يجلسون على أحد أرصفة العاصمة اللبنانية
يجلسون على أحد أرصفة العاصمة اللبنانية

بقلم منى فياض/

ننتقل في لبنان من أزمة إلى أخرى ولا يغطي الفضيحة القديمة سوى أخرى جديدة.

فمن تخبط المسؤولين أمام تصريحات قاسم سليماني بإعلانه وضع اليد على مجلس النواب إلى تسرب أنباء مرسوم التجنيس الملتبس فالخلاف بين وزير الخارجية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصولا إلى أزمة إعفاء جوازات سفر الإيرانيين من الأختام لدى دخولهم لبنان. كل ذلك يؤشر إلى مدى الاهتراء الذي بلغته الدولة والممارسة السياسية في لبنان.

تم ربط مرسوم التجنيس اللقيط، والذي يبحث عن أب، بالوضع الاقتصادي. فبعض من جنسوا هم من رجال الأعمال السوريين المقربين من النظام أو من الذين تطالهم العقوبات الدولية. وجرى الحديث عن صفقة يودع بموجبها بعض من هؤلاء المتمولين الكبار مليارات الدولارات لإنقاذ لبنان من الإفلاس الوشيك، وذلك بانتظار الاستفادة من أموال مؤتمر "سيدر" الموعودة إلى حين بدء استخراج الغاز في البحر.

آخر سلسلة القرارات غير الواضحة، القرار الذي اتخذ بالسماح للإيرانيين بالدخول دون أن تختم جوازاتهم

​​تعودت السلطات الحكومية في لبنان على إيجاد حلول آنية لمواجهة مشاكلها المزمنة، وهي حلول تزيد الأوضاع تعقيدا وتؤجل مواجهة المشكلة التي تكبر مع الوقت. ومن المعلوم أن من أسباب تردي الاقتصاد اللبناني انتشار الفساد والمليارات التي تهدر نتيجة لذلك. بينما نسمع من وقت لآخر عن خطط لمحاربة الفساد إلى درجة تخصيص وزارة لهذه الغاية، لكنها لم تحارب سوى طواحين الهواء.

ورغم هذه الوعود المتكررة، لم يعد من الممكن شن حملة فعالة ضد الفساد؛ فقد انغرزت ممارسات الفساد في العملية الاقتصادية برمتها واندمجت في آلياتها وصارت جزءا عضويا فيها، وبالتالي فإن أي محاولة إصلاح جذرية قد تؤدي إلى شلل يضرب حتى الأداء الحكومي التقليدي. وكما هو متوقع فإن أي حملة ضد الفساد ستكون عمليا مجرد انتقام من بعض الموظفين الصغار أو استبدال الفاسدين الكبار لا أكثر والدوافع غالبا ما تكون سياسية.

اقرأ للكاتبة أيضا: التشيع الإيراني بنكهته الفارسية السلطانية

من الملاحظ أن الاقتصاد الموازي يتضخم في لبنان بشكل غير مسبوق، ومع أنه ظاهرة غير محصورة في بلد معين بل هي مشكلة عالمية، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه يشكل أكثر من 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية، ما يعيق ويبطئ معدلات نموها الاقتصادي. يعرف صندوق النقد الدولي الاقتصاد الموازي بأنه، إضافة إلى الأنشطة الاقتصادية الرسمية، كل أشكال الدخل التي لا يعبر عنها رسميا والتي يتم تحصيلها من إنتاج السلع والخدمات المشروعة أو غير المشروعة سواء كانت من المعاملات النقدية أو المعاملات التي تتم بنظام المقايضة.

وللاقتصاد الموازي تسميات مختلفة منها الخفي أو اقتصاد الظل أو الاقتصاد السفلي وجميعها تعني شيئا واحدا وهو كافة الأنشطة الاقتصادية المولدة للدخل والتي يمارسها الأفراد أو المؤسسات دون أن تسجل بشكل رسمي ولا تعلم الحكومات عن قيمتها الفعلية وبالتالي لا تدخل في حسابات الدخل القومي، إما لتعمد إخفائها تهربا من الالتزامات القانونية والضريبية، أو لأن هذه الأنشطة تعد مخالفة للقانون.

