قمة مجلس التعاون الخليجي في الكويت عام 2017
قمة مجلس التعاون الخليجي في الكويت عام 2017

التصوير القطري للأزمة الخليجية هي أن "دول الحصار" قد أقدمت على اعتداء صريح، ابتدأ باختطاف موقع إعلامي قطري لغرض اختلاق المبرر، قبل الشروع بحملة كادت أن تتضمن هجوما عسكريا، لغرض الإطاحة بقطر والاستئثار بقرارها والاستيلاء على مواردها.

التصوير السعودي والإماراتي للأزمة الخليجية هي أن قطر قد تمادت بالإساءات المادية والمعنوية، المكشوف منها والخفي، دون رادع ورغم وعود متكررة بالانكفاء، ليتبين أن موقفها العدائي، الذي يهدد الأمن والاستقرار في عموم المنطقة، غير قابل للتعديل، ذلك أن القرار في قطر لم يعد بيد الأسرة الحاكمة بل أمسى من نصيب الجماعات الإرهابية، وإن على قدر من التعمية. فلابد بالتالي من المقاطعة والضغط والتصعيد لإرغام الواقع القطري على التبدل.

حتى إذا اقتصرت المسألة على هذين التصويرين، فإن استعصاءها عن الحل السريع يبدو جليا. غير أن استقراء المعطيات والمواقف والتوجهات السابقة لهذه الأزمة يكشف عن عقبات إضافية خطيرة لأي حل مرتقب. فالقضية ليست وحسب خلافا في السياسة ومساءلة عن خطوات مرفوضة من هذا الجانب أو ذاك، بل هي اختلاف عائد إلى مواجهة بين رؤيتين، يجسد الصف المعارض لقطر إحداها عن قناعة وبانسجام بين القول والفعل، فيما تبدو قطر متشبثة بالرؤية المقابلة، وإن بتخبط وإن بتناقض، وإن بفعل البنى التي رست في أمس قريب، لا بفعل القناعة المستمرة. وإذا كانت هذه المواجهة تعترض إمكانيات التسوية في الأمد القريب، فإنه يمكن استشفاف حل هادئ لها رغم استمرار التصعيد.

الأزمة مستمرة، بانتظار استكمال الدوحة عودتها إلى أبوية لا تعكرها مزاعم المواطنية

​​رؤيتان تتشاطران الفضاء السياسي العربي. الأولى تعتبر أنه لابد للمواطن العربي من اللحاق بسائر العالم والسعي إلى إقامة النظام التمثيلي الصادق والذي يعبر عن قيمه ومصالحه، وإن لم تكن الثقافة العربية قد وصلت إلى الإجماع حول الصيغة الفضلى لهذا النظام، وحول مدى استفادته من الرصيد الذاتي والعالمي، من الإسلام ومن العروبة. أما الثانية، فتعتبر أن القيادة الراشدة والعادلة هي التي يسعها تحقيق التنمية والترقي، ومن ثم تمكين المجتمع، انطلاقا من ثوابت قيمه، للسير باتجاه الاضلاع بالمزيد من المسؤوليات الذاتية.

فالمواجهة هنا ليست بين الرأسمالية والاشتراكية، ولا هي بين العلمانية والإسلامية، بل هي بين سيادة المواطن وتمكينه، أي المواطنية، وبين مسؤولية الحاكم وتوجب الولاء له، أي الأبوية. جوهر الصراع هو حول لمن هي السيادة، للمواطن الناخب والناشط، أو للقائد الحكيم ولي الأمر.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هي 'الحداثة'؟ وأين نحن منها؟

والمواطنية بنظر ناقديها، ولاسيما في الإطار العربي، مخادعة شعبوية فوضوية، طالما أن المواطن في الدول العربية كافة ليس عند مستوى القناعة بسيادته ولا عند القدرة على ممارستها. فالدعوة إلى سيادة المواطن، وإن كانت كلاما فيه حق، فإن ما يراد به هو الباطل، ذلك أن السيادة لن تكون للمواطن بل للجماعة أو الفئة القادرة على إيهامه أن صالحها، أو قولها، أو هويتها، مطابقة لما لديه. فالمواطن، من وجهة نظر الطروحات الأبوية فرد قاصر يجنح إلى التصرف بما يضر بمصلحته حين يتمكن منه من يجد الصيغة الملائمة لتضليله. هكذا كان حال دول "الربيع العربي"، وهذا هو منهج "الإخوان المسلمين"، تسويق كاذب لاستنهاض لن يحصل، بل كل ما ينتج عنه استيلاء طرف مشبوه على السلطة وإعاثة الفساد في دول كانت على قدر من الاستقرار.

