مسرح شيكاغو الشهير
مسرح شيكاغو الشهير

بقلم رياض عصمت/

ما هي ضرورة وجود المسرح في عصر يحفل بالدراما التلفزيونية والسينمائية التي تدخل إلى بيوتنا عبر محطات التلفزيون الفضائية ومواقع "نتفليكس" و"يوتيوب" و"أمازون" وسواها من الوسائل التكنولوجية العديدة المتاحة الآن؟ لماذا يستمر المسرح وقد تطورت تقنيات السينما بصورة مذهلة عبر التقنية ثلاثية الأبعاد مما ينذر بانحسار الجمهور عن ارتياد المسارح؟ كيف يمكن للمسرح الحياة والازدهار بينما يتيح التلفزيون بتكلفة زهيدة متعا درامية من مختلف الأنماط والأشكال للمشاهد المسترخي على أريكته في بيته المريح دون تجشم عناء قيادة السيارة وركنها في مرآب ودفع ثمن تذكرة باهظة؟ لماذا المسرح طالما أنه يمكن للإنترنت أن يرضي فضول الإنسان وينقله إلى آفاق ما كان ليحلم بها قبل عقود قليلة من الزمان؟ هل بدأ العد التدريجي لأفول الحاجة إلى المسرح في حياتنا في القرن الحادي والعشرين؟

قبل مدة قصيرة، حضرت في مسرح صغير جدا يدعى A Red Orchid في شيكاغو عرضا مسرحيا بعنوان "خائن"Traitorلمؤلف موفور النشاط هو بريت نوفو Brett Neveu. اقتبس مسرحيته بشكل حر عن مسرحية المؤلف النرويجي هنريك إبسن "عدو الشعب"، لكنه جعل أحداثها تدور في زماننا المعاصر في الولايات المتحدة، مقربا شخصياتها وموضوعها من الجمهور المعاصر.

تطرح المسرحية مواجهة الفرد صاحب الضمير للجماعة الحريصة على مصالحها النفعية. وفي حين يكتشف رجل عالم أن مياه الينبوع المفترض أنها صحية هي مياه ملوثة، يتهمه الآخرون من أهل البلدة بالخيانة لأنه سيقطع رزقهم بضرب حركة السياحة، ويضطهدونه ويؤذون سمعته بمن فيهم شقيقته التي تشغل منصب محافظ البلدة. بالتالي، يطلق العالم بعد صدمته بخذلان الناس من حوله صيحته الشهيرة: "إن ينابيع حياتنا مسممة".

إن الحاجة الحقيقية إلى المسرح تجعله ضروريا للإنسان مثل الحاجة إلى الماء والهواء والطعام، لأنه غذاء الروح

​​لم يكن معمار المسرح الصغير الذي لا يستوعب سوى 60 متفرجا تقريبا هو ما استرعى اهتمامي فقط، ولا النص البارع الذي صاغه مؤلف موهوب، وإنما تصدي النجم السينمائي المعروف مايكل شانون (بطل أفلام "شكل الماء"، "حيوانات ليلية" و"12 قويا") لمهمة الإخراج المسرحي. ما الذي يدفع نجما يمثل فيلمين هوليووديين في العام الواحد، وينال أجرا عاليا على كل دور، أن يبذل جهده ووقته مقابل أجر زهيد لإخراج نص في مسرح لا يتسع سوى لبضع دزينات من المتفرجين؟ لا أجد دافعا سوى دافع الإيمان القوي في روح فنان أصيل بأن المسرح يستحق التضحية، وأنه مدرسة للفنان مهما علا شأنه واغتنى جيبه من الأعمال الفنية واسعة الانتشار، والتي تدر عليه دخلا عاليا. بالتالي، يمكننا القول إن من الصعب أن يموت فن المسرح بسبب منافسة التكنولوجيا الحديثة المبهرة في مجالي السينما والتلفزيون. المرجح أن يزداد المسرح خصوصية، بل قوة ونضارة وحيوية، وأن يكتسب لغته التعبيرية المميزة التي تختلف عنهما.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف تغير الحرب طبائع البشر!

