كوشنير متحدثا خلال افتتاح السفارة الأميركية في القدس
كوشنير متحدثا خلال افتتاح السفارة الأميركية في القدس

بقلم داود كتّاب/

بدأ المسؤولان الأميركيان، جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره، وجيسون غرينبلات كبير مستشاري ترامب لشؤون السلام في الشرق، الأوسط الأسبوع الحالي جولة بهدف إجراء التعديلات الأخيرة لما سمي بصفقة القرن. ورغم أن ترجمة ultimate deal ليست حرفيا "صفقة القرن" إلا أن العبارة أصبحت متداولة إعلاميا.

تدور شكوك كبيرة حول قدرة إدارة ترامب على إقناع الأطراف الأساسية بصفقته، إلا إن ذلك لم يمنع العاملين في المشروع من صياغة مشروع أميركي يهدف إلى إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط. ورغم الدرجة العالية من السرية التي أحيط بها مضمون الصفقة إلا أن بعض معالمها بدا واضحا خاصة في ما يتعلق بالأمور الإقليمية، وعلى رأسها أن المشروع الأميركي سيكون موجها ضد إيران في محاولة لتحديد نفوذها وتأثيرها على المنطقة وقد يكون الهجوم الجوي الغامض الذي قيل إنه إسرائيلي في مناطق شرق سورية إنذار بمحاولة إسرائيلية لترسيم الحدود المقبولة ضمن التوجه الأميركي العام للمنطقة.

إن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي شديد الحساسية ويتطلب حكمة وتوازن في أي محاولة لحله

​​وفي خصوص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يبدو الأمر أكثر تعقيدا بسبب غياب عنصرين مهمين يجب توفرهما في حال رغبت واشنطن بنجاح صفقتها.

العنصر الأساسي الضروري لإنجاح "صفقة القرن" هو وجود أطراف دولية مشاركة في هذه الصفقة. فلا يعقل أن تنفرد الولايات المتحدة في صفقة العصر بدون أي شريك دولي، مثلا أوروبي أو روسي أو غير ذلك. ففي غياب المشاركة الدولية سيكون من الصعب إقناع الطرف العربي المشاركة فيها. فأهم الدول العربية ذات العلاقة مثل الأردن ومصر والسعودية تعارض، على سبيل المثال لا الحصر، موضوع سحب القدس من طاولة المفاوضات كما جاء على لسان الرئيس الأميركي بعد إعلانه المثير للنقاش حول القدس كعاصمة لإسرائيل دون تحديد علاقة الفلسطينيين بالقدس.

اقرأ للكاتب أيضا: نحو إلغاء البشرية لعقوبة الإعدام

المشاركة الدولية والعربية في أي صفقة سلام ستكون ضرورية للعديد من الأسباب؛ منها إقناع الفلسطينيين المشاركة ومنها توفير الغطاء السياسي والمالي لأي اتفاق سينتج عنه هذه الصفقة. فأوروبا مثلا تقدم مساعدات سخية للسلطة الفلسطينية ومن المؤكد أن ذلك سيكون ضروريا في أي مرحلة قادمة. كما أن الجانب المالي ضروري في كل ما يخص دعم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

أما الأمر الأكثر تعقيدا فهو المشاركة الفلسطينية. فمنذ إعلان الرئيس الأميركي في السادس من كانون الأول/ديسمبر الماضي، قررت القيادة الفلسطينية مقاطعة المسؤولين الأميركيين كافة. ومنذ ذلك الوقت هناك محاولة فلسطينية لإقناع الجميع أن السلطة ترفض "صفقة القرن" ولا تريد إعطاء تلك الصفقة أي مصداقية فلسطينية.

ولكن إذا كانت السياسة فن الممكن فإنه من الضروري أن تعيد القيادة الفلسطينية النظر بموقفها من موضوع الاشتباك الدبلوماسي مع الجانب الأميركي. فإضافة إلى مرور نصف عام على مقاطعة المسؤولين الأميركيين فقد تم مؤخرا وبعد تدشين السفارة الأميركية في القدس الغربية استدعاء السفير الفلسطيني حسام زملط للتشاور. وقد يكون مناسبا إعادة زملط لواشنطن، ليس كإشارة لقبول صفقة القرن، بل لتوضيح أن الجانب الفلسطيني يرغب بالاشتباك الإيجابي مع الأميركيين. فالكل يعرف أن الولايات المتحدة ليست فقط البيت الأبيض فهناك الكونغرس والإعلام والشعب الأميركي والجاليات العربية وحتى اليهودية والمناصرين للشعب الفلسطيني ولا بد أن تتم الاستعانة بهم لتوضيح الموقف الفلسطيني الذي لا يعارض مشاركة أميركا في الحل شرط ألا تحتكر أميركا عملية السلام.

تجاهل متطلبات الفلسطينيين سيعني فشل أي صفقة أميركية الأمر الذي سيضر أميركا وفلسطين معا

​​إذا يمكن تلخيص متطلبات نجاح أي صفقة سلام شرطان اساسيان. مشاركة دولية فاعلة وإيجاد طريقة للعودة العلاقات الأميركية الفلسطينية إلى ما كانت عليه حيث اجتمع الرئيس محمود عباس أربع مرات مع الرئيس ترامب قبل وقوع القطيعة. وقد يكون المدخل لعودة تلك العلاقة ان تقر الولايات المتحدة بمبدأ التشاركية والتعددية في المرجعية الدولية الامر الذي سينتج عنه بالتأكيد عودة التواصل الفلسطيني الأميركي.

اقرأ للكاتب أيضا: رسالة مفتوحة لرئيس وزراء الأردن المكلف

إن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي شديد الحساسية ويتطلب حكمة وتوازنا في أي محاولة لحله بعيدا عن التشنج والاستقواء ومحاولة فرض حلول من طرف على طرف آخر. فضرورة مشاركة جميع الأطراف وخاصة الطرف الفلسطيني لا يمكن إغفاله وتجاوزه أو محاولة استبداله.

لقد أثبتت قمة الظهران أن العرب متوحدون في موقفهم من القدس ومن دعم موقف القيادة الفلسطينية في هذا المضمار رغم تأييد العرب للموقف الأميركي تجاه إيران. إن متطلبات الجانب الفلسطيني لإنجاح التحرك بقيادة أميركا ليست صعبة ولكن تجاهلها سيعني بالتأكيد فشل أي صفقة أميركية، الأمر الذي سيضر أميركا وفلسطين معا.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