أشار البيان الذي صدر عن القمة إلى العمل على جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية
أشار البيان الذي صدر عن القمة إلى العمل على جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية

بقلم د. عماد بوظو

رحب العالم بلقاء القمة بين الرئيس ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لأنه يعطي آمالا بنزع فتيل التوتر عن أكثر منطقة تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. كان من بين المرحبين به قادة الاتحاد الأوروبي وكندا الذين اختلف معهم الرئيس ترامب قبل ساعات من قمته تلك.

حتى روسيا، التي يهدد هذا الاتفاق بحرمانها من إحدى الأوراق التي تعتمد عليها في سياستها الدولية التي تدور حول دعم كل من يثير المشاكل في العالم خاصة في وجه الولايات المتحدة الأميركية، فقد ادعت ترحيبها باللقاء رغم محاولتها إفشاله، حين سارع لافروف لزيارة بيونغ يانغ بمجرد ظهور مؤشرات سلبية هددت بإلغاء القمة، لكن وجه الرئيس الكوري المتجهم في لقاء لافروف والذي حاول الإعلام الروسي إخفاءه برسم ابتسامة على وجهه بالفوتوشوب، كشف عن أن الوزير الروسي لم ينجح في مهمته لأن كيم جونغ يعرف أن روسيا لا تستطيع مساعدته في شيء ويعرف بالمقابل ما الذي تستطيع الولايات المتحدة تقديمه.

لا يمكن تجاهل احتمال أن يسير كيم جونغ أون على خطى غورباتشوف في الإصلاح الاقتصادي والسياسي

​​فروسيا مساوية في الناتج القومي الإجمالي لكوريا الجنوبية رغم أنها أكبر منها من حيث المساحة بأكثر من 170 مرة، ويتكون الناتج الروسي من المواد الخام كالنفط والغاز والمنتجات الزراعية والأسلحة، بينما تصدر كوريا الجنوبية المنتجات المصنعة ذات التكنولوجيا العالية كالكومبيوترات والهواتف النقالة والسيارات خصوصا الكهربائية أو ذاتية القيادة أو الفاخرة. وأحد أمثلة ذلك، أن أكثر من ثلث صناعة السفن في العالم تتم في كوريا الجنوبية، في مثال ناجح عن النهضة والازدهار الاقتصادي على الطريقة الأميركية.

طرفان فقط لم يرحبا بهذا الاجتماع؛ أولهما الحكومة الإيرانية التي يعتمد أغلب برنامجها النووي والصاروخي على كوريا الشمالية ونزع سلاح الأخيرة يترك إيران وحيدة أمام العالم في برامجها تلك، أما الطرف الآخر فهو بعض النواب الديموقراطيين وأغلب وسائل الإعلام الأميركية ذات التوجه الليبرالي التي بذلت جهدها للتقليل من أهمية هذا اللقاء.

اقرأ للكاتب أيضا: كان 'الدين لله والوطن للجميع قبل قرن'، لماذا لم يعد كذلك اليوم؟

بعض وسائل الإعلام هذه، اعتبر أن هدف اللقاء هو أخذ صور سيلفي، وهناك من اعتبره انتصارا لكيم جونغ أون أو للصين، وقال آخرون إن اللقاء قد قوض الضغوط السياسية والعقوبات على كوريا الشمالية رغم تأكيد المسؤولين الأميركيين أن العقوبات مستمرة حتى نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية. ادعى بعض النواب، وأغلب الإعلام الأميركي، أن تعليق المناورات المشتركة مع كوريا الجنوبية يعتبر تنازلا مجانيا تم تقديمه لكيم أون متجاهلين ما أقدمت عليه كوريا الشمالية من تفجير موقعها الوحيد المعلن للتجارب النووية في بونغي ـ ري بعد تفكيكه في 24 أيار/مايو الماضي، وهو المكان الذي أجرت فيه كل تجاربها النووية، وأكد معهد الأسلحة النووية الكوري الشمالي عدم وجود مواقع أو مناجم مماثلة في كوريا الشمالية. وكانت بيونغ يانغ قد أعلنت قبل ذلك عن إيقاف جميع تجاربها النووية والباليستية واعتبرت ذلك جزءا من سعيها لتحقيق نمو اقتصادي وإحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية، ولكن هذا لم يكن كافيا لتطمين وسائل الإعلام تلك وهؤلاء النواب.