حضر المخرج/النجم مايكل شانون افتتاح عرضه، ومر قرب صف الناس الواقفين في انتظار أن تفتح الأبواب، ثم دخل معهم وسط الزحام. لم يضايقه أحد خلال دخوله بطلب التقاط صورة "سيلفي"، ولم يطلب منه أحد التوقيع على أوتوغراف، بل رمقه الحاضرون مبتسمين بود واحترام بالغين، لأنه فنان أخلص لتاريخ انطلاقته من ذلك المسرح الصغير في قلب شيكاغو، فعاد إليه نجما ليسهم بالإخراج ـ وربما بالأداء ـ لفرقته، إيمانا منه برسالة المسرح السامية ودوره في إصلاح المجتمع.

كذلك فعل من قبله نجوم أوسع شهرة في ذروة نجاحهم، نذكر منهم داستن هوفمان الذي لعب بطولة مسرحية آرثر ميلر "موت بائع جوال"، ومارتن شين الذي لعب بطولة مسرحية عن رجل مصاب بالإيدز. واليوم، لا يتوانى نجوم شباب اشتهروا من خلال السينما والتلفزيون ببذل جهد مضاعف دون التفكير بالمال من أجل إرضاء ذواتهم، وجلب الجمهور إلى المسرح، ونذكر منهم على سبيل المثال دانيال رادكليف (بطل سلسلة أفلام "هاري بوتر") وإميليا كلارك (بطلة مسلسل "لعبة العروش".

منذ أرسطو، كتب كثيرون عن مغزى كلمة "كاثارسيز"، أي تطهير النفس نتيجة إحساس بالخوف والشفقة. بعيدا عن أي تعقيد، "الكاثارسيز" هو تلك الرعشة التي تصيب أحيانا عمودنا الفقري نتيجة التوحد مع آلام وآمال شخصية درامية، مما يطهر مشاعرنا. السؤال الذي لا بد أن يراود البال: متى شعرنا آخر مرة بهذا الأثر؟ وهل مر بنا هذا الإحساس ونحن نتفرج على التلفزيون مثلا، أم أنه إحساس يقتصر على المسرح؟ شخصيا، أعترف أن إحساس "الكاثارسيز" انتابني خلال حضوري ندرة من أفلام السينما الخالدة، لكنه انتابني أكثر مع بعض العروض المسرحية التي حضرت في عواصم المسرح العالمية الكبرى مثل لندن ونيويورك. للأسف الشديد، أكاد لا أذكر الآن أن ذلك الإحساس انتابني مع عروض المسرح العربي، والمؤكد أكثر أنه لم يداهمني وأنا أتابع أي مسلسل تلفزيوني عربي في موسم الذروة للمشاهدة التلفزيونية خلال شهر رمضان.

ما زلت أذكر حضوري في لندن ذات مرة مسرحية سبق لي أن حضرت لها عروضا مختلفة لها بأكثر من لغة، وهي مسرحية آرثر ميلر "كلهم أبنائي" ـ ربما لأنني سبق أن التقيت بالمؤلف شخصيا حوالي أسبوع في مؤتمر في مدينة سالزبورغ بالنمسا. وبالرغم من معرفتي الجيدة بمسرحية "كلهم أبنائي"، لم أكن اتوقع أن ذلك العرض يمكن أن يحدث عندي صدمة "الكاثارسيز" التي تحدث عنها أرسطو، إذ نادرا ما داهمني ذلك الشعور بالتطهير أمام ما حضرت من إخراجات سابقة للمسرحية ذاتها في لندن أيضا.

كثيرا ما يكون الأثر العاطفي للمسرح، بما يحمله من تنوير وتثوير، أعمق من باقي الفنون الدرامية

​​لكن شعور الخوف والشفقة تصاعد تدريجيا في داخلي مشهدا تلو مشهد إلى أن وصل إلى الذروة مع طلقة المسدس التي أطلقها الأب على نفسه منتحرا لإدراكه أنه كان السبب الحقيقي وراء انتحار ولده الطيار الحربي خجلا من مسؤولية والده عن مصرع عدد من زملائه الطيارين. نجم شعوري عن توحد الممثلين الرائع مع شخصياتهم، وانتقال ذلك التوحد إلينا كمتفرجين ليهزنا الحدث الدرامي ويعصف بكياننا، كما هزهم وعصف بهم. هكذا، مثل شحنة الكهرباء التي تصعق الجسد، صعق العرض أرواح الجمهور بصورة نادرا ما تتحقق من خلال التلفزيون، ونادرا ما تتحقق مع بعض أفلام السينما العظيمة.

