تظاهرة في بروكسيل تدعو لدعم الانتفاضة الإيرانية (أرشيف)
تظاهرة في بروكسيل تدعو لدعم الانتفاضة الإيرانية (أرشيف)

بقلم عريب الرنتاوي/

مناسبة هذا المقال، كتاب للأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله "لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر" ومقالة للسياسي والأكاديمي السوري الدكتور برهان غليون "نهاية الحقبة الإيرانية في الشرق الأوسط".. لم أقرأ الكتاب، ولكنني قرأت عنه، مثلما قرأت مقالة الدكتور غليون. تتضح مضامين الكتاب والمقالة من عنوانيهما؛ الأول شرح قصة صعود اللحظة الخليجية في تاريخ المنطقة، والثاني، بشر بقصة هبوط المرحلة الإيرانية في تاريخها.. قد يبدو للقارئ أن ثمة علاقة سببية بين قصتي الصعود والهبوط، لكن التفكير المتخطي للحظة السياسية والتاريخية بتعقيداتها ربما ينبئ بشيء آخر.

جاءت "اللحظتان"، الخليجية والإيرانية في تاريخ المنطقة، متزامنتين تقريبا. إذ يؤرخ للحقبة الخليجية بثورة أسعار النفط بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وما وفرته لست دول، ثلاث على وجه التحديد، من مقدرات مالية واقتصادية واستتباعا سياسية وإعلامية هائلة نقلتها من مواقع الأطراف إلى موقع المركز في القيادة وصنع القرار الإقليميين.. وما أن أطل "سيناريو الازدهار" برأسه خليجيا، حتى اندلعت الثورة الإسلامية في إيران في مختتم عقد السبعينيات من القرن الفائت لتجد المنطقة برمتها نفسها بين "فكي" لحظتين استثنائيتين في تاريخها المعاصر، تميزت أولا بتراجع مكانة عواصم القرار الإقليمي وحواضر المنطقة الكبرى (القاهرة، بغداد ودمشق أساسا)، وصولا لـ"سيناريو التفكك والانحلال" الذي أخذ يفعل فعله بقسوة ودموية في دول الإقليم ومجتمعاته: تفكك الدولة الوطنية وهويتها الجمعية الجامعة، وانحلال النظام الإقليمي العربي.

الأرجح أن انكفاء اللحظتين سيأتي متزامنا مثلما جاء صعودهما على نحو متزامن

​​ثمة قواسم ومشتركات بين "اللحظتين" على الرغم من احتدام حدة الصراع بينهما.. فكلتاهما "هيدروكربونيتان" اعتمدتا لمد نفوذهما الإقليمي على الموارد والمقدرات الهائلة من النفط والغاز.. وكلتاهما "أصوليتان"، اعتمدتا على قراءات أكثر تطرفا للإسلام في طبعتيه السنية والشيعية.. هنا فعلت السلفية/الوهابية ـ سعودية المنشأ ـ فعلها في الخليج والمنطقة والعالم الإسلامي والجاليات المسلمة في المغتربات والشتات، من دون إغفال مفاعيل نظرية "توظيف" جماعة الإخوان المسلمين وتصديرها (قطر مثالا). وهناك "ولاية الفقيه" الشيعية التي فرخت نظرية "الثورة الدائمة" في طبعة إسلامية لا تختلف كثيرا عن طبعتها "التروتسكية" الأصلية، وتأخذ غالبا شكل "تصدير الثورة".