هناك إذن نوعان من الأنشطة في اقتصاد الظل؛ تلك القانونية المولدة للدخل دون أن تسجل في حسابات الدولة، والأنشطة الاقتصادية غير القانونية والمحظورة بسبب طبيعتها وتعرف باقتصاد الجريمة. ومنها التهريب والسرقة والتجارة بالسلاح وبالمخدرات وبالبشر بما فيها الإرهاب وغسيل الأموال والفساد الإداري وغيرها من الأنشطة المحظورة. أما الآثار فتكون متشابهة تتمثل بفقدان الحصيلة الضريبية.

وينعم لبنان بهذه الأنشطة جميعها وما الوضع المتفلت في البقاع (شرق لبنان) سوى أحد أوجهها.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا تعجز الدولة عن مكافحة هذه الأنشطة مع أنها صارت تهدد وجودها بالكامل؟

ثمة اعتقاد سائد أن الاقتصاد الموازي، أي ذاك الذي لا يخضع للتنظيم من قبل الدولة، هو حتما خارج سلطتها. وهذا التصور المبني على حصر تعامل الدولة مع الظواهر الاقتصادية على أساس القانون، يهمل البراغماتية والمركنتيلية التي تميز الممارسة اليومية للسلطة في الأنظمة الاستبدادية وفي الدول التي لا تتمتع بالسيادة الحقيقية والقائمة على الرشوة والزبائنية. وليس المقصود الارتكابات الفردية المحصورة، بل اعتماد السلطة المهيمنة على هذا الاقتصاد كآليات حكم وهيمنة أساسية.

لكن القارئ قد يستغرب القول إن هذه الآليات تتحكم بالعمليات الاقتصادية في لبنان وإن النظام اللبناني البرلماني الديمقراطي يعمل بآلية الأنظمة الاستبدادية.

تحول لبنان تدريجيا إلى دولة محكومة بنوع خاص من الاستبداد. تحول النظام اللبناني من ديمقراطية برلمانية إلى نظام مسخ يتحكم به زعماء طوائف يستبدون ويتحكمون بمقادير البلد فيما يخضعون، حفظا لمحاصصتهم الغنائمية، لسلطة حزب مسلح يعمل لمصلحة بلد أجنبي. ولقد برهنت الانتخابات النيابية، في ظل قانون فصل لإعادة إنتاج الطبقة نفسها بوجوه جديدة، على عجز الناخب عن التغيير.

فما هو الاستبداد إذا لم يكن هذا؟

يوجد قطبان للمشكلة في لبنان: الأول، العوامل التي تشجع المواطن على اللجوء إلى الاقتصاد الموازي، من تدني مستوى الدخل ونقص الخدمات الأساسية واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، يجعل الناس تلجأ لزيادة الدخل بطرق أخرى وتنتشر الرشوة؛ الأمر الثاني، عدم اتخاذ الحكومة أي خطوات جدية لمحاربة الظاهرة إضافة إلى ضعف الأجهزة الرقابية وكذلك عجز الاقتصاد الرسمي عن تلبية حاجات المجتمع وعدم عدالة النظام الضريبي والصفقات المشبوهة التي تحصل على أعلى المستويات.

إن من يستمع إلى المسؤولين يتبادلون التهديد بفضح فساد غريمهم مع الوثائق والأرقام دون أي فعل ملموس للمحاسبة، يجعلنا نسأل: كيف يملك هذا المسؤول كل هذه المعلومات، ولم لا يحرك ساكنا؟

يبدو أن السلطات الموازية، على غرار الاقتصاد الموازي، تترك المعني يسرق ويفسد، ترخي له العنان، وتسجل وتوثق أفعاله. وعندما يتخطى خطا من الخطوط الحمراء التي لا تعرفها إلا تلك السلطة، ولا يتدارك نفسه بالتراجع والانبطاح، أو لا يسدد ما عليه، يخضع حينها للابتزاز والتشهير أو المعاقبة.

