مقاتلون يمنيون يحملون متفجرات وألغام زرعها الحوثيون في مدينة الجاه بالقرب من ميناء الحديدة
مقاتلون يمنيون يحملون متفجرات وألغام زرعها الحوثيون في مدينة الجاه بالقرب من ميناء الحديدة

بقلم جويس كرم/

ترسم معركة الحديدة التي بدأت منذ ساعات في اليمن، بغض النظر عن اسم الرابح أو الخاسر فيها، أهم منعطفات الحرب التي بدأت عام 2015، وسيكون لنتائجها وتطوراتها الميدانية أثر مباشر على الحل السياسي ومستقبل الحوثيين عسكريا وسياسيا في اليمن.

أهمية معركة الحديدة، التي استمهلها التحالف بقيادة السعودية أكثر من عام، هي بموقع المدينة الجغرافي واستضافتها لثاني أكبر مرفأ في اليمن وامتدادها على خط ساحلي طوله 300 كيلومتر وما تعنيه اقتصاديا وسياسيا للحوثيين الذين سيطروا عليها منذ ثلاثة أعوام. فتموضعها كنقطة بحرية على البحر الأحمر، ليس بعيدا عن باب المندب، جعل منها لعقود المدخل الأساسي للغذاء وحاجات اليمن، واستراتيجيا تفتح خطا مباشرا إلى صنعاء، وهي شريان حيوي لباقي المحافظات الشمالية والوسطى في البلاد.

نجاح التحالف والقوات اليمنية في استعادة الحديدة خلال أسابيع قد يفتح أفق المفاوضات السياسية مع الحوثيين

​​منذ سيطرة الحوثيين على الحديدة استخدموا المرفأ ومسالك المدينة كمصدر تمويل وتسليح واتجار بالمساعدات الإنسانية. فشحنات الأسلحة والذخيرة الإيرانية تصل الحوثيين من مرفأ بندر عباس الإيراني، إما مباشرة أو بتفريغها في مراكب أصغر في موانئ الصومال وتوجيهها إلى الحديدة. كما تحول الاتجار بالمساعدات إلى قناة تمويل مفتوحة للحوثيين، درت عليهم في السنوات الفائتة ملايين الدولارات. استخدم الحوثيون أيضا الميناء لاستهداف حركة الملاحة، وجاء استهدافهم لسفن سعودية هذا العام والعام الماضي عبر استخدام أجهزة تجسس إيرانية الصنع، بحسب البحرية الأميركية، ليزيد من الأهمية الاستراتيجية للحديدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: الأردن يكسر لعنة 'الربيع العربي'

هذه الأسباب، ومع فشل الأمم المتحدة ومبعوثها مارتن غريفيث في فرض حل سياسي عبر انسحاب الحوثيين ووضع الميناء تحت المراقبة الدولية، لم تعد معركة الحديدة مجرد خيار أمام التحالف والقوات اليمنية التي يدعمها، بل باتت ضرورة كانت تنتظر حسم التوقيت والتحضيرات. فإدارة دونالد ترامب كانت مستعدة لدعم المعركة العام الفائت رغم تحفظات وزير الدفاع جيمس ماتيس، وهي اليوم تدعم، ولو من مسافة بسبب ضغوط من الكونغرس، حلفاءها لوجيستيا وميدانيا. وانعكس هذا الدعم أيضا في بيان وزير الخارجية مايك بومبيو وتركيزه على إبقاء الممرات الإنسانية مفتوحة وليس تحديدا وقف مسار المعركة.

يتوقع المحللون العسكريون أن تستمر معركة الحديدة لأسابيع وخياراتها اليوم تعتمد على دفاع الحوثيين. فخوضهم حرب استنزاف في المدينة سيطيل أمد القتال، فيما انسحابهم باتجاه صنعاء وحدهم من الخسائر سيقصر مداها. لا يساعد الحوثيون المد القتالي المدعوم من التحالف ولا غياب دعم السكان المحليين لهم داخل المدينة بسبب أسلوبهم الأهوج في التعامل مع المساعدات وعمليات الخطف والتسلط التي شهدتها المدينة.

الدخول في معركة طويلة في الحديدة سيعرقل مسار أي مفاوضات سياسية

​​ميدانيا، مع بدء المواجهات للسيطرة على المطار، سيكون ذلك هو الهدف الأول للهجوم، وقد يليه المرفأ لقطع مصادر الحوثيين من الخارج قبل الانتقال إلى وسط المدينة. وبحسب التقارير الإعلامية تعتمد استراتيجية الهجوم على فصل نقاط سيطرة الحوثيين عن بعضها البعض ما قد يعني ضربات متوازية ضد أكثر من هدف في الوقت نفسه. وستعتمد ضراوة المعركة على رد الحوثيين داخل المدينة؛ فإذا اعتمدوا استراتيجية التمرد بنصب كمائن ومتفجرات سيطول أمد القتال فيما التوصل إلى اتفاق يقصر مدى المعارك.

اقرأ للكاتبة أيضا: عام على أزمة قطر.. لا تنتظروا الحل

نجاح التحالف والقوات اليمنية في استعادة الحديدة في معركة تستمر بضعة أسابيع قد يفتح أفق المفاوضات السياسية مع الحوثيين، وفي حال فشل ذلك قد يقود إلى معركة أخرى في صنعاء. أما الدخول في معركة طويلة في الحديدة فسيعرقل مسار أي مفاوضات سياسية، ويغرق اليمن أكثر في تمزق ميليشياوي وكوارث إنسانية يكون الثمن الأكبر فيها على سكان المدينة قبل أي جهة أخرى.

بغض النظر عن السيناريو الذي سيحصل، فإن معركة الحديدة مفصلية في حرب اليمن، والسيطرة على مينائها ومدينتها سيقرر شكل ومستقبل الحل السياسي ومسار الحوثيين في اليمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.