اقرأ للكاتب أيضا: 'إخوان الأردن' وقرار 'النأي بالنفس' عن الشارع

من غير المنصف، أن ينظر فقط إلى النصف الممتلئ من كأس "اللحظتين"، كما يفعل المتحمسون لكل منهما، سواء بالاكتفاء بالبحث في أرقام المساعدات والاستثمارات وتحويلات العاملين من أبناء وبنات الدول المتلقية بشكل غير مباشر لبعض عوائد النفط، أو بالمضي في تعداد فضائل وعوائد "المقاومة والممانعة"، فثمة نصف آخر من الكأس، فارغ تماما تتعين رؤيته والتمعن في تفاصيل تداعياته ومترتباته. فما حصل بنتيجة هيمنة "اللحظتين" يتخطى الأثر الاقتصادي ـ الاستهلاكي، إلى تغييرات في البنى الثقافية والاجتماعية والدينية لدولنا ومجتمعاتنا، التي باتت أكثر "رجعية" و"محافظة"، أكثر تطيفا وتمذهبا، أكثر انقساما وتهالكا، مما كانت عليه قبل أربعة عقود.. بل ويمكن القول، إن من أخطر تداعيات "اللحظتين" على مجتمعاتنا ودولنا ما يتجلى في حالة "تفكك" المجتمعات والدول والهويات الوطنية الجامعة، وانحلال النظام الإقليمي الذي فقد قواعده التي نشأ عليها، من دون أن ينجح في بناء منظومة قواعد جديدة، تكفل أمنه واستقراره ونماءه.

ليست وظيفة هذه العجالة، تقديم تقييم شامل لحقبة تاريخية امتدت لأربعين عاما، لم تبق دولة ولا مجتمع في الإقليم بمنأى عن تأثيراتها، السلبية والإيجابية.. وظيفته "التبشير" إن جاز لنا القول، بأفول "اللحظتين" معا، بالنظر لزوال، أو قرب زوال، الأسباب التي أدت إلى نشوئهما بالأصل. وهنا أحسب أن العالم يكاد يودع "حقبة الهيدروكربون" في تاريخه، ومعها سيودع الإقليم "اللحظتين" معا، الخليجية والإيرانية.

ما حصل بنتيجة هيمنة "اللحظتين" يتخطى الأثر الاقتصادي ـ الاستهلاكي، إلى تغييرات في البنى الثقافية والاجتماعية والدينية لدولنا ومجتمعاتنا

​​لن يحدث ذلك في لمحة بصر أو بين عشية وضحاها، بيد أن خبراء الدراسات المستقبلية/الاستشرافية، يضعون ما بين عشرة إلى عشرين عاما على أبعد تقدير، كموعد أقصى لاحتفاظ النفط بقيمته كسلعة استراتيجية.. وستنضب قيمة النفط، قبل أن تنضب آباره، تماما مثلما ودعت البشرية "عصرها الحجري" والعالم مليء بالحجارة.. وقد تتسرع هذه العملية بفعل تفشي الفساد وغياب "الحكم الرشيد" وتآكل مصادر قوة وهيمنة الدولة الريعية وما تستولده من صراعات داخلية مركبة ومتراكمة... فضلا عما تتخذه مراكز "اللحظتين" من مواقف رعناء وما تنتهجه من سياسات توسعية وتدخلية ضارة بها وبالدول التي تستهدفها والانخراط المتورط، على أوسع نطاق، في حروب الوكالة والأصالة وحالة النزف والاستنزاف التي تلحق بمواردها (السعودية والإمارات في اليمن وسورية وليبيا وغيرها، وإيران في العراق وسورية ولبنان واليمن وفلسطين)، وسياسات الابتزاز الغربي لعواصم هذه الدول (دول الخليج نموذجا)، وتحديدا من قبل الولايات المتحدة، وبالأخص في عهد إدارة ترامب، أو بفعل العقوبات والحصار والتضييق والعزل (إيران نموذجا).

اقرأ للكاتب أيضا: بعد ثماني سنوات على انطلاقه، هل يلتحق الأردن بقطار 'الربيع العربي'؟

تآكل إيرادات هذه الدول، عجز ميزانياتها، وتراجع أدواتها "الريعية" وشروعها في الاستدانة وتفكيك مؤسساتها العامة وخصخصتها والأنباء عن "توطين" العمالة والتخلص المنهجي التدريجي من العمالة الوافدة والحرب الكونية على التطرف والإرهاب والسعي لاحتواء إيران وتقليم أنيابها ومخالبها، فضلا عن المخاوف التي تتراكم من نزعات المغامرة والمقامرة التي تميز السياسات الخارجية لبعض دول المنطقة، جميعها مؤشرات، على أن الإقليم وضع أقدامه على سكة الفكاك من اللحظتين معا.. والأرجح أن انكفاء اللحظتين سيأتي متزامنا مثلما جاء صعودهما على نحو متزامن.. والمرجح أن نهاية "اللحظتين" ستكون مكلفة وربما دامية وستأخذ مسارا متعرجا، لا يمكن التكهن من الآن بصوره وأشكاله.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.