سيدة سعودية تتدرب على قيادة السيارة
سيدة سعودية تتدرب على قيادة السيارة

بقلم محمد المحمود/

في يوم الأحد القادم 24 حزيران/يونيو الموافق 10 شوال سوف يأخذ قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، الصادر في 26 كانون الأول/سبتمبر 2017، طريقه إلى التنفيذ العملي. لأول مرة، ستمسك المرأة في السعودية مقود السيارة بشكل قانوني، وستبدأ رحلتها المبهجة مع عصر جديد، مع زمن حقوقي واعد؛ بقدر ما هو مختلف عن كل الأزمنة السابقة، التي إن تحقق لها فيها بعض الحقوق، فإنها لم تكن بمستوى هذا الحق ـ هذا الحدث المفصلي ـ الذي يستحق أن تؤرخ به المسيرة النسوية لدينا، فالمرأة بعد هذا التاريخ (يوم الأحد المقبل) لن تكون هي المرأة قبل هذا التاريخ.

قد تبدو مسألة قيادة المرأة هامشية وسطحية، بل وتافهة، لمن يطل على المشهد من خارجه. قد يبدو الجدل الفكري والإعلامي الذي طالما ثار رهجه حول هذا الموضوع سخيفا، بل ومخجلا؛ لأنه يناقش حقا بدَهيا تتمتع به كل نساء هذا الكوكب بلا استثناء؛ منذ كن وكانت المركبات. لكن، من يقارب المشهد من داخله، من يلم بكل التفاصيل المرهقة المتعلقة به، من يستوعب مستوى الرهانات المنوطة به من طرفي النزاع؛ يعي تمام الوعي أن المسألة ليست هامشية ولا سطحية ولا تافهة، وأن ممانعة المحافظين/ المتزمتين فيها كان يمكن أن تستديمها إلى أجل غير مسمى، وأن الحسم فيها ـ عطفا على كل ذلك ـ احتاج لوقت مناسب وقرار شجاع.

يوم الأحد المقبل ستقود المرأة مركبتها، ولكنها لن تكون مجرد مركبة، بل ستقود بذلك سلسلة من التحولات المرتبطة بهذا الاستقلال النسبي

​​إن مسألة القيادة لم تكن مسألة قيادة فحسب، بل كانت مسألة محورية تتقاطع مع كثير من صور الحراك المجتمعي المرتبط بكثير من الحقوق النسوية الأخرى. كثير من الحقوق النسوية كانت متاحة على الورق، كانت قد أقرت نظريا بنظام واضح، وبدأ تنفيذها، لكن ولأن المرأة ممنوعة من القيادة، كان التنفيذ يواجه كثيرا من المعضلات التي تبقيه في حالة جمود أو شبه جمود. ولعل عمل المرأة؛ وما ارتبط به من توجه رسمي لحل مشكلة البطالة النسوية، هو خير مثال على هذه الحال.

فقد كان حق المرأة في العمل متاحا على مستوى التشريع القانوني، بل ومدعوم رسميا، ولكن حالة الخريطة الديموغرافية المرتبطة بكون المدن لدينا تتمدد أفقيا في مستوى تشكلها الداخلي، وأيضا كون هذه المدن تتناثر على مساحات شاسعة في مستوى جغرافية الوطن كله، وما نتج عن ذلك التبعثر الديموغرافي من افتقار حاد للمواصلات العامة، بل وانعدام لها في المدن الصغرى، كل هذا جعل من تمتع المرأة بهذا الحق (حقها في العمل) محاطا بكثير من الصعوبات، بل قد يصل الأمر ببعضهن إلى كونه مستحيلا بحكم الضرورات المرتبطة بهذه الحال.