المفارقة أن هؤلاء أنفسهم كانوا في مقدمة المعارضين لانسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، رغم أن هذا الاتفاق محدود زمنيا تنتهي بعض بنوده عام 2025 وبعضها الآخر عام 2030 ومن ثم تتحرر إيران منه نهائيا. وحتى ذلك التاريخ تحافظ إيران على وضعها كبلد حافة نووية، إذ لا يوجد في الاتفاق ما يمنعها من الاستمرار بالأبحاث والتطوير بحيث تستطيع أن تخرج من الاتفاق بسرعة نحو القنبلة. ولا يتضمن الاتفاق مع إيران الحق في تفتيش الكثير من المواقع النووية التي تعتبرها الحكومة الإيرانية مواقع عسكرية، وحتى الأماكن التي تسمح بتفتيشها فإن ذلك لا يتم بدون إخطار مسبق مع مهلة زمنية غير قصيرة قبل إجرائه.

كما أن الاتفاق النووي فتح ثغرة حول البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث أن قرار مجلس الأمن 1929 لعام 2010 كان يتضمن حظرا على كل ما يتصل ببرنامج إيران الصاروخي أو إجراء تجارب على صواريخ باليستية، ولكن الاتفاق النووي استبدل هذا النص الجازم بعبارة فضفاضة: "إن إيران مدعوة إلى عدم القيام بأي نشاط يتعلق بالصواريخ الباليستية المصممة لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية". ولذلك لم يكد يمضي بضعة أشهر على توقيع الاتفاق حتى بدأت إيران بإجراء سلسلة اختبارات على إطلاق صواريخ باليستية طوال العامين 2016 ـ 2017.

ومن النتائج الملموسة للاتفاق النووي تزايد دور إيران المزعزع للاستقرار في كافة دول الشرق الأوسط إذ وفر لها الكثير من الأموال التي استخدمتها في نشاطاتها الإقليمية وبرامجها العسكرية عوض توجيهها لإنعاش اقتصادها المنهك. هذا هو الاتفاق الذي لا يريد هؤلاء النواب وهذا الإعلام الانسحاب منه ولكنهم في نفس الوقت لا يبدون متحمسين للسير باتجاه اتفاق حقيقي مع كوريا الشمالية.

بعد هذا اللقاء أصبح هذا الإعلام الأميركي في كل مرة يأتي على ذكر كيم جونغ أون يسبقه بعبارة "الديكتاتور" ويذكر بما ارتكبه من جرائم خلال سنوات حكمه والتي تتضمن اغتياله لأخيه غير الشقيق أو إعدام زوج عمته. ولكن عند الحديث عن النظام الإيراني لا تذكر وسائل الإعلام هذه طبيعته الديكتاتورية ولا ملف حقوق الإنسان فيه. تقول هذه الوسائل للرأي العام الأميركي إن لقاء الرئيسين ترامب وكيم كان طعنة في ظهر اليابان وكوريا الجنوبية، خصوصا لأنه ترافق بالحديث عن الرغبة بسحب القوات الأميركية إذا زالت الأخطار التي من الممكن أن تتعرض لها هذه الدول، مع أن سلسلة اللقاءات المكثفة مع زعماء هذه الدول تدل على أن كل ما حصل تم بالتشاور معهما كما أن رئيس كوريا الجنوبية تحديدا هو من الوسطاء الرئيسيين في هذه المحادثات.

