طفلة سورية نازحة من درعا إلى القنيطرة في الجنوب السوري
طفلة سورية نازحة من درعا إلى القنيطرة في الجنوب السوري

بقلم عريب الرنتاوي/

تستقطب جبهة الجنوب السوري الغربي جهدا دوليا مركزا بعد أن أكملت الأطراف المتصارعة حشد قواها العسكرية في الميادين والخنادق المتقابلة، استعدادا لـ"المنازلة الكبرى" المنتظرة بين عشية وضحاها.. حشد النظام السوري وحلفاؤه قوة عسكرية ضاربة، لم يسبق أن رأت جبهة الجنوب السوري، مثيلا لها... وقوى المعارضة، بمن فيها الفصائل الجهادية المحسوبة على القاعدة و"داعش"، تعلن استكمال جهوزيتها لشتى الاحتمالات، وتحشد كل ما يتوفر من موارد مادية وبشرية.

ثمة سباق محتدم، بين خياري الحل العسكري والحل الديبلوماسي للصراع على المحافظات السورية الجنوبية الثلاث: السويداء، درعا والقنيطرة، والتي باتت اليوم ميدانا واحدة لمعركة متعددة الأطراف، لا يقتصر الانخراط فيها على القوى السورية المحلية، بل يتعداها إلى جملة من اللاعبين الإقليميين والدوليين.

نجاح الخيار الدبلوماسي سيوفر على الأردن عناء استقبال مخرجات المعارك

​​في بؤرة الحل والحراك الديبلوماسيين، حول هذه المنطقة ومستقبلها، تبرز "التفاهمات" الروسية الإسرائيلية، بوصفها "حجر الزاوية" لما يمكن انتظاره من تسويات وصفقات، تجنب المنطقة ويلات حرب طاحنة.. ويمكن اختصار هذه التفاهمات، وفقا لمصدر روسي مطلع، تحدث إلى كاتب المقال، بالنقاط الرئيسة التالية:

اقرأ للكاتب أيضا: نهاية "لحظتين" لا لحظة واحدة

  1. تسمح إسرائيل بعودة قوات النظام السوري إلى خطوط "فك الاشتباك" بين سورية وإسرائيل المعمول بها منذ العام 1974.
  2. تتعهد روسيا بضمان ابتعاد القوات المحسوبة على الحرس الثوري الإيراني والمليشيات التابعة له لمسافة آمنة تزيد عن عشرين كيلومترا.
  3. تعمل الأطراف إلى إنجاز تسويات ومصالحات في هذه المنطقة، تكفل تفادي خيار تهجير المسلحين وعائلاتهم، وتوليهم مهام أمنية ـ شرطية محلية، بضمانة روسية، وتحت مظلة النظام السوري.
  4. يجري التعامل مع "داعش" و"النصرة"، بذات الطريقة التي جرى التعامل مع هذين الفصيلين الإرهابيين على جبهات أخرى: الحسم العسكري أو الانتقال إلى إدلب (النصرة) والبادية الشرقية (داعش).
  5. يجري العمل على تفعيل اتفاق التهدئة بين دمشق وتل أبيب، وتعود القوات الدولية المعروفة اختصارا باسم "الأندوف" لمزاولة عملها الذي بدأته في العام 1973.

تضاف إلى هذه التفاهمات، قضيتان أساسيتان: واحدة أردنية، وتتعلق بفتح معبر جابر/ نصيب بين الأردن وسورية، لاستئناف حركة الأفراد والبضائع والخدمات والرساميل بين البلدين، وعبر سورية بين الأردن ولبنان. والثانية أميركية، وتتعلق بمستقبل قاعدة "التنف" حيث تصر دمشق وحلفاؤها، على انتفاء الحاجة لبقاء هذه القاعدة العسكرية قرب الحدود مع الأردن والعراق، نظير قبول إيران وسورية ببقية عناصر الصفقة، وهو مطلب سوري أطلقه وليد المعلم في آخر مؤتمر صحفي له، ويلقى دعما واضحا من موسكو وطهران.

عناصر الصفقة كما يجري تداولها وتسريبها من خلال المصادر الموثوقة والمطلعة، تجد في مجملها قبولا من مختلف الأطراف، على الرغم من تباين أولوياتها واختلاف مصالحها. فمن جهة ترغب دمشق في بسط سيطرتها على المحافظات الجنوبية الثلاث، وإخراج العناصر المسلحة منها والسيطرة على خط الحدود مع الأردن.

أما إيران، فلا خيارات أخرى لديها غير مجاراة مصالح حليفتيها الأساسيتين: روسيا وسورية، سيما في ظل انشغالها بالاشتباك مع واشنطن على خلفية انسحاب الأخيرة من البرنامج النووي.

أما بالنسبة للأردن، فإن نجاح خيار دبلوماسي كهذا سيوفر عليه عناء استقبال مخرجات المعارك وشظاياها. ويتطلع الأردن لفتح حدوده مع سورية وينتظر بفارغ الصبر إمكانية عودة ربع مليون لاجئ سوري نزح من هذه المناطق.

