راقصا السالسا الكولومبيان لونا روميرو وكارلوس بونتوس خلال مهرجان السالسا العالمي الـ 12 في كولومبيا
راقصا السالسا الكولومبيان لونا روميرو وكارلوس بونتوس خلال مهرجان السالسا العالمي الـ 12 في كولومبيا

بقلم منصور الحاج/

أتلقى بين الحين والآخر رسائل استهجان بسبب ممارستي لهواية الرقص على أنغام موسيقى السالسا تتراوح بين النصح والتقريع والتأنيب والتوبيخ والسباب. وعادة ما أرد على من يستحقون الرد بأن الرقص فن راق يهذب الإحساس وينشط العقل ويدخل البهجة والسرور إلى النفس وله فوائد كثيرة على الجسد والروح.

هكذا كنت أتصدى للمعترضين حتى وقت قريب، وتحديدا حتى الأسبوع الماضي عندما أخبرتني والدتي بأن ممارستي لهواية الرقص تسبب لها المتاعب وتعرضها للإحراج مع الأهل والمعارف والأصدقاء الذين يرون أن من العار اتخاذ الرقص هواية. وكانت القشة التي قصمت ظهر صبرها ودفعتها إلى مصارحتي بما تعانيه بسبب ممارستي لهواية الرقص وتقديمي عروضا راقصة مع الفريق الذي أنتمي إليه هو إعراب إحدى قريباتها عن أسفها لما انتهت إليه مسيرتي في بلاد العم سام وتحولي من شاب تقي ورع ومحافظ إلى راقص. والدتي التي ترى أن حبي لرقص السالسا مرده إصابتي بـ"عين حاسدة لم تصل على النبي" لا تتوقف عن الدعاء لي بالهداية والعودة لما كنت عليه في سالف العهد.

للرقص عدة فوائد منها أننا نشعر بالسعادة حين نرقص لأن أجسادنا تفرز مادة الإندورفين

​​ولأن الحديث عن فوائد ممارسة الرقص على الصحة النفسية والعقلية والدور المهم الذي يلعبه في الارتقاء بالذوق العام للشعوب والمجتمعات، كما تثبت الدراسات العلمية، لن يجدي نفعا في تغيير عقلية من يعتبرون الرقص "رجسا من عمل الشيطان" و"منكرا" و"فسوقا" يجب إنكاره والنهي عنه، تمنيت لو أن البخاري ومسلم ضمنا في صحيحهما بابا في فضل الرقص نقلا فيه مواقف الرسول من الرقص والراقصين والراقصات.

تمنيت لو أن الترمذي أو النسائي أو الدار قطني أو ابن ماجة أو ابن حبان نقلوا شيئا لأجيب به على أولئك البسطاء الذين يمارس معظمهم الرقص لكنهم يعترضون ربما على الاختلاط والتقارب بين الذكور والإناث أو على فكرة اتخاذ الرقص هواية بدلا من أن يكون طقسا مرتبطا بمناسبات الأفراح والأعياد والاحتفالات.

اقرأ للكاتب أيضا: مستقبل حقوق الإنسان في السعودية

وعلاقتي بالرقص عموما، وهي أمر شخصي قبل كل شيء ولست بحاجة إلى تبريرها لأحد، بدأت في فترة المراهقة بمدينة جدة حين شاركت لأول مرة في "المزمار" ـ وهي رقصة شعبية حجازية ـ أقامها شباب الحي المجاور. أتذكر أنني اقتلعت عصا المكنسة واتجهت برفقة صديق الطفولة مرتضى إلى حيث يقام المزمار. لم يكن من السهل انتهاز الفرصة والتوقيت المناسبين للدخول إلى ساحة المزمار للطواف حول النار المشتعلة مرتين في مسار معاكس لخط طواف صديقي ثم تحيته بالوقوف أمامه وجها لوجه ثم الدوران على طريقة البوابات الدائرية قبل الخروج والاصطفاف مع "المزمرجية" وترديد ما يرددونه من أهازيج.

أما علاقتي بالسالسا تحديدا فبدأت بعدما استقر بي المقام في مدينة تامبا بولاية فلوريدا قبل سنوات حين قررت الالتحاق بإحدى مدارس تعليم رقصة السالسا. وكم كانت دهشتي كبيرة حينما لخصت مدربة الرقص السيدة ماريا رقصة السالسا بأنها مجرد المشي إلى الأمام وإلى الخلف وأن بإمكان أي شخص تعلم المبادئ الأساسية للسالسا والتطور بكثرة الممارسة والتدريب.

ولأثبات ذلك، بدأنا الحصة التدريبية الأولى بالمشي إلى الأمام ثم إلى الخلف وتكرار ذلك مرارا كما تعلمت في ذلك اليوم أننا حين نمشي فإن الجزء الأعلى من الجسم يتحرك أولا قبل القدمين وأن التصرف التلقائي لجسم الإنسان حين يتم التوجه نحوه مباشرة هو العودة إلى الخلف وهذا ما يفسر التناغم بين حركات راقصي السالسا حيث يتحرك كل من الـ Lead وهو الشخص الذي يتحكم في أداء الـ Follow وهو الشخص الذي يستجيب لتوجيهات الـ Lead، وكلاهما يمكن أن يكون شابا أو شابة ـ إلى الأمام والخلف بسلاسة وانسياب.

