رئيس وزراء الأردن الدكتور عمر الرزاز
رئيس وزراء الأردن الدكتور عمر الرزاز

بقلم نضال منصور/

هل ستكون الاحتجاجات الشعبية التي شهدها الأردن خلال شهر رمضان الماضي مفصلا، ونقطة تحول لبناء "العقد الاجتماعي"، و"المشروع النهضوي" الذي يتحدث عنه رئيس الوزراء عمر الرزاز؟

الأمر الذي لا خلاف عليه في الأردن عند جميع الأطراف أن الأردن يواجه أزمة متعددة الأشكال، الوجه الأكثر قساوة للأزمة البعد الاقتصادي وتداعياته على المجتمع، وزيادة معاناة الناس، ويكاد يتفق الجميع أيضاً على أن الدولة تحتاج إلى نمط جديد في الإدارة، وإلى تجديد الدماء في السلطة، والخروج من دائرة توريث المناصب، وتقاسم الحكم استنادا إلى محددات الجغرافيا، ومنظومة الأمن وتقاليدها.

الرهانات على رئيس الحكومة الرزاز ورفع سقف التوقعات تعرضت لضربة موجعة بعد إعلان تشكيلة الحكومة، والمفاجأة الأكثر دهشة لجمهور المتابعين كانت عودة 15 وزيرا من الحكومة المستقيلة، وهي الحكومة التي وصف الملك عبدالله الثاني أكثر وزرائها بأنهم كانوا نياما، ولم ينجح رئيس الحكومة الرزاز بنزع حالة الغضب الشعبي حين أكد أن المطلوب "تغيير النهج وليس تغيير الوجوه"، ولم يقلل من حدة حالة التشاؤم حين ركز أنه التزم بتغيير الفريق الاقتصادي كله، وهو ما فعله تماما.

والحقيقة أن الرزاز ذاته لا يخفي لمحدثيه أن فريقه الوزاري ليس الأمثل، وبأنه يتفهم غضب الناس وعدم رضاهم، وقبل بشجاعة أن يعلن أنه يتحمل كامل المسؤولية عن اختيار الفريق الحكومي، مع أن المتابعين للشأن السياسي في الأردن، يعلمون أن رئيس الحكومة لا يملك وحده حرية اختيار أعضاء الحكومة مهما بلغ من القوة، ومهما أعـُطي من الثقة الملكية، وأن "الديوان الملكي، والمخابرات" يطلعان على قوائم الأسماء المقترحة من الرئيس المكلف ويضعان الملاحظات والتوصيات عليها.

عودة للسؤال الأساسي هل ستكون حكومة الرزاز برئيسها الذي يحترمه الشارع، وبطاقمها أول بواكير التغيير الجديد في الأردن، وهل ستستعيد الحكومة "الولاية العامة" وتكون قادرة على فرض اجندتها؟!

هذا السؤال تقاطع مع التغيير الذي أجراه الملك وبدأ برئيس الديوان الملكي فايز الطراونة الذي أمضى ما يزيد على 5 سنوات على رأس أهم مؤسسات الدولة الأردنية، وما يسميه الأردنيون "حكومة الظل"، وتبعه في ذات اليوم استبدال رئيس التشريفات الملكية في الديوان عامر الفايز، ودلالات التغيير تتعمق أكثر حين يسلط الضوء على البديلين يوسف العيسوي رئيسا للديوان، وقيس أبو دية رئيسا للتشريفات، وكلاهما من "رجال الظل" الذين لا يطمحون للمنافسة على دور سياسي، أو محاولة سحب البساط من تحت أقدام الحكومة الجديدة ورئيسها.

وعلى الرغم من أن الطراونة رئيس الديوان الملكي السابق رئيس وزراء سابق لمرات، فإنه لا يزاحم الحكومات، وقد استقال لظروف صحية بعد عملية "ديسك" أجراها في ألمانيا، والأهم وما يجدر التركيز عليه أن رئاسة الديوان وظيفة أصبحت "شرفية"، ذات طابع بروتكولي اجتماعي خدمي في ظل وجود مدير قوي لمكتب الملك.

فمنذ استقالة ناصر اللوزي الذي تبوأ منصب رئيس الديوان الملكي قبل سنوات، وكان يشغل موقعه بقوة، ويلعب دورا سياسيا بارزا، تعاقب على رئاسة الديوان أكثر من شخصية كان آخرها الطراونة، سلمت مقاليد بناء السياسات الخارجية والاقتصادية لمدراء مكاتب الملك، وهم على التوالي عماد فاخوري، تبعه جعفر حسان، وجاء الآن منار الدباس الذي أصبح مديرا لمكتب الملك وبذات الوقت مستشارا ومدير دائرة السياسات المحلية.

الدباس الذي خدم لسنوات طويلة في السفارة الأردنية بواشنطن، وكان قبل ذلك مديرا لمكتب رئيس الوزراء الأسبق والأكثر شهرة عبد الكريم الكباريتي، يشهد له بالذكاء والحنكة والمعرفة العميقة بالشأن الداخلي والخارجي، والقدرة على الإدارة وتوجيه دفة الأمور دون تدخل فج أو منافسة للحكومة.