أما الأبوية بنظر المعترضين عليها، فما هي إلا الاستبداد بعينه، ورفضها للحركات المواطنية، بل عملها على تشويه أفكارها وإفشال مساعيها، ليس إلا للتهديد الذي تشكله هذه الحركات لقدرات المستبدين على السطو دون رقيب على مقدرات الأوطان وثرواتها. وهذا هو حال الدول العربية من المحيط إلى الخليج.

قطر، والإمارات، والسعودية، جميعها ذات نظم أبوية. ويشهد لكل من قطر والإمارات أنها حققت شموخا اقتصاديا في جيل واحد يوازي ما استغرق تحقيقه أجيالا في دول أخرى. والسعودية، رغم الأعباء السكانية الهامة بالمقارنة مع جارتيها ليست بعيدة عن إنجازهما. وهذا النجاح قد برز رغم الاستفادة المالية الفائقة لأعداد غفيرة من المقربين من الحكم في كل من هذه البلدان، ورغم البذخ الذي سار به العديد من أفراد الأسر المالكة. ثمة نظم أبوية أخرى في المجال العربي كان محكوما عليها الفشل ماديا أو معنويا، أما قطر والإمارات والسعودية، فهي دول أبوية ناجحة بالمعايير الموضوعية، بل كذلك حال الكويت والبحرين وعمان، أي أن دول مجلس التعاون الخليجي كافة تشترك بالنظام السياسي، وبالنجاح.

غير أن انقلاب الأمير حمد آل ثاني على والده وتوليه الحكم عام 1995 أدخل مفارقة لا سابقة لها على معادلة النجاح الخليجية، جعلت من إحدى الأبويات المستقرة مقرا للطروحات المواطنية.

لا يمكن بالطبع تبين نوايا الأمير حمد أو القطع بقناعاته، إلا أن النهج الذي اختار السير عليه، بالإضافة إلى الارتقاء باقتصاد بلاده إلى القرن الواحد والعشرين، كان ملء الفراغ الذي خلفه افتقاد المحيط العربي لمنبر جامع، فكانت تجربة قناة "الجزيرة".

طبعا، يكثر الذين يستشفون في هذه القناة مؤامرة ما، فالهدف منها تمييع الصمود العربي إزاء إسرائيل، أو ربما إلهاء المواطن العربي بالهم الفلسطيني، أو إشاعة فكر الإخوان في الثقافة العربية، أو حتى الترويج للقاعدة، أو لإيران. الجزيرة قد لا تكون بريئة من جميع هذه التهم على تناقضها، فهي لا تتحدث بلسان واحد. أما الأقرب إلى الواقع، فإن الجزيرة كانت المرآة للواقع الثقافي العربي، برقيه وسفاهته، بعمقه وضحالته. فالجزيرة نتاج الثقافة العربية وصانعتها في آن واحد. هي أعطت قطر نفوذا إعلاميا بعد الغياب المتوالي لمصر ولبنان عن الغلبة الإعلامية. وبما أن الطروحات المواطنية، سواء كانت قومية أو إسلامية أو يسارية، كانت هي السائدة في الخطاب السياسي العربي، فإن الجزيرة أصبحت مختبرا لهذه الطروحات، وقطر، بأميرها وأسرتها الحاكمة، أصبحت منبرا مرحبا بها.

ثمة حدود لهذا الترحيب طبعا. فالرأي والرأي الآخر يقف عند حدود قطر. حتى أن السجن كان مصير شاعر تلفظ بأبيات هجاء. في الأمر تناقض بالتأكيد، إلا أن مقولة أن الأمير حمد كان يسعى للاستفادة الجافة من أصحاب هذه الطروحات، والتي تتراوح من الإخوان المسلمين إلى اليسار العلماني، فلا تستقيم، لا من حيث كامل محاولات الأمير للتهيئة لملكية دستورية، وإن بخطوات ناقصة، أو من حيث المخاطر التي استجلبها لنفسه ولبلاده. نعم، يبدو أن العلاقة خرجت عن السيطرة في أكثر من موقع، وتحول الاحتضان إلى اضطرار أحيانا، ثم أن تحركات الإسلاميين، الإخوانيين منهم والسلفيين بل والجهادين، لم تكن دوما مكشوفة ومطوقة. ولكن انفتاح قطر لم يقتصر على هؤلاء، بل اعتمد على منطق الموازنة بين الأضداد، بما في ذلك الجمع بين الولايات المتحدة، والتي تربطها بقطر أوطد العلاقات، وإيران التي بقيت قطر على تواصل معها.