وعندما تجمع الأرباح وتراكم الثروات بهذا الشكل بعيدا عن القوانين، فإن تأمين الحماية يصبح الهاجس الأساسي لمن يعتاشون على هذا الاقتصاد.

نشكو الآن من تفلت الحدود والتهريب على أنواعه، من السلاح ومواد البناء والمواد الاستهلاكية.. وآخرها البنزين، فكيف يتقي تجار الحدود خطر السلطة؟ ببساطة، بالاحتماء بها.

يوجد في لبنان ما يسمى بالخط العسكري، يستخدمه من استطاع شراء حماية الضباط والأعوان المسؤولين عن المعابر والمنتشرين على طول الطريق من مهربين وتجار مقابل عمولة معلومة.

ولطالما كان التهريب بين لبنان وسورية مصدرا أساسيا من مصادر دخل النظام السوري والمافيات المتشكلة حوله. وتحولت عمليات التهريب مع الوقت إلى إحدى ركائزه وتشكلت شبكات تهريب منظمة إلى درجة أن أحد أسباب الثورة السورية عزي إلى الآثار الجانبية لإخراج الجيش السوري من لبنان وانحسار أحد مصادر الاقتصاد المهمة الذي كان يلبي حاجات فئات سورية واسعة.

نشكو الآن من تفلت الحدود والتهريب على أنواعه، من السلاح ومواد البناء والمواد الاستهلاكية

​​يوضح المؤرخ الدقيق حنا بطاطو، في كتابه "فلاحو سورية"، بعض آليات الفساد:

"في عام 1981 قام عضو في مجلس الشعب، كان مطلعا كما يبدو على خفايا التهريب السرية، باطلاع زملائه على تقسيم العمل الجاري في هذا السلك، وأشار إلى تخصيص وظائف معينة ـ كتأمين الطرق أو شراء السلع الممنوعة أو نقلها وتوزيعها ورشوة موظفي الجمارك ـ بمجموعات متخصصة ولكنها تتكل على بعضها البعض".

ويضيف بطاطو في كتابه: "أما فيما يخص أساليب المهربين وحلفائهم، فيكفي أن نذكر ـ كما بين عضو مجلس الشعب الذي استشهدنا به للتو ـ أن رئيس مفرزة جمركية كان يعيش تحت التهديد بالقتل، ولم يكن يجرؤ على الخروج من بيته لأنه صادر، من دون أن يحسب حسابا للمخاطر، شاحنتين محملتين ببضائع ممنوعة واحدة على طريق طرابلس ـ حمص والأخرى قرب مصياف، ورفض عرضا بـ 100 ألف ليرة سورية لفك إحدى الشاحنتين المحتجزتين".

اقرأ للكاتبة أيضا: بماذا ولماذا اختلفت نتائج الانتخابات العراقية عن نظيرتها اللبنانية؟

تمرست فئة واسعة في لبنان بهذه الأساليب وصارت تمارسها بشكل متصاعد. فأي إصلاح يرتجى في لبنان عندما تكون المرافق الجوية والبحرية والبرية مفتوحة على مصراعيها أمام حزب الله تحت مسمى "امتيازات المقاومة" لجهة عدم دفع الضرائب عما تستورده!

وآخر سلسلة القرارات غير الواضحة، القرار الذي اتخذ بالسماح للإيرانيين بالدخول دون أن تختم جوازاتهم، "على غرار ما نفعل مع فلسطينيي الضفة" برر سفيرنا في طهران. فإذا كان ذلك ضروريا مع الفلسطينيين لخضوعهم للاحتلال الإسرائيلي فلمراعاة أي احتلال هذا التدبير في لبنان؟

وهل سيكون هذا غطاء لعشرات آلاف المقاتلين الذين وعدنا بهم نصرالله؟

من سيسأل أو يراقب أو يحاسب؟ هل ما زلنا نذكر موظف المطار جوزف صادر الذي خطف واختفى على طريق المطار دون أن نعرف لماذا وكيف؟

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.