سيدة سعودية تتدرب على قيادة السيارة
سيدة سعودية تتدرب على قيادة السيارة

بقلم محمد المحمود/

في يوم الأحد القادم 24 حزيران/يونيو الموافق 10 شوال سوف يأخذ قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، الصادر في 26 كانون الأول/سبتمبر 2017، طريقه إلى التنفيذ العملي. لأول مرة، ستمسك المرأة في السعودية مقود السيارة بشكل قانوني، وستبدأ رحلتها المبهجة مع عصر جديد، مع زمن حقوقي واعد؛ بقدر ما هو مختلف عن كل الأزمنة السابقة، التي إن تحقق لها فيها بعض الحقوق، فإنها لم تكن بمستوى هذا الحق ـ هذا الحدث المفصلي ـ الذي يستحق أن تؤرخ به المسيرة النسوية لدينا، فالمرأة بعد هذا التاريخ (يوم الأحد المقبل) لن تكون هي المرأة قبل هذا التاريخ.

قد تبدو مسألة قيادة المرأة هامشية وسطحية، بل وتافهة، لمن يطل على المشهد من خارجه. قد يبدو الجدل الفكري والإعلامي الذي طالما ثار رهجه حول هذا الموضوع سخيفا، بل ومخجلا؛ لأنه يناقش حقا بدَهيا تتمتع به كل نساء هذا الكوكب بلا استثناء؛ منذ كن وكانت المركبات. لكن، من يقارب المشهد من داخله، من يلم بكل التفاصيل المرهقة المتعلقة به، من يستوعب مستوى الرهانات المنوطة به من طرفي النزاع؛ يعي تمام الوعي أن المسألة ليست هامشية ولا سطحية ولا تافهة، وأن ممانعة المحافظين/ المتزمتين فيها كان يمكن أن تستديمها إلى أجل غير مسمى، وأن الحسم فيها ـ عطفا على كل ذلك ـ احتاج لوقت مناسب وقرار شجاع.

يوم الأحد المقبل ستقود المرأة مركبتها، ولكنها لن تكون مجرد مركبة، بل ستقود بذلك سلسلة من التحولات المرتبطة بهذا الاستقلال النسبي

​​إن مسألة القيادة لم تكن مسألة قيادة فحسب، بل كانت مسألة محورية تتقاطع مع كثير من صور الحراك المجتمعي المرتبط بكثير من الحقوق النسوية الأخرى. كثير من الحقوق النسوية كانت متاحة على الورق، كانت قد أقرت نظريا بنظام واضح، وبدأ تنفيذها، لكن ولأن المرأة ممنوعة من القيادة، كان التنفيذ يواجه كثيرا من المعضلات التي تبقيه في حالة جمود أو شبه جمود. ولعل عمل المرأة؛ وما ارتبط به من توجه رسمي لحل مشكلة البطالة النسوية، هو خير مثال على هذه الحال.

فقد كان حق المرأة في العمل متاحا على مستوى التشريع القانوني، بل ومدعوم رسميا، ولكن حالة الخريطة الديموغرافية المرتبطة بكون المدن لدينا تتمدد أفقيا في مستوى تشكلها الداخلي، وأيضا كون هذه المدن تتناثر على مساحات شاسعة في مستوى جغرافية الوطن كله، وما نتج عن ذلك التبعثر الديموغرافي من افتقار حاد للمواصلات العامة، بل وانعدام لها في المدن الصغرى، كل هذا جعل من تمتع المرأة بهذا الحق (حقها في العمل) محاطا بكثير من الصعوبات، بل قد يصل الأمر ببعضهن إلى كونه مستحيلا بحكم الضرورات المرتبطة بهذه الحال.

