بدأ باسيل حملة في موضوع إعادة اللاجئين من النقطة الأقرب إلى خطة بشار الأسد أي التعرض للأمم المتحدة
بدأ باسيل حملة في موضوع إعادة اللاجئين من النقطة الأقرب إلى خطة بشار الأسد أي التعرض للأمم المتحدة

بقلم فارس خشّان/

يشكل ملف اللاجئين تحديا عالميا كبيرا على مدى العقود المقبلة.

إنها ثابتة متفق عليها، في كل الدوائر المعنية باستشراف المعضلات وتداعياتها الاقتصادية والمعيشية والمالية والتنموية والأمنية والديموغرافية والسياسية.

و"رأس جبل الجليد" أطل على العالم من الانقلابات في المشهد السياسي في كثير من الدول، سواء كانت "بوابات عبور" أم "أهداف استقرار"، وآخرتها إيطاليا التي يصنف الحزبان اللذان اجتاحا برلمانها وتاليا حكومتها، بأنهما "شعبويان".

ويعتبر تدفق اللاجئين "حجر الزاوية" في الدعاية "الشعبوية".

يحظى كل عمل يهدف إلى التخلص من عبء اللاجئين بغطاء شعبي كبير

​​وهذا الملف الذي جاء ليراكم الصعوبات الناجمة عن انتقال الناس من دول متعثرة إلى دول متطورة، هو من أبرز الأسباب التي تهدد بقوة، متانة "الاتحاد الأوروبي" ووحدته وصيغته، بعدما كان قد اعتبر كثيرون، في سنوات خلت، أن هذا "الاتحاد" نموذج للدول التي تطمح أن يكون لها موقع فاعل على خارطة القرار في العالم.

وما يعاني منه لبنان في موضوع اللاجئين السوريين، لا يشذ عن هذه القاعدة من حيث المبدأ.

اقرأ للكاتب أيضا: 'محكمة لبنان' و'الخدمة الألماسية'

ولا يعتبر من قبيل المغالاة الاعتقاد بأن هذا الموضوع له جمهور واسع من اللبنانيين، نظرا لتداعياته التي تخطت المنافسة الشديدة على فرص العمل، والعبء الهائل على البنية التحتية، والتحديات القصوى على المؤسسات العامة والأجهزة الأمنية، لتصل الى مستوى الثقافة الشعبية، بفعل "ماركينتلية" الإعلام الخاص، وهو المسيطر في لبنان.

ومن يراقب التلفزيونات اللبنانية يمكن أن يتلمس التغير الكبير، ليس في بنية صناعة المسلسلات فحسب، بل في بنية صناعة الإعلانات أيضا، حتى يظن المشاهد نفسه أمام بلد أعيدت صياغته ليتناسب مع "ضيوف" فاق حجمهم ثلث المكون اللبناني.

وبناء عليه، فإن كل عمل يهدف إلى التخلص من عبء اللاجئين، يحظى بغطاء شعبي كبير ويمكن الضالع به من أن يلمع نجمه وينال علامة عالية في رتبة "الوطنية" وتاليا أن يضرب ما شاء من المنظمات الدولية وأن يحصن نفسه ليتعامل حتى مع.. الشيطان.

ولكن، هل وصل لبنان إلى هنا عفوا أم عمدا؟

منذ التسوية السياسية التي أوصلت العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، تراجع مستوى الحدة في الخطاب المناوئ للاجئين السوريين في لبنان، وسلك هذا الملف دروبا دبلوماسية واقتصادية ودولية "نافعة".

ولا يخفي صانعو القرار في بيروت وباريس أن ملف اللاجئين السوريين هو العمود الفقري الذي حلحل عقدا في الأزمة التي نشأت بين لبنان والسعودية وأنتجت استقالة الرئيس سعد الحريري (سحبت لاحقا)، كما أنه حجر الأساس في إنجاح مؤتمر "سيدر"، والدافع الأول في استمرار دعم الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية على الرغم مما يحكى عن تغلغل "حزب الله" فيها.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: المعارضة المرذولة

في هذا الوقت، تفاقم التباين بين الأمم المتحدة ونظام بشار الأسد، إذ طالبت المنظمة الدولية بضرورة إعادة اللاجئين السوريين مع ضمانات أمنية وسياسية إلى المناطق التي أصبحت خارج نطاق العمليات العسكرية، إلا أن الأسد رفض منح ضمانات واشترط أن يخضع جميع العائدين لسلطته وتاليا لتقييم أجهزة استخباراته، ومن يرفض ذلك فلا مكان له في سورية لأنه يكون "إرهابيا" أو "بيئة حاضنة للإرهابيين".

