أشار البيان الذي صدر عن القمة إلى العمل على جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية
أشار البيان الذي صدر عن القمة إلى العمل على جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية

بقلم د. عماد بوظو

رحب العالم بلقاء القمة بين الرئيس ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لأنه يعطي آمالا بنزع فتيل التوتر عن أكثر منطقة تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. كان من بين المرحبين به قادة الاتحاد الأوروبي وكندا الذين اختلف معهم الرئيس ترامب قبل ساعات من قمته تلك.

حتى روسيا، التي يهدد هذا الاتفاق بحرمانها من إحدى الأوراق التي تعتمد عليها في سياستها الدولية التي تدور حول دعم كل من يثير المشاكل في العالم خاصة في وجه الولايات المتحدة الأميركية، فقد ادعت ترحيبها باللقاء رغم محاولتها إفشاله، حين سارع لافروف لزيارة بيونغ يانغ بمجرد ظهور مؤشرات سلبية هددت بإلغاء القمة، لكن وجه الرئيس الكوري المتجهم في لقاء لافروف والذي حاول الإعلام الروسي إخفاءه برسم ابتسامة على وجهه بالفوتوشوب، كشف عن أن الوزير الروسي لم ينجح في مهمته لأن كيم جونغ يعرف أن روسيا لا تستطيع مساعدته في شيء ويعرف بالمقابل ما الذي تستطيع الولايات المتحدة تقديمه.

لا يمكن تجاهل احتمال أن يسير كيم جونغ أون على خطى غورباتشوف في الإصلاح الاقتصادي والسياسي

​​فروسيا مساوية في الناتج القومي الإجمالي لكوريا الجنوبية رغم أنها أكبر منها من حيث المساحة بأكثر من 170 مرة، ويتكون الناتج الروسي من المواد الخام كالنفط والغاز والمنتجات الزراعية والأسلحة، بينما تصدر كوريا الجنوبية المنتجات المصنعة ذات التكنولوجيا العالية كالكومبيوترات والهواتف النقالة والسيارات خصوصا الكهربائية أو ذاتية القيادة أو الفاخرة. وأحد أمثلة ذلك، أن أكثر من ثلث صناعة السفن في العالم تتم في كوريا الجنوبية، في مثال ناجح عن النهضة والازدهار الاقتصادي على الطريقة الأميركية.

طرفان فقط لم يرحبا بهذا الاجتماع؛ أولهما الحكومة الإيرانية التي يعتمد أغلب برنامجها النووي والصاروخي على كوريا الشمالية ونزع سلاح الأخيرة يترك إيران وحيدة أمام العالم في برامجها تلك، أما الطرف الآخر فهو بعض النواب الديموقراطيين وأغلب وسائل الإعلام الأميركية ذات التوجه الليبرالي التي بذلت جهدها للتقليل من أهمية هذا اللقاء.

اقرأ للكاتب أيضا: كان 'الدين لله والوطن للجميع قبل قرن'، لماذا لم يعد كذلك اليوم؟

بعض وسائل الإعلام هذه، اعتبر أن هدف اللقاء هو أخذ صور سيلفي، وهناك من اعتبره انتصارا لكيم جونغ أون أو للصين، وقال آخرون إن اللقاء قد قوض الضغوط السياسية والعقوبات على كوريا الشمالية رغم تأكيد المسؤولين الأميركيين أن العقوبات مستمرة حتى نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية. ادعى بعض النواب، وأغلب الإعلام الأميركي، أن تعليق المناورات المشتركة مع كوريا الجنوبية يعتبر تنازلا مجانيا تم تقديمه لكيم أون متجاهلين ما أقدمت عليه كوريا الشمالية من تفجير موقعها الوحيد المعلن للتجارب النووية في بونغي ـ ري بعد تفكيكه في 24 أيار/مايو الماضي، وهو المكان الذي أجرت فيه كل تجاربها النووية، وأكد معهد الأسلحة النووية الكوري الشمالي عدم وجود مواقع أو مناجم مماثلة في كوريا الشمالية. وكانت بيونغ يانغ قد أعلنت قبل ذلك عن إيقاف جميع تجاربها النووية والباليستية واعتبرت ذلك جزءا من سعيها لتحقيق نمو اقتصادي وإحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية، ولكن هذا لم يكن كافيا لتطمين وسائل الإعلام تلك وهؤلاء النواب.