الرأي والرأي الآخر يقف عند حدود قطر حتى أن السجن كان مصير شاعر تلفظ بأبيات هجاء

​​نعم، قطر خرجت عن الإجماع الخليجي، ليس بنظام الحكم فيها، بل بإتاحتها المجال للطروحات المواطنية، بما في ذلك تلك التي تحاور الأوضاع في دول الخليج (ما عداها هي). والنظام الأبوي تراتبي، ليس فقط داخليا، بل كذلك في العلاقات بين الدول. ومنطق الأبوية الخليجية، السعودية تحديدا، هو أنه من هي قطر هذه الدويلة التي لا يزيد تعداد سكانها عن بضع مئات الآلاف لتتجرأ أن تتطاول على القوة العظمى في الخليج. المسعى السعودي والإماراتي، من حيث المبدأ، دون السياسة والمصالح الذاتية والاعتبارات الشخصية، هو لإعادة قطر إلى البيت الخليجي، لتنتظم أبويتها مع خطابها، ومواقفها مع مصالحها.

اقرأ للكاتب أيضا: حول 'محاكم التفتيش الأزهرية' ومسألة المرجعية

ولكن السؤال هنا، هل بوسع قطر، بعد تحولات داخلية على مدى قرابة ربع القرن، من التخلي عن جلدها، وإن الجديد؟ الأمير حمد قد تنازل لابنه الأمير تميم، وفي هذا التنازل قدر من الإقرار بالتخلي عن مسعاه التقدمي، عند إحسان الظن، للسير بقطر نحو مواطنية مستقبلية على أساس من الملكية الدستورية. ولكن قطر الجديدة هي وليدة هذا التداخل بين المرتبطين بالطروحات المواطنية، ولا سيما الإسلامية منها، (والعديد من هذه يحمل في طياته نقيض المواطنية ويؤسس لأبويات رديفة)، وبين الأسرة الحاكمة والأوساط المؤثرة، الاقتصادية والثقافية والدينية.

بغض النظر عن صوابية دعوة قطر إلى التخلي عن خطابها غير المنسجم مع واقعها، ما لا شك فيه أن "الحرب الصاعقة" التي كان من المفترض أن تنهي خروج قطر لم تحقق مرامها. هي أطاحت دون شك بمجلس التعاون الخليجي، وقدمت للولايات المتحدة، مع الشكر الجزيل، مئات المليارات من الدولارات، في تنافس على الاستثمار وشراء الأسلحة من باب كسب الود يكاد أن يحقق مطلب الرئيس دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية حين قال إن هذه دول ليس لديها إلا المال وإنه آن أوان أن تشاطر الولايات المتحدة بأموالها.

ولكن دعوة العودة إلى البيت الخليجي اليوم مهيأة للنجاح موضوعيا، سواء من حيث التخلي الضمني لقطر منذ تنازل الأمير حمد عن المسعى التقدمي، أو من حيث الحاجة إلى الانسجام مع الأبوية العليا للولايات المتحدة (مع المفارقة بأن تكون أعظم تجربة مواطنية في التاريخ تترنح هي أيضا باتجاه الأبوية)، والتي من شأنها أن تحقق التخفيض وصولا إلى فك الارتباط بين الحكم في قطر وما ورثه من مؤسسات تستفز الجوار. ولكن هذه العودة الهادئة تتطلب ابتداء كذلك هدوءا في الرياض وأبوظبي يعمل باتجاه المصالحة المنتجة ويحوي من الاطمئنان إلى المكانة الذاتية ما يعفيه من الحاجة إلى الانتصارات الإسمية. لا يبدو أن هذا هو المنطق الغالب اليوم. فالأزمة مستمرة، بانتظار استكمال الدوحة عودتها إلى أبوية لا تعكرها مزاعم المواطنية.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.