خدمة العيسوي لعقود في الديوان، وتقلده منصب أمين عام الديوان الملكي ومسؤول المبادرات الملكية، ومعرفته المكثفة بأوجاع الناس واحتياجاتهم، لم تشفع له من الانتقادات على "السوشيل ميديا"، ولم تمنع التجريح به، والغمز من طرف أنه "مغمور" ولا يعرف بالسياسة، وأبن مخيم الحسين للاجئين في إشارة لأصوله الفلسطينية، وبأن هذا التوجه "يقزم" منصب رئيس الديوان الذي يحظى بمكانة خاصة.

لم تـُفهم رسالة الملك بأنها إعادة "تموضع" للديوان الملكي في المشهد السياسي المحلي، وبأنها إطلاق ليد رئيس الحكومة ليقود الدفة دون مزاحمة له من "القصر".

المشكلة والالتباس أن هذا التحول والتعديلات جاءت بعد أيام قليلة من لقاء العاهل الأردني الملك عبدالله مع رئيس الوزراء نتنياهو، وهو اللقاء الذي غاب عنه رئيس الحكومة الرزاز، وهو ما فتح الباب واسعا لانتقادات لاذعة للرئيس وتوجيه أسئلة له إن كان يعرف بزيارة نتنياهو، وإن كان صاحب قرار في السياسة الخارجية للمملكة؟!

لم يلتفت الرزاز للانتقادات، ولم توقف اندفاعته ومحاولاته لاستعادة ثقة الشارع في أول مؤتمر صحفي له، حيث أعلن نية حكومته تخفيض انفاقها 150 مليون دينار، وأعاد التأمين الصحي لمرضى السرطان الذي ألغاه رئيس الحكومة المستقيل هاني الملقي، ووعد بدراسة التقاعد المدني الذي يصرف للوزراء مدى الحياة حتى لو أمضى يوما واحدا وزيرا، وهي توجهات شعبية تلامس وجدان الناس، واقترنت بانفتاح واسع للحكومة وخاصة الوزراء الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، والحرص على ضخ وإتاحة المعلومات أولا بأول.

لغة جديدة يستخدمها رئيس الحكومة الرزاز في خطابه، فهو يقر بأن من حق المواطن أن يحصل على خدمات مقابل الضريبة التي يدفعها، وأن يعرف بوضوح كيف يجري تسعير المشتقات النفطية التي ظلت لغزا عصيا على الشارع، وهذا الموضوع كان أرضية خصبة لانتشار معلومات بأن الحكومة تحقق أرباحا فادحة من بيع وإعادة تسعير المشتقات النفطية؟

هذا الارتياح في خطاب وتعامل الحكومة، لم يمنع من حملات التشهير ببعض الوزراء، وأكثر من تعرض لنيل مغرض وشخصي وزير الاتصالات مثنى الغرايبة، وهو من الشخصيات المعارضة، ومن قيادات الحراك الشعبي عام 2011، واتهم بأنه طالب "بإسقاط النظام" لتشويه صورته، وشنت حملة تعارض "توزيره"، قادها موالون وبعض النواب مما أربك المشهد، وطرح علامات استفهام وأسئلة عمن يقود الحملة ويحاول أضعاف الحكومة الجديدة؟!

ما تعرض له الوزير الغرايبة تعرضت له وزيرة الثقافة الجديدة بسمة النسور بنبش وإظهار "فيديوهات" قديمة لها، وتنسيق شائعات مسيئة. واستكملت هذه الحملة ضد وزيرة الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الإعلامية جمانة غنيمات التي لم تسلم من التجريح والتهجم.

وسط حالة التجاذب في عمان تنطلق حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بإعطاء فرصة للحكومة ومحاسبتها على أفعالها بعد 100 يوم، والدعوة لإنشاء مراصد للرقابة الشعبية تعمل بشكل مؤسسي لمتابعة عمل الحكومة وتقييمها ومساءلتها أو إنصافها.

من حسن حظ حكومة الرزاز أنها جاءت بعد مؤتمر مكة، وزيارة وزير خارجية قطر إلى الأردن، وانتهت بزيارة المستشارة الألمانية انجيلا ميركل إلى عمان، وهو ما قدم ضمانات لدعم يخرج الاقتصاد الأردني من دائرة الخطر، ويعطي الرزاز وحكومته فرصة لالتقاط الأنفاس، حتى لبلورة تصورات اقتصادية تخفف معاناة الأردنيين.

حتى الآن لم تتضح معالم المشروع النهضوي لرئيس الحكومة الرزاز، ولم يفهم الناس في الشارع معاني العقد الاجتماعي الجديد، ولكن الرهانات أن تستعيد الحكومة دورها، وتكون قادرة على تقديم حلول اقتصادية خلاقة، بالتوازي مع عملية إصلاح سياسي، وربما يكون على رأسها قانون انتخاب جديد، وانتخابات جديدة ربما لن تطول وتحضر قبل أوانها، هذا عدا عن مخاوف الأردنيين من "صفقة القرن" وتداعياتها على الأردن!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.