المفارقة أن هؤلاء أنفسهم كانوا في مقدمة المعارضين لانسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، رغم أن هذا الاتفاق محدود زمنيا تنتهي بعض بنوده عام 2025 وبعضها الآخر عام 2030 ومن ثم تتحرر إيران منه نهائيا. وحتى ذلك التاريخ تحافظ إيران على وضعها كبلد حافة نووية، إذ لا يوجد في الاتفاق ما يمنعها من الاستمرار بالأبحاث والتطوير بحيث تستطيع أن تخرج من الاتفاق بسرعة نحو القنبلة. ولا يتضمن الاتفاق مع إيران الحق في تفتيش الكثير من المواقع النووية التي تعتبرها الحكومة الإيرانية مواقع عسكرية، وحتى الأماكن التي تسمح بتفتيشها فإن ذلك لا يتم بدون إخطار مسبق مع مهلة زمنية غير قصيرة قبل إجرائه.

كما أن الاتفاق النووي فتح ثغرة حول البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث أن قرار مجلس الأمن 1929 لعام 2010 كان يتضمن حظرا على كل ما يتصل ببرنامج إيران الصاروخي أو إجراء تجارب على صواريخ باليستية، ولكن الاتفاق النووي استبدل هذا النص الجازم بعبارة فضفاضة: "إن إيران مدعوة إلى عدم القيام بأي نشاط يتعلق بالصواريخ الباليستية المصممة لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية". ولذلك لم يكد يمضي بضعة أشهر على توقيع الاتفاق حتى بدأت إيران بإجراء سلسلة اختبارات على إطلاق صواريخ باليستية طوال العامين 2016 ـ 2017.

ومن النتائج الملموسة للاتفاق النووي تزايد دور إيران المزعزع للاستقرار في كافة دول الشرق الأوسط إذ وفر لها الكثير من الأموال التي استخدمتها في نشاطاتها الإقليمية وبرامجها العسكرية عوض توجيهها لإنعاش اقتصادها المنهك. هذا هو الاتفاق الذي لا يريد هؤلاء النواب وهذا الإعلام الانسحاب منه ولكنهم في نفس الوقت لا يبدون متحمسين للسير باتجاه اتفاق حقيقي مع كوريا الشمالية.

بعد هذا اللقاء أصبح هذا الإعلام الأميركي في كل مرة يأتي على ذكر كيم جونغ أون يسبقه بعبارة "الديكتاتور" ويذكر بما ارتكبه من جرائم خلال سنوات حكمه والتي تتضمن اغتياله لأخيه غير الشقيق أو إعدام زوج عمته. ولكن عند الحديث عن النظام الإيراني لا تذكر وسائل الإعلام هذه طبيعته الديكتاتورية ولا ملف حقوق الإنسان فيه. تقول هذه الوسائل للرأي العام الأميركي إن لقاء الرئيسين ترامب وكيم كان طعنة في ظهر اليابان وكوريا الجنوبية، خصوصا لأنه ترافق بالحديث عن الرغبة بسحب القوات الأميركية إذا زالت الأخطار التي من الممكن أن تتعرض لها هذه الدول، مع أن سلسلة اللقاءات المكثفة مع زعماء هذه الدول تدل على أن كل ما حصل تم بالتشاور معهما كما أن رئيس كوريا الجنوبية تحديدا هو من الوسطاء الرئيسيين في هذه المحادثات.