ظلت ذكرى هذا الإحساس مهيمنة على وجداني لسنوات عديدة إلى أن قمت بإعداد نص "كلهم أبنائي" لصالح فرقة "مسرح دمشق القومي" في العام 2012 ناقلا زمن أحداثها إلى فترة حرب العراق كي أحقق تأثيرا عاطفيا أقوى على المتفرج السوري. تخليت عن مهمة الإخراج للمخرج مأمون الخطيب، مكتفيا بمحاولة إضفاء تأثير "الكاثارسيز" المنشود من خلال ترجمة وإعداد النص، وأعتقد جازما أن قرب الأحداث زمنيا وجغرافيا ووجدانيا من المتفرج أسهم إلى حد كبير في إحراز تأثير التطهير المأمول.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تنبأ سام شيبرد بلا معقولية المستقبل؟

في مناسبة أخرى، داهمني "الكاثارسيز" برعشة في عمودي الفقري وأنا أشاهد بصحبة المؤلف التشيلي الشهير آرييل دورفمان فيلما اقتبس عن مسرحيته "الموت والعذراء" من إخراج رومان بولانسكي وبطولة سيغورني ويفر.

تدور المسرحية عن امرأة سبق أن تعرضت للاغتصاب خلال سجنها السياسي وهي معصوبة العينين من قبل طبيب السجن. ذات ليلة، وبعد أن خرجت لتتزوج وتطوي صفحة الماضي الأليم، يقرع باب الشاليه ويستضيف زوجها رجلا تعطلت سيارته، فإذا بها تميزه من صوته على أنه الرجل الذي قام باغتصابها على وقع لحن الموسيقار شوبرت، فتقرر الانتقام منه بإعدامه. يحاول زوجها جاهدا ثنيها عن عزمها، بينما يبذل الضيف المقيد جهده لإقناعها بأنه ليس الشخص الذي تتهمه. دفعني الإحساس بشعور الخوف بالشفقة يوم شاهدت الفيلم في عرض خاص مع مؤلف العمل الأصلي إلى استئذان آرييل دورفمان بأن اقوم بإخراج مسرحيته في دمشق مع تعديل طفيف كي لا يساء تأويل خاتمتها، فتكرم بإعطائي الضوء الأخضر، كما تبرع بالنص دون مقابل. هكذا، أخرجت "الموت والعذراء" كعرض تخرج لطلبة التمثيل عام 1999 من "المعهد العالي للفنون المسرحية" بكل ما تتضمنه من موضوع سياسي جريء وساخن، وتخرجت بدور البطولة فيها الممثلة الموهوبة سلافة المعمار.

يقول المسرحي العالمي يوجينيو باربا، المدير الفني لمسرح "أودين" الدنماركي: "المسرح جزيرة للحرية". كثيرا ما يكون الأثر العاطفي للمسرح، بما يحمله من تنوير وتثوير، أعمق من باقي الفنون الدرامية، رغم ضآلة إمكانات المسرح وتقنياته بالمقارنة مع تطور التلفزيون والسينما. لا ينكر أحد تأثير الفنين المبهر على المشاهد، لكنه تأثير عابر مثل تأثير أفلام الأبطال الخارقين والخيال العلمي، بحيث ربما يذكره المرء فيما بعد بابتسامة بعد خروجه من ظلمات السحر إلى ضياء الواقع، وكأنما كان واقعا تحت إيهام ساحر بارع. أما تأثير الأداء المسرحي الحي، فيبقى في الوجدان طويلا بطقسيته وبساطته، بصراحته وجرأته، بتعبيره عن الدفء الإنساني، بتحديه للطغيان، وبتكريمه للحرية. ذلك هو ما يميز المسرح في زماننا الراهن، زمن هيمنة الإنترنت وإبهار السينما ثلاثية الأبعاد وتقنيات التلفزيون المتقدمة. إن الحاجة الحقيقية إلى المسرح تجعله ضروريا للإنسان مثل الحاجة إلى الماء والهواء والطعام، لأنه غذاء الروح، وهذا سر ازدهار الفرق المسرحية الكبرى في كل مكان متحضر من عالمنا المعاصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.