يتابع عرض قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال المنتدى الدولي للأمن الداخلي
يتابع عرض قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال المنتدى الدولي للأمن الداخلي

بقلم جويس كرم/

منذ 2011، قصفت إسرائيل عشرات المرات أهدافا في سورية تراوحت بين مخازن أسلحة أو شحنات تنقل ذخيرة أو مراكز علمية وبحوثية للنظام، أو اغتيالات في صفوف حزب الله أو النظام السوري أو الحرس الثوري الإيراني.

وللمرة الأولى هذا الأسبوع، قصفت إسرائيل ليل الأحد ـ الاثنين ميليشيات عراقية في سورية، وذلك في حال صدق المسؤول الأميركي الذي نقلت عنه قناة الحرة في أن إسرائيل نفذت الضربة التي أدت إلى مقتل عشرات الأشخاص. كالعادة، لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن الضربة، إنما نفي الجانب الأميركي قيامه بها، واستبعاد خطأ روسي أو من نظام الأسد بقصف حلفائه، ومن ثم تسريب واشنطن معلومات عن مسؤولية إسرائيل يجعلها المشتبه الأساسي في القصف الجوي.

أي اتفاق لا يحيّد إيران وقواتها من سورية بالكامل لن يكون مقبولا

​​وما يميز العملية الإسرائيلية الأخيرة في سورية أنها غير مسبوقة جغرافيا للدولة العبرية، باستهدافها بلدة الهري على الحدود السورية ـ العراقية، وغير مسبوقة أيضا باستهدافها عناصر من الحشد الشعبي العراقي ومعهم كتائب حزب الله العراقية أيضا. فنطاق الغارات الإسرائيلية في سورية اتسع فعليا ولم يعد محصورا بأهداف في جوبر أو حمص أو قرب هضبة الجولان أو على الحدود اللبنانية ـ السورية. والهدف لم يعد ينحصر بحزب الله اللبناني أو نظام الأسد، بل كان مقصودا أن يصيب ميليشيات عراقية ضخمة بارزة، ويمر عبرها النفوذ الإيراني في بغداد وخارجها.

اقرأ للكاتب أيضا: معركة الحديدة: هل تقود إلى حل سياسي؟

نفي واشنطن السريع للمسؤولية عن الضربة، كان للحد من أي رد فعل على جنودها في العراق أو سورية والتركيز على الحرب ضد تنظيم داعش. أما إسرائيل فحساباتها وأولوياتها وقراءتها للتهديدات الإقليمية مختلفة عن حسابات الجيش الأميركي اليوم. وقد فتحت عبر الهجوم على ميليشيات عراقية موالية لإيران نافذة جديدة لمواجهتها الاستخباراتية والعسكرية مع النظام الإيراني. ففي أقل من 24 ساعة ضربت إسرائيل  في دير الزور ليلا، ومن ثم أدانت وزيرا سابقا في حكومتها، هو غونين سيغيف، لتجسسه لصالح إيران منذ 2012. وجاء ذلك في نفس اليوم الذي توجه فيه رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو إلى الأردن للقاء الملك عبدالله الثاني، والبحث بشتى القضايا الإقليمية بينها الجنوب السوري.

في سورية دخلنا فعليا في مرحلة ما بعد داعش وبقاء الأسد

​​الرسالة التي توجهها إسرائيل عبر ضرب ميليشيات إيران العراقية في العمق السوري، هي أن ساحة المواجهة مفتوحة، وكما توجه الأمين العام لعصائب أهل الحق العراقية قيس الخزعلي إلى بوابة فاطمة على الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية ليتوعد إسرائيل فإن استهداف رفاقه بات مباحا لتل أبيب في الساحة السورية. لذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الضربة العسكرية ليل الأحد، ليس بسبب ارتفاع عدد القتلى، بل لمعانيها في ما يخص أفق المواجهة الإقليمية عموما ضد إيران في أكثر من ساحة، وبين تل أبيب وطهران في سورية على وجه الخصوص.

اقرأ للكاتبة أيضا: الأردن يكسر لعنة 'الربيع العربي'

تحمل الضربة رسالة إلى روسيا أيضا، وهي أن أي اتفاق يتم الوصول إليه ولا يحيّد إيران وقواتها من سورية بالكامل، وليس فقط من الجنوب السوري، لن يكون مقبولا به وأن الضربات ستستمر. بالتأكيد، هناك إدراك أميركي وإسرائيلي أن روسيا حتى لو أرادت ليس لديها القوة العسكرية على الأرض أو النفوذ السياسي لكبح إيران وميليشياتها الحديثة والقديمة العهد في سورية. وعليه لا يمكن توقع أن توقف إسرائيل ضرباتها طبقا لاتفاق مع روسيا حول الجنوب والمعركة المرتقبة.

ما يمكن توقعه، وما أكدته ضربة إسرائيل في دير الزور ضد الحشد الشعبي وكتائب حزب الله، هو أننا أمام معركة مفتوحة إقليميا ومن أبرز أقطابها إسرائيل وإيران. أما الأدوات والاستراتيجيات، فتتباين بين سورية والعراق واليمن والبحرين ولبنان. وفي سورية تحديدا، دخلنا فعليا في مرحلة ما بعد داعش وبقاء الأسد، وبالتالي التحول إلى إبعاد إيران واستهداف أدواتها سواء كانوا من حزب الله اللبناني في القصير، أو من نظيره العراقي في دير الزور.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.