يعتبر الموضوع الكوري أكثر أهمية من الموضوع الإيراني، لأن كوريا الشمالية دولة نووية تملك بالفعل أسلحة نووية قامت باختبارها أكثر من مرة، ولأنها كانت وراء انتشار التكنولوجيا النووية أو المتعلقة بالصواريخ الباليستية عبر العالم، فهي من بدأت ببناء منشأة الكبر بدير الزور في سورية، وأقسام أساسية من المشروع النووي الإيراني بالإضافة لدورها في برامج الصواريخ الباليستية في سورية وإيران وغيرها من دول العالم. وخروج بيونغ يانغ من هذا المحور يشكل ضربة استراتيجية له. كما أن للاتفاق مع بيونغ يانغ أثر مباشر على إيران نفسها. إذ من المحتمل أن يساعد على دفعها للسير في مفاوضات جديدة تفضي إلى تفكيك برنامجها النووي، ووضع حد لبرنامجها الصاروخي وسلوكها الإقليمي.

إن الأبعاد السياسية للاتفاق مع بيونغ يانغ، في حال سارت الأمور كما يتأمل المتفائلون، ستكون كبيرة وستنعكس على العالم كله. ولكن الإعلام الليبرالي يفضل التشاؤم ويقول إن من غير المحتمل تخلي النظام في كوريا الشمالية عن أسلحته النووية لأنه يعتبرها الضمانة الوحيدة لبقائه، ويتنبؤون بفشل هذه المفاوضات كما فشلت المفاوضات السابقة قبل عشر سنوات في ظل حكم والد الرئيس الحالي، بسبب رفض كوريا الشمالية لبروتوكول التفتيش على منشآتها.

يعتبر الموضوع الكوري أكثر أهمية من الموضوع الإيراني، لأن كوريا الشمالية دولة نووية تملك بالفعل أسلحة نووية

​​أشار البيان الذي صدر عن قمة سنغافورة إلى العمل المشترك على جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية، وعلى آلية تحقق ذات مصداقية في تنفيذ الاتفاق. وكان الوفد الأميركي مكونا من الرئيس ترامب والوزير بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، وهم جميعا من المعترضين على ضعف الاتفاق النووي الإيراني والمعروفين بنهجهم المتشدد في السياسة الخارجية. كما أن المحادثات التمهيدية التي أدت إلى الوصول إلى هذه المرحلة كانت بجهود الوزير بومبيو الحقوقي والعسكري والنائب ورئيس الاستخبارات الأميركية السابق، وبمعرفة جون بولتون المطلع منذ العام 2006 على تفاصيل المشروع النووي الكوري، لذلك فإن مهمة الإعلام الليبرالي وهؤلاء النواب في التشكيك بجدارة هؤلاء المفاوضين في إنجاز اتفاق يضمن المصالح الأميركية والأمن والسلم الدوليين لن تكون سهلة.

اقرأ للكاتب أيضا: الإمبراطورية الإيرانية الوهمية 2014 ـ 2016

يعتقد الإعلام الليبرالي أنه يستطيع إقناع الشعب الأميركي بالأمر وعكسه في نفس الوقت؛ يدافع عن الاتفاق الإيراني الذي يكتفي بتجميد المشروع النووي لعدة سنوات ولا يتدخل بالبرنامج الصاروخي أو السلوك الإقليمي أو ملف حقوق الإنسان في إيران، ويهاجم في نفس الوقت التفاوض مع كوريا الشمالية حتى ولو تضمن العمل على تحقيق كل هذه الأمور. ويتجاهل الإعلام الليبرالي أن كيم جونغ أون شاب في الخامسة والثلاثين من العمر استلم السلطة منذ ست سنوات فقط ومن غير المستغرب إقدامه على خطوات وتغييرات جوهرية وهو يرى حالة الفشل الاقتصادي في بلاده مقارنة بالنجاحات الاقتصادية الكبرى لكل دول شرق آسيا المحيطة به، والتي كان آخرها فيتنام التي انتقلت خلال عقدين فقط من إحدى أفقر دول العالم إلى أحد النمور الآسيوية وغزت منتجاتها العالم بما فيه الولايات المتحدة واليابان والصين وارتفعت الاستثمارات الأجنبية فيها من 3.2 مليار دولار عام 2003 إلى 103.24 مليار عام 2016.

لا يمكن تجاهل احتمال أن يسير كيم جونغ أون على خطى غورباتشوف في الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وهذا ما يتأمله الجميع، ما عدا الرئيس بوتين والنظام الإيراني والكثير من الليبراليين والسياسيين الأميركيين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.