اقرأ للكاتب أيضا: أصولية الخطاب القومي العربي

والأمر لا يتوقف على هذا المثال/ عمل المرأة، ولا حتى ما يخص المرأة ذاتها بوصفها موضوع الفعل/ الطرف المستفيد، فالقرار له لوازم منوطة بآخرين، فمن جهة آليات تنفيذه كان لا بد له من توطئة نظامية في مجالات أخرى مرتبطة به على نحو مباشر أو غير مباشر. وكمثال على الارتباط المباشر، نذكر ما يتعلق الشرطة المرورية، فقد كان لا بد من توظيف المرأة في قطاع الشرطة المرورية للتلاؤم مع الوضع الجديد؛ إذ لم يكن المرور يتوفر على عناصر نسائية تستطيع التعامل مع شرائح محافظة من النساء اللواتي يردن التمتع بهذا الحق، وفي الوقت نفسه يعتقدن ـ في سياق المحافظة المجتمعية التي يرين أنفسهن من خلالها ـ أن من حقهن أن يجدن في الميدان المروري من بنات جنسهن من يرتحن للتعامل معهن أكثر من الرجال.

لهذا جاء نص قرار السماح للمرأة بالقيادة مشفوعا بكثير من القرارات الجانبية المرتبطة بصلب القرار، فقد جاء الأمر "باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية ـ بما فيها إصدار رخص القيادة ـ على الذكور والإناث على حد سواء، وتشكيل لجنة على مستوى عال من وزارات: الداخلية والمالية والعمل والتنمية الاجتماعية؛ لدراسة الترتيبات اللازمة لإنفاذ ذلك". وهذا يعكس الوعي بارتباط هذه القرار بأكثر من جهة تنفيذية على نحو مباشر؛ فضلا الجهات التنفيذية الأخرى التي ترتبط به على نحو غير مباشر، والتي يلزمها التنفيذ بالتتبع؛ تحت القاعدة النظامية الكلية المنصوص عليها هنا: "على حد سواء".

إن القيادة النسوية مرتبطة بماض وحاضر ومستقبل؛ قدر ما هي قرار الحاضر، ولا يمكن معاينة المسألة بالتركيز على أحدها. منذ ثلاثة عقود تقريبا، عندما أثيرت مسألة القيادة وهي محل جدل حاد، وبقيت مطروحة على طاولة البحث الرسمي والمجتمعي ـ وقد عقد المسألة أنها ولأسباب ليس هنا مجال تفصيلها ـ تجاوزت نطاقها الخاص المحدد بـ"امرأة تقود مركبة"؛ لتصبح محل تجاذبات كثيرة، يقف فيها التيار الديني التقليدي، والتيار المجتمعي المحافظ (وبينهما تفاعل صريح ومضمر) في جهة، كما يقف التيار الإنساني العام المتعلق بالحقوق الإنسانية البديهية في الجهة المقابلة. وكان الموقف الرسمي يحيل المسألة إلى رهان على عامل الزمن، أي إلى الوقت الذي يتوفر فيه مستوى معين من التوافق المجتمعي على القبول؛ حتى لا يبدو القرار وكأنه انحياز لهذا الطرف أو ذاك.

كان هناك موقف ديني متحفظ جدا تجاه هذه المسألة. وقد أصدر بعضهم في فترات سابقة فتاوى التحريم؛ مرفقة بسلسلة من التخوفات الأخلاقية الكفيلة بإثارة الذعر المجتمعي قبل إثارة التحرج الديني. لكن هذا الموقف الديني المتحفظ بدأ في التصدع منذ بدايات هذا القرن، أي منذ 18 عاما تقريبا، وقد بدأت ممانعة المحافظين في التراجع شيئا فشيئا بعدما صدع بعض الدعاة الذين أشاعوا التحريم في السابق بحكم جديد يجنح للتحليل، بل ويؤكد على أن التحريم السابق لم يكن إلا اجتهادا احتياطيا غير ملزم شرعا.

ولا شك أن الخطاب الثقافي الانفتاحي الذي فتح الجدل في هذه المسألة على مصراعيه، قد دفع كثيرا من الدعاة إلى مراجعة مقولاتهم التحريمية السابقة التي كانت تفتقر للأدلة القاطعة ثبوتا ودلالة.

