج، ويريد أن يتخلص من النظام الريعي وسياسة الترضيات ويريد أن يؤسس لمنظومة مفاهيم واستراتيجيات ونهج جديد، والمشكلة التي يواجهها أنه مطالب باستخدام أدوات قديمة والالتزام بقواعد لا تتوافق مع المرحلة والأفكار الجديدة".

يطمح الرزاز لمن يعرفه في بناء دولة حديثة مستندة إلى شرعية الإنجاز والكفاءة، غير أن "الفيتو" يلاحقه حتى وإن كان يملك شعبية جارفة؛ فهو مثلا لا يستطيع القفز عن ضم وزير شركسي أو وزراء مسيحيين أو استبعاد عشائر ذات ثقل مجتمعي، ولذلك فهو أسير قوالب محددة مفروضة سلفا ويحاول أن يناور للتعامل معها.

تشكيل الحكومة في الأردن لا يخضع لهذه الاعتبارات والمحددات فقط، بل يخضع الرئيس المكلف "للابتزاز" والمقايضات إن جاز التعبير من المؤسسة البرلمانية. فقد راج في الأيام الماضية شائعات بأن مجموعة نواب تضغط على الرئيس للإبقاء على بعض الوزراء من الحكومة المستقيلة، وهو ما دفعه للنفي بعد لقائه مجلس النواب. وبالسياق ذاته، فهم انسحاب العديد من النواب من لقاء الرئيس بسبب تأخره عن الاجتماع بهم لظرف طارئ بأنه يأتي كاستعراض لقوة النواب وإجبار الرئيس على استرضائهم والتفاوض معهم.

"عنتريات" النواب ومماحكتهم للرئيس المكلف ساهمت في تأييد الشارع لفكرة حل مجلس النواب والدعوة لانتخابات جديدة في البلاد خاصة أنه لا يحظى بأي تأييد شعبي بالأساس.

لا يحظى مجلس النواب بدعم شعبي، وحفلت صفحات فيسبوك وتويتر بتذكير النواب بأنهم تأخروا عن الإيفاء بمطالب الشعب طوال السنوات، وأقروا العديد من القوانين السيئة ضد مصالح الشعب، وأنهم كانوا يتغيبون ولا يحضرون جلسات مجلس النواب، واليوم يزايدون على الرئيس بسبب تأخره عن اجتماع معهم.

ليس من السهل حل مجلس النواب الآن، فالنص الدستوري يلزم الحكومة التي تحل مجلس النواب أن تقدم استقالتها، ولذلك تمنى الكثير من النشطاء لو قامت حكومة هاني الملقي بحل المجلس أولا، والاستقالة ثانيا، بدل "توريط" الرئيس الجديد بعبء التعامل مع مجلس "فاقد للشرعية الشعبية" حسب ما يتداوله الناس على مواقع التواصل الاجتماعي.

ما حدث يعيد إلى بؤرة الضوء الكلام المتواتر قبل استقالة الحكومة بأن الدورة الاستثنائية لمجلس النواب ستشهد التقدم بتعديلات دستورية أبرزها زيادة عدد النواب الذي يحق لهم طلب طرح الثقة بالحكومة، والأمر الآخر المتوقع أن يعدل النص الدستوري الذي يشترط استقالة الحكومة التي تقوم بحل مجلس النواب.

مهمة الرزاز ليست نزهة على الرمال، وهو يملك الآن تفويضا ملكيا ودعما شعبيا لينهض الأردن كما ينهض طائر الفينيق من الرماد

​​النقاش الدائر حول مستقبل الأردن وإنجاز إصلاحات سياسية واقتصادية يطرح على طاولة البحث قانون الانتخاب. ويرى سياسيون أن تغيير النهج يتطلب إصلاحات جذرية مثلما فعل المرحوم الملك حسين عام 1989 حين رفع الأحكام العرفية وأجرى انتخابات شهد بنزاهتها، واليوم يعتقدون بضرورة صياغة قانون انتخاب جديد يفرز قوى سياسية فاعلة ويحقق العدالة كخطوة أساسية لحكومات برلمانية أو حكومات أغلبية سياسية وبالتالي التمهيد التدريجي لما ينادي به البعض ولا يحظى بتوافق كل مؤسسات القرار وهي "الملكية الدستورية".

سيعتبر الفريق الوزاري لحكومة الرزاز مؤشرا على قدرته على المضي في المشروع النهضوي "الاقتصادي السياسي الاجتماعي"، الذي يتحدث عنه وإمكانية ترجمة تصوراته الشفهية والمكتوبة للتوافق على "عقد اجتماعي جديد".

اقرأ للكاتب أيضا: من الملك خوفو إلى الرئيس السيسي... مصر بين مجد الحكام ومستقبل الشعب

القادم ليس سهلا، فالأزمة الاقتصادية خانقة و"اجتماع مكة" الذي بادر له الملك السعودي قبل أيام وحضره الأردن والكويت والإمارات لم يقدم "خطة مارشال" لإنقاذ الاقتصاد الأردني، وكل ما فعله تثبيت الوضع الاقتصادي على ما هو عليه وإعطاء الحكومة الأردنية متسعا من الوقت وفرصا للاقتراض، وتعزيز الاحتياطات من العملات الأجنبية، بعد تعهد هذه الدول بتقديم 2.5 مليار دولار في 5 سنوات كقرض يودع في البنك المركزي أو ضمانات للبنك الدولي أو دعم للموازنة العامة للدولة.

يقول الملك عبد الله الثاني بشكل واضح "لن يساعدنا أحد إن لم نساعد أنفسنا". هذا الكلام الصريح الذي يشي بضرورة أن تتبنى الحكومة نهجا اقتصاديا يسهم في زيادة الاقتصاد الكلي ويوفر فرص العمل ويعزز مؤشرات النمو الاقتصادي دون أن يعتمد على الجباية والضرائب التي كان يتحملها طوال العقود الماضية الفقراء والطبقة المتوسطة.

مهمة الرزاز ليست نزهة على الرمال، وهو يملك الآن تفويضا ملكيا ودعما شعبيا لينهض الأردن كما ينهض طائر الفينيق من الرماد.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.