وإذا كان الأسد قد رفض مرارا وتكرارا أن يشارك اللاجئون السوريون، في انتخابات نيابية جديدة تكون بإشراف الأمم المتحدة، فإنه يطمح من الآن حتى يوم قبوله بالانتخابات أن يعيد أعدادا كبيرة من السوريين "المدجنين" إلى سيطرته ليضفوا على النتائج التي يريدها "المشروعية".

ومن بين الدول التي ينتشر فيها عدد هائل من السوريين لن يجد أفضل من لبنان لتحقيق تطلعه هذا.

وما إن أقفلت صناديق الاقتراع، حتى رفع مؤيدو الأسد في لبنان أصواتهم مطالبين بأن يكون أول ملف على طاولة الحكومة الجديدة (لم تؤلف بعد) هو موضوع التنسيق مع النظام السوري لمعالجة ملف اللاجئين.

ووسط هذه الطموحات، بدأ ملف اللاجئين السوريين يتقدم مجددا إلى الواجهة، بعد تعبيد السبيل، من خلال مجموعة تطورات، من بينها:

  • أكثر القوى معاداة لكل مراسيم التجنيس التي عرفها لبنان سابقا، أي رئيس الجمهورية ميشال عون، أصدر مرسوما مماثلا يتضمن عشرات العائلات السورية. شركاؤه الآخرون في التوقيع على المرسوم، لم يكونوا يوما ضد التجنيس.
    وأعطي هذا المرسوم الذي لقي معارضة قوية تفسيرات كثيرة، ومن بينها، على سبيل المثال لا الحصر، أنه مقدمة لتوطين اللاجئين السوريين.
  • ترك الإعلام اللبناني الخاص مرتاحا في "ماركنتليته" التي تمثلت في المسلسلات التلفزيونية والحملات الإعلامية، مما ولد انطباعات عن وجود تغييرات خطرة على البنية اللبنانية. ولعل الملاحظ في هذا السياق، أن أكثر التلفزيونات خوفا على "اللبنانية" وعلى "الهوية" وعلى "الفاعلية المسيحية"، كان الأكثر اندفاعا في هذا المجال، حتى أنه عرض مسلسلا يظهر اللبنانيين يندفعون نحو علاقات مع الأثرياء السوريين لا هدف لها سوى الانتفاع المالي، كما هي الحال في مسلسل "الطريق" من بطولة السوري عابد فهد واللبنانية نادين نجيم.
    بدأ ملف اللاجئين السوريين يتقدم مجددا إلى الواجهة بعد تعبيد السبيل من خلال مجموعة تطورات
    ​​

وبعد هذه التمهيدات، وغداة هجوم بالذم والقدح شنه وزير الخارجية السوري وليد المعلم على المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا، كان ملاحظا أن نظيره اللبناني جبران باسيل (صهر الرئيس ميشال عون) بدأ حملة في موضوع إعادة اللاجئين من النقطة الأقرب إلى خطة بشار الأسد، أي التعرض للأمم المتحدة باستهداف المنظمة التي تعنى بشؤون اللاجئين واتهامها بالعمل لتوطين اللاجئين السوريين في لبنان.

ووسط اعتراض الرئيس سعد الحريري على طريقة تعاطي باسيل مع المنظمة الدولية ودخوله على خط دعمها والتمسك بدورها، انتقل "حزب الله"، من خلال كتلته النيابية إلى الخطوط الأمامية للدفاع عن باسيل (قائد فيلق القدس قاسم السليماني أدرج "التيار الوطني الحر" الذي يترأسه باسيل ضمن القوى الحليفة لإيران في البرلمان اللبناني الجديد). كتلة "حزب الله" وصفت ما يقوم به وزير الخارجية بأنه "مؤشرات واعدة" بشأن "مقاربة شجاعة ومسؤولة لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم".

وهكذا، ووسط "العراقيل المحسوبة" في تشكيل الحكومة الجديدة، تطفو "الخطة المرجوة" لحل أزمة اللاجئين السوريين إلى الواجهة، وكأنها رسالة تتضمن عوامل التعقيد ودوافع التسهيل.

وتأسيسا على كل ذلك، من الواضح أن الشعبوية والماركنتيلية اللبنانيتين في خدمة بشار الأسد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.