كما أن الانفتاح الإعلامي الفضائي، إضافة إلى الانفتاح الشعبوي في وسائل التواصل الاجتماعي، جعل كثيرين يقرأون واقعهم المحلي في سياق عالمي، وبالتالي، ينظرون إلى هذه المسألة بما يتجاوز الثقافة والأعراف السائدة محليا. وأذكر أن كثيرين بعد هذا الانفتاح كانوا يحاجون الدعاة المتحفظين/ المحافظين بهذا السؤال: الإسلام واحد، كيف تكون هذه المسألة حراما عندنا؛ بينما هي حلال في كل المجتمعات الإسلامية بلا استثناء!؟

كثير من المتغيرات ستدخل على نمط حياة المرأة السعودية، وبالتالي على نمط حياة المجتمع ككل

​​طبعا، هذا التحول لا يعني أن كل الممانعات وكل التحفظات السابقة قد زالت تماما، بل قد بقي بعضها كما كان لم يتزحزح عن موقفه، وبعضها الآخر بقي معارضا للمسألة، ولكن دون تشنيع على الرأي الآخر القائل بالجواز، ما يعني أنها ـ بمجملها ـ دخلت في حيز: "الآراء الاجتهادية"، بعد أن كانت في حيز: "الأحكام الشرعية". ولعل الإحالة الشرعية الواردة في نص القرار الرسمي تحكي هذا التحول الذي طرأ على كثير من الرؤى الفقهية المحلية تجاه هذه المسألة، فقد جاء فيه ما نصه: "نشير إلى ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء بشأن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعا من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه". فهذا النص الذي يحيل إلى موقف الهيئة الشرعية الرسمية، يختصر عناصر الجدل الديني الدائر منذ عقود، ويعكس آخر التحولات/ التطورات في هذا المضار.

اقرأ للكاتب أيضا: النقد الذاتي والحماس الجماهيري

اليوم حسم القرار الرسمي كل الجدل الدائر بالإجراء العملي. لا أقصد الجدل الداخلي فحسب، بل الجدل العالمي أيضا، فقد كانت هذه المسألة محل إثارة عالمية تسببت لنا في كثير من الحرج؛ لأن الإعلام العالمي كان يبني عليها كثيرا من التصورات المثيرة، تلك التصورات التي إن كان فيها شيء من الحق؛ ففيها ـ في الوقت نفسه ـ كثير من التوهمات التي ينفخ فيها الخيال الغربي عن الشرق!

خلاصة القول: يوم الأحد المقبل ستقود المرأة مركبتها، ولكنها لن تكون مجرد مركبة، بل ستقود بذلك سلسلة من التحولات المرتبطة بهذا الاستقلال النسبي الذي يحميها من ذل الحاجة الدائمة إلى الآخرين. كثير من المتغيرات ستدخل على نمط حياة المرأة، وبالتالي على نمط حياة المجتمع ككل. موقع المرأة في التراتبية المجتمعية، في شبكة العلاقات، كل هذا سيتغير، وطبعا سيبدأ التغيير بالتدريج، وسيطال الرمزيات الذهنية التي كانت تضع المرأة في مراتب دونية كقيمة وكفاعلية. فضاء واسع سيكون متاحا للفاعلية النسوية المتطلعة للإسهام في التنمية العامة، ستتضاعف الحيوية المجتمعية بفعل دخول طرف فاعل وقوي كان ينتظر هذه الفرصة منذ أمد طويل.

وطبعا، كل هذا سيجري في مناخ عام تحكمه المحافظة الاجتماعية/ الدينية السائدة، هذه المحافظة التي ستكون محل اهتمام ذاتي وأدبي من الجميع تجاه الجميع، قبل أن تكون محكومة بقانون ونظام صارم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.