يعتبر الموضوع الكوري أكثر أهمية من الموضوع الإيراني، لأن كوريا الشمالية دولة نووية تملك بالفعل أسلحة نووية قامت باختبارها أكثر من مرة، ولأنها كانت وراء انتشار التكنولوجيا النووية أو المتعلقة بالصواريخ الباليستية عبر العالم، فهي من بدأت ببناء منشأة الكبر بدير الزور في سورية، وأقسام أساسية من المشروع النووي الإيراني بالإضافة لدورها في برامج الصواريخ الباليستية في سورية وإيران وغيرها من دول العالم. وخروج بيونغ يانغ من هذا المحور يشكل ضربة استراتيجية له. كما أن للاتفاق مع بيونغ يانغ أثر مباشر على إيران نفسها. إذ من المحتمل أن يساعد على دفعها للسير في مفاوضات جديدة تفضي إلى تفكيك برنامجها النووي، ووضع حد لبرنامجها الصاروخي وسلوكها الإقليمي.

إن الأبعاد السياسية للاتفاق مع بيونغ يانغ، في حال سارت الأمور كما يتأمل المتفائلون، ستكون كبيرة وستنعكس على العالم كله. ولكن الإعلام الليبرالي يفضل التشاؤم ويقول إن من غير المحتمل تخلي النظام في كوريا الشمالية عن أسلحته النووية لأنه يعتبرها الضمانة الوحيدة لبقائه، ويتنبؤون بفشل هذه المفاوضات كما فشلت المفاوضات السابقة قبل عشر سنوات في ظل حكم والد الرئيس الحالي، بسبب رفض كوريا الشمالية لبروتوكول التفتيش على منشآتها.

يعتبر الموضوع الكوري أكثر أهمية من الموضوع الإيراني، لأن كوريا الشمالية دولة نووية تملك بالفعل أسلحة نووية

​​أشار البيان الذي صدر عن قمة سنغافورة إلى العمل المشترك على جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية، وعلى آلية تحقق ذات مصداقية في تنفيذ الاتفاق. وكان الوفد الأميركي مكونا من الرئيس ترامب والوزير بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، وهم جميعا من المعترضين على ضعف الاتفاق النووي الإيراني والمعروفين بنهجهم المتشدد في السياسة الخارجية. كما أن المحادثات التمهيدية التي أدت إلى الوصول إلى هذه المرحلة كانت بجهود الوزير بومبيو الحقوقي والعسكري والنائب ورئيس الاستخبارات الأميركية السابق، وبمعرفة جون بولتون المطلع منذ العام 2006 على تفاصيل المشروع النووي الكوري، لذلك فإن مهمة الإعلام الليبرالي وهؤلاء النواب في التشكيك بجدارة هؤلاء المفاوضين في إنجاز اتفاق يضمن المصالح الأميركية والأمن والسلم الدوليين لن تكون سهلة.

اقرأ للكاتب أيضا: الإمبراطورية الإيرانية الوهمية 2014 ـ 2016

يعتقد الإعلام الليبرالي أنه يستطيع إقناع الشعب الأميركي بالأمر وعكسه في نفس الوقت؛ يدافع عن الاتفاق الإيراني الذي يكتفي بتجميد المشروع النووي لعدة سنوات ولا يتدخل بالبرنامج الصاروخي أو السلوك الإقليمي أو ملف حقوق الإنسان في إيران، ويهاجم في نفس الوقت التفاوض مع كوريا الشمالية حتى ولو تضمن العمل على تحقيق كل هذه الأمور. ويتجاهل الإعلام الليبرالي أن كيم جونغ أون شاب في الخامسة والثلاثين من العمر استلم السلطة منذ ست سنوات فقط ومن غير المستغرب إقدامه على خطوات وتغييرات جوهرية وهو يرى حالة الفشل الاقتصادي في بلاده مقارنة بالنجاحات الاقتصادية الكبرى لكل دول شرق آسيا المحيطة به، والتي كان آخرها فيتنام التي انتقلت خلال عقدين فقط من إحدى أفقر دول العالم إلى أحد النمور الآسيوية وغزت منتجاتها العالم بما فيه الولايات المتحدة واليابان والصين وارتفعت الاستثمارات الأجنبية فيها من 3.2 مليار دولار عام 2003 إلى 103.24 مليار عام 2016.

لا يمكن تجاهل احتمال أن يسير كيم جونغ أون على خطى غورباتشوف في الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وهذا ما يتأمله الجميع، ما عدا الرئيس بوتين والنظام الإيراني والكثير من الليبراليين والسياسيين الأميركيين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.