كانت فكرة أن بإمكان أي شخص تعلم رقصة السالسا أمرا مفاجئا بالنسبة لي فقد نشأت على أن الرقص موهبة يولد بها الراقصون ولم أكن في كل مراحل حياتي راقصا ولم أكن أتخيل أن بإمكاني محاكاة ما يقوم به راقصوا وراقصات السالسا من حركات متناسقة وانسيابية منسجمة مع الموسيقى ونغمات الآلات الموسيقية.

وبالعودة إلى مواقف الكثير من معارضي الرقص والناقمين على الراقصين، فإني أرى أن فيها تناقضا واضحا ففي الوقت الذي يمثل الرقص أحد أهم العادات والتقاليد الممارسة في المناسبات المختلفة في الدول العربية والإسلامية، وفي الوقت الذي يستمتع الناس بمشاهدة مختلف أنواع الرقصات في الحفلات والأعراس والأعياد والأفلام، نلاحظ أن سمعة الراقصين والراقصات تكون دائما محل انتقاد وتشكيك تارة باسم العار والشرف وتارة باسم الدين والأخلاق الأمر الذي أثر سلبا على مسيرة الفن في مجتمعاتنا ودفع بالكثير من الفنانين والفنانات إلى إعلان التوبة والندم على ما قدموه من فن أمثال الراحلتين تحية كاريوكا وشادية والمعاصرين كمنى عبد الغني وسهير البابلي وحنان ترك وغيرهن.

إن الرقص بصفة عامة يا أيها الأحبة لغة تواصل ووسيلة للترفيه ومصدر من مصادر البهجة والفرح، لم تتوقف المجتمعات عن ممارستها على مر العصور للترويح عن النفس والتنفيس عن ضغوط الحياة اليومية أو الابتهال إلى الخالق لإنزال المطر ودفع الأضرار وإبعاد الكوارث والأخطار.

وإن كان يصعب على البعض تقبل فكرة أن يشترك الرجال والنساء في رقصة تقترب فيها الأجساد والأنفاس فإن الأمر ليس أكثر من مسألة اختلاف العادات والتقاليد بين المجتمعات التي تتغير مع مرور الزمن فالعالم اليوم يسير نحو العالمية كما يسعى الجنس البشري إلى فهم الطبيعة البشرية والتعرف على المميزات والفروقات بين الجنسين وفي اعتقادي فإن الرقص يساعد على كسر الحواجز وبناء علاقات ودية بين الجنسين.

الرقص بصفة عامة لغة تواصل ووسيلة للترفيه ومصدر من مصادر البهجة والفرح

​​وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسات العلمية أثبتت أن للرقص عدة فوائد منها أننا نشعر بالسعادة حين نرقص لأن أجسادنا تفرز مادة الإندورفين إلا أننا حين نرقص مع الجنس الآخر أو في مجموعات بطريقة متناغمة فإن هذا يخلق ما يسمى بحالة اندماج النفس مع الغير التي تجعل الأفراد يصلون إلى مرحلة الانسجام مع الآخر/المجموعة بحيث يشعر الفرد بأنه والآخرين شيء واحد، حسب الباحثة برونوين تار من جامعة أكسفورد.

اقرأ للكاتب أيضا: مسؤولية المسلمين في تخليص العالم من سطوة الشريعة

نعم، لا أحاديث في البخاري ومسلم وغيرها من كتب التراث عن فضل الرقص ربما لأن من عاشوا في تلك الفترة لم يكونوا ممن يتذوقون الرقص إلا أن هناك من العظماء الذين قالوا في الرقص كلمات تستحق أن تكتب بماء الذهب عن روعة الرقص والمتعة التي يجدها الراقصون، إليكم بعضا منها.

  • "ارقصوا ارقصوا ففي عدم الرقص ضياع " ـ مصممة الرقصات الألمانية الراحلة بينا باوش.
  • "لن أؤمن إلا برب يجيد الرقص" ـ الفيلسوس الألماني فردريك نيتشه.
  • "الراقصون هم رسل أرباب العالمين" ـ مصممة الرقصات الأميركية مارثا جرام.
  • "هناك طرق مختصرة للسعادة أحدها الرقص" ـ الكاتبة الأسترالية فيكي باوم.
  • "الرقص قصيدة كلماتها الحركات" ـ راقصة الإغراء الهولندية ماتا هاري.
  • "كأنك حين ترانا نرقص تستمع إلى حديث قلوبنا" ـ مثل هندي.
  • "من لا يجيدون الرقص يلومون أرضية ساحة الرقص" ـ مثل هندي.
  • "لنقرأ ولنرقص فهاتان المتعتان لن تحدثا أي أذى للعالم" ـ الفيلسوف الفرنسي فولتير.
  • "ارقص عندما يكون جرحك مفتوحا، ارقص عندما تنزع الضمادة، ارقص في منتصف القتال، ارقص في دمك، ارقص عندما تكون حرا تماما" ـ جلال الدين الرومي.
  • "إن الحياة ليست أن ننتظر مرور العاصفة بل أن نتعلم الرقص في المطر" ـ الكاتبة فيفيان جرين.
  • "لا تعط سيفا لرجل لا يجيد الرقص" ـ الفيلسوف الصيني كونفوشيوس.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.