اقرأ للكاتب أيضا: أصولية الخطاب القومي العربي

والأمر لا يتوقف على هذا المثال/ عمل المرأة، ولا حتى ما يخص المرأة ذاتها بوصفها موضوع الفعل/ الطرف المستفيد، فالقرار له لوازم منوطة بآخرين، فمن جهة آليات تنفيذه كان لا بد له من توطئة نظامية في مجالات أخرى مرتبطة به على نحو مباشر أو غير مباشر. وكمثال على الارتباط المباشر، نذكر ما يتعلق الشرطة المرورية، فقد كان لا بد من توظيف المرأة في قطاع الشرطة المرورية للتلاؤم مع الوضع الجديد؛ إذ لم يكن المرور يتوفر على عناصر نسائية تستطيع التعامل مع شرائح محافظة من النساء اللواتي يردن التمتع بهذا الحق، وفي الوقت نفسه يعتقدن ـ في سياق المحافظة المجتمعية التي يرين أنفسهن من خلالها ـ أن من حقهن أن يجدن في الميدان المروري من بنات جنسهن من يرتحن للتعامل معهن أكثر من الرجال.

لهذا جاء نص قرار السماح للمرأة بالقيادة مشفوعا بكثير من القرارات الجانبية المرتبطة بصلب القرار، فقد جاء الأمر "باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية ـ بما فيها إصدار رخص القيادة ـ على الذكور والإناث على حد سواء، وتشكيل لجنة على مستوى عال من وزارات: الداخلية والمالية والعمل والتنمية الاجتماعية؛ لدراسة الترتيبات اللازمة لإنفاذ ذلك". وهذا يعكس الوعي بارتباط هذه القرار بأكثر من جهة تنفيذية على نحو مباشر؛ فضلا الجهات التنفيذية الأخرى التي ترتبط به على نحو غير مباشر، والتي يلزمها التنفيذ بالتتبع؛ تحت القاعدة النظامية الكلية المنصوص عليها هنا: "على حد سواء".

إن القيادة النسوية مرتبطة بماض وحاضر ومستقبل؛ قدر ما هي قرار الحاضر، ولا يمكن معاينة المسألة بالتركيز على أحدها. منذ ثلاثة عقود تقريبا، عندما أثيرت مسألة القيادة وهي محل جدل حاد، وبقيت مطروحة على طاولة البحث الرسمي والمجتمعي ـ وقد عقد المسألة أنها ولأسباب ليس هنا مجال تفصيلها ـ تجاوزت نطاقها الخاص المحدد بـ"امرأة تقود مركبة"؛ لتصبح محل تجاذبات كثيرة، يقف فيها التيار الديني التقليدي، والتيار المجتمعي المحافظ (وبينهما تفاعل صريح ومضمر) في جهة، كما يقف التيار الإنساني العام المتعلق بالحقوق الإنسانية البديهية في الجهة المقابلة. وكان الموقف الرسمي يحيل المسألة إلى رهان على عامل الزمن، أي إلى الوقت الذي يتوفر فيه مستوى معين من التوافق المجتمعي على القبول؛ حتى لا يبدو القرار وكأنه انحياز لهذا الطرف أو ذاك.

كان هناك موقف ديني متحفظ جدا تجاه هذه المسألة. وقد أصدر بعضهم في فترات سابقة فتاوى التحريم؛ مرفقة بسلسلة من التخوفات الأخلاقية الكفيلة بإثارة الذعر المجتمعي قبل إثارة التحرج الديني. لكن هذا الموقف الديني المتحفظ بدأ في التصدع منذ بدايات هذا القرن، أي منذ 18 عاما تقريبا، وقد بدأت ممانعة المحافظين في التراجع شيئا فشيئا بعدما صدع بعض الدعاة الذين أشاعوا التحريم في السابق بحكم جديد يجنح للتحليل، بل ويؤكد على أن التحريم السابق لم يكن إلا اجتهادا احتياطيا غير ملزم شرعا.

ولا شك أن الخطاب الثقافي الانفتاحي الذي فتح الجدل في هذه المسألة على مصراعيه، قد دفع كثيرا من الدعاة إلى مراجعة مقولاتهم التحريمية السابقة التي كانت تفتقر للأدلة القاطعة ثبوتا ودلالة.