بدورها، ستعتبر موسكو هذه التسوية انتصارا لها وتكريسا لدورها المهيمن في سورية؛ أما إسرائيل، فتقول المصادر، إنها وبعد ثمانية سنوات على اندلاع الأزمة السورية، وصلت إلى خلاصة مفادها: إن التعامل مع "الشيطان الذي تعرف"، في إشارة للأسد، خير بكثير من التعامل مع "الشياطين التي لا تعرف"، أي إيران والمليشيات المحسوبة عليها.

في حال انتصار سيناريو "الصفقة السياسية" الذي وصفته مجموعة الأزمات الدولية بالسيناريو الأفضل، فإن روسيا ستلعب دور الضامن على الأرض لكل الأطراف؛ فالأردن يريد أن يرى روسيا ممسكة بالجانب الآخر من حدوده مع سورية، بدل إيران ومليشياتها، وكذلك إسرائيل التي تطورت علاقة حكومتها بالكرملين كما لم يحدث من قبل في تاريخ العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية.

أما في حال فشل الخيار الدبلوماسي التفاوضي، أو خيار الفرصة الأخيرة كما تصفه مجموعة الأزمات الدولية، فإن الباب سيصبح مشرعا للسيناريو الأسوأ، وهو الأسوأ بالنسبة لما يزيد عن مليون مواطن سوري يعيشون في هذه المحافظات، وهو سيء بالنسبة للأردن، إذ بدل التخلص من ربع مليون لاجئ مقيم على أرضه، من المتوقع أن يحتشد على حدوده الشمالية عدد مماثل من اللاجئين الجدد الذين لا يمكن التكهن ببقائهم على الأرض السورية وليس هناك ما يحول دون اجتيازهم للحدود الدولية مع الأردن.

تشهد جبهة الجنوب السوري "تسخينا" ميدانيا ودبلوماسيا توطئة للحظة حسم السباق بين الحرب والسلام

​​هذا السيناريو الأسوأ، سيء لروسيا أيضا، التي ستنتظرها مواجهات مباشرة بين حليفها السوري وصديقها الإسرائيلي، وهو يعني تعريض الوجود العسكري والسياسي الروسي في سورية لخطر النزف والاستنزاف وقد يفضي إلى إعادة خلط الأوراق بما لا يخدم الحسابات والمصالح الروسية.

أما بالنسبة لإيران وحزب الله، فقد يفضي سيناريو كهذا، إلى إعادة ترتيب أولويات الطرفين، بصورة غير مرغوبة، فإيران لا تبدي رغبة في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل في سورية، وهي تفضل احتواء الضربات الإسرائيلية المتكررة لمواقعها وعناصرها بدل مواجهتها والرد عليها. وحزب الله، المنخرط في "لعبة الحكومة والبرلمان" في لبنان، لا يريد أن يجد نفسه مضطرا للخوض في معارك كبرى من شأنها أن ترتب انعكاسات غير مرغوبة على "دوره الجديد" في الداخل اللبناني.

اقرأ للكاتب أيضا: 'إخوان الأردن' وقرار 'النأي بالنفس' عن الشارع

الحاضر/ الغائب، في ميدان الجنوب السوري وفي الاتصالات السياسية المحيطة به، هي الولايات المتحدة التي اكتفت بالتذكير بخطوطها الحمراء والتزامات الأطراف بموجبات اتفاق "خفض التصعيد"، مع أن خفض التصعيد، هو ترتيب مؤقت وانتقالي ويبدو أنها غير مرشح للبقاء والديمومة، والأرجح أن الأطراف تقترب من مفترق حاسم خطير في الجنوب من دون أن تتضح على وجه الدقة ما الذي تريده واشنطن.

يراهن بعض المراقبين أن ما تريده الإدارة الأميركية لا يختلف عما تريده إسرائيل، أو على الأقل، لن يتعارض مع الحسابات والأولويات الإسرائيلية. وهذا يعني إمكانية قراءة التفاهمات الروسية – الإسرائيلية على أنها تفاهمات غير مباشرة بين موسكو وواشنطن، لكن هناك قراءة متشائمة، يقول أصحابها إن واشنطن لا ترغب في إغلاق هذا الملف وأنها تريد إبقاء هذا "الجرح نازفا"، أو تريد بالأحرى، الاستمرار باستنزاف دمشق وموسكو وطهران وحلفائها في هذا المنطقة وغيرها وحتى إشعار آخر.

على أية حال، يمكن القول إن جبهة الجنوب السوري، تشهد "تسخينا" ميدانيا ودبلوماسيا توطئة للحظة حسم السباق بين الحرب والسلام، والأيام القادمة ستكشف عن نهايات هذا السباق ومن سيظفر به، ولعل المسارعة في تظهير الموقف الأميركي وتوضيحه سترجح كفة هذا السيناريو أو ذاك، والأيام القليلة القادمة حبلى بالمفاجآت.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.