ترامب وكيم بعد المصافحة
لقاء ترامب وكيم

بقلم ديفيد بولوك/

في أعقاب قمة الرئيس ترامب مع كيم جونغ أون، هل يجدر بنا اقتراح عقد اجتماع مماثل مع المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي؟ إن هذا العرض ليس بعيدا عن الواقع كما يبدو، ويمكنه أن يمارس ضغطا مفيدا على النظام الإيراني.

في خطاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في 21 أيار/مايو حول سياسة إدارة ترامب تجاه إيران، أيد الوزير صراحة هذه الحالة المشابهة مع كوريا الشمالية قائلا: "إذا كان أي شخص، ولا سيما قادة إيران، يشك في مصداقية الرئيس (الأميركي) أو رؤيته، فلينظر إلى دبلوماسيتنا مع كوريا الشمالية". وفي هذا السياق، كتب السفير الأميركي السابق زلماي خليل زاد في صحيفة "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي عن رغبة الإدارة الأميركية في "إشراك إيران في مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق شامل يؤدي إلى تطبيع العلاقات". وكما يشير السيد خليل زاد، لقد سبق للرئيس ترامب أن أعلن عن استعداده للتفاوض مباشرة مع إيران.

من شبه المؤكد أن يرفض السيد خامنئي عرضا للقاء السيد ترامب

​​أما في إيران، فتبدو ردود الفعل تجاه قمة ترامب ـ كيم منقسمة بشكل حاد. فقبل انعقاد هذه القمة، حذر النظام الإيراني من أن السيد ترامب ليس أهلا للثقة، بناء على انسحاباته من كل من الاتفاق النووي الإيراني وإعلان مجموعة الدول السبع لهذا العام.

ولكن العديد من المواطنين الإيرانيين يرون أن قمة سنغافورة تمثل سابقة إيجابية. وفي هذا الإطار، قال أحد الأشخاص في مقابلة أجرتها معه صحيفة "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي: "لإنقاذنا من هذا الوضع السيئ، على قادتنا أن يجلسوا مع ترامب وأن يحلوا الخلافات القديمة بين بلدينا". ويشير صمت الإعلام الإيراني الرسمي حول القمة إلى أن النظام يعترف بالرغبة الشعبية في اعتماد مقاربة مماثلة.

ومن شبه المؤكد أن يرفض السيد خامنئي عرضا للقاء السيد ترامب، لأن أيديولوجيته مبنية على مقاومة "الغطرسة العالمية" الأميركية. لكن احتمال مثل هذا الرفض هو سبب إضافي يجب أن يدفع الولايات المتحدة إلى تقديم مثل هذا العرض، لأنه سيظهر للشعب الإيراني والعالم بأسره من هو صانع السلام الحقيقي.

وربما يبتهج حلفاء أميركا الأوروبيون إذا عرض السيد ترامب بشكل مفاجئ لقاء آية الله. وقد ترحب قوى عالمية أخرى بهذه البادرة. ففي مؤتمر عقد مؤخرا في الصين حول الشرق الأوسط، سمع كاتب هذه السطور عددا كبيرا من المسؤولين يصفون قمة ترامب ـ كيم بأنها مثال معاكس بل سار لانسحاب السيد ترامب الأحادي الجانب من الاتفاق النووي مع إيران.

وخلافا للقوى الأوروبية والآسيوية، ليس هناك شك بأن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط سيشعرون بالقلق من احتمال تخفيف السيد ترامب لموقفه تجاه إيران. وبالفعل، لا تشجع وسائل الإعلام الإسرائيلية والعربية على إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بادعائها أن قمة سنغافورة زادت من نفوذ الولايات المتحدة على طهران. وفي برنامج حواري عربي عرض الأسبوع الماضي، سألني المحاور عما إذا كانت القمة ستعزز الدعم المحلي للسيد ترامب، الأمر الذي سيمكنه من ممارسة المزيد من الضغط على النظام الإيراني.

ليس هناك من داع للقلق من أن تؤدي الدعوة لعقد القمة إلى "إضفاء الشرعية" على النظام الإيراني

​​إن السبيل الأفضل لتبديد تلك المخاوف هو تذكير الإسرائيليين والعرب بأن السيد خامنئي ليس كيم جونغ أون، ومن المرجح أن يفعل كل شيء تقريبا لتجنب لقاء السيد ترامب. كما يجب على البيت الأبيض أن يتشاور مع حلفاء الولايات المتحدة قبل تقديم مثل هذا العرض، لكن بإمكان الدول القلقة أن تقتنع بأن هذا العرض سيضع إيران، وليس هي، في موقف محفوف بالمخاطر.

وفي الحالة غير المحتملة التي يقبل فيها خامنئي مثل هذه الدعوة، قد يقوده تصوره الخاص حول تأثيره الكبير إلى وضع شروط أكثر تشددا. ومن شأن ذلك أن يسمح للولايات المتحدة بإلغاء العرض مع الحفاظ على انفتاحها على محادثات غير مشروطة. كما أن ليس هناك من داع للقلق من أن تؤدي هذه الدعوة إلى "إضفاء الشرعية" على النظام الإيراني. فعلى عكس كوريا الشمالية، تعتبر الجمهورية الإسلامية، في السراء والضراء، شرعية في نظر معظم دول العالم.

وإذا تحققت قمة ترامب ـ خامنئي، فإنها ستوفر فرصة لإعادة صياغة مطالب صعبة بل مبررة تماما، في ما يتخطى أي اتفاق نووي، وللإظهار للشعب الإيراني الأولويات الحقيقية لزعمائهم.

ديفيد بولوك هو زميل "كوفمان" في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