كما أن الانفتاح الإعلامي الفضائي، إضافة إلى الانفتاح الشعبوي في وسائل التواصل الاجتماعي، جعل كثيرين يقرأون واقعهم المحلي في سياق عالمي، وبالتالي، ينظرون إلى هذه المسألة بما يتجاوز الثقافة والأعراف السائدة محليا. وأذكر أن كثيرين بعد هذا الانفتاح كانوا يحاجون الدعاة المتحفظين/ المحافظين بهذا السؤال: الإسلام واحد، كيف تكون هذه المسألة حراما عندنا؛ بينما هي حلال في كل المجتمعات الإسلامية بلا استثناء!؟

كثير من المتغيرات ستدخل على نمط حياة المرأة السعودية، وبالتالي على نمط حياة المجتمع ككل

​​طبعا، هذا التحول لا يعني أن كل الممانعات وكل التحفظات السابقة قد زالت تماما، بل قد بقي بعضها كما كان لم يتزحزح عن موقفه، وبعضها الآخر بقي معارضا للمسألة، ولكن دون تشنيع على الرأي الآخر القائل بالجواز، ما يعني أنها ـ بمجملها ـ دخلت في حيز: "الآراء الاجتهادية"، بعد أن كانت في حيز: "الأحكام الشرعية". ولعل الإحالة الشرعية الواردة في نص القرار الرسمي تحكي هذا التحول الذي طرأ على كثير من الرؤى الفقهية المحلية تجاه هذه المسألة، فقد جاء فيه ما نصه: "نشير إلى ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء بشأن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعا من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه". فهذا النص الذي يحيل إلى موقف الهيئة الشرعية الرسمية، يختصر عناصر الجدل الديني الدائر منذ عقود، ويعكس آخر التحولات/ التطورات في هذا المضار.

اقرأ للكاتب أيضا: النقد الذاتي والحماس الجماهيري

اليوم حسم القرار الرسمي كل الجدل الدائر بالإجراء العملي. لا أقصد الجدل الداخلي فحسب، بل الجدل العالمي أيضا، فقد كانت هذه المسألة محل إثارة عالمية تسببت لنا في كثير من الحرج؛ لأن الإعلام العالمي كان يبني عليها كثيرا من التصورات المثيرة، تلك التصورات التي إن كان فيها شيء من الحق؛ ففيها ـ في الوقت نفسه ـ كثير من التوهمات التي ينفخ فيها الخيال الغربي عن الشرق!

خلاصة القول: يوم الأحد المقبل ستقود المرأة مركبتها، ولكنها لن تكون مجرد مركبة، بل ستقود بذلك سلسلة من التحولات المرتبطة بهذا الاستقلال النسبي الذي يحميها من ذل الحاجة الدائمة إلى الآخرين. كثير من المتغيرات ستدخل على نمط حياة المرأة، وبالتالي على نمط حياة المجتمع ككل. موقع المرأة في التراتبية المجتمعية، في شبكة العلاقات، كل هذا سيتغير، وطبعا سيبدأ التغيير بالتدريج، وسيطال الرمزيات الذهنية التي كانت تضع المرأة في مراتب دونية كقيمة وكفاعلية. فضاء واسع سيكون متاحا للفاعلية النسوية المتطلعة للإسهام في التنمية العامة، ستتضاعف الحيوية المجتمعية بفعل دخول طرف فاعل وقوي كان ينتظر هذه الفرصة منذ أمد طويل.

وطبعا، كل هذا سيجري في مناخ عام تحكمه المحافظة الاجتماعية/ الدينية السائدة، هذه المحافظة التي ستكون محل اهتمام ذاتي وأدبي من الجميع تجاه الجميع، قبل أن تكون محكومة بقانون ونظام صارم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.