نازح من الغوطة إلى ريف حماه
نازح من الغوطة إلى ريف حماه

بقلم حسين عبد الحسين/

لم تبلغ السياسة في بلاد العرب سن الرشد يوما، بل لطالما أخفى العرب نزاعاتهم الشخصية، والثارات القبلية، والعداوات، والعصبيات العشائرية خلف شعارات بدت وكأنها حزبية تنتمي إلى عصر الحداثة أو ما بعده، لكن الشعارات بقيت شعارات، فتحول "حزب الدعوة الإسلامية" في العراق إلى ثلاثة أحزاب أو أربعة، كلها تحمل الاسم نفسه، وانقسم "حزب البعث العربي الاشتراكي" إلى اثنين، واحد عراقي والآخر سوري، وتفتت القوميون العرب الفلسطينيون إلى ثلاثة "جبهات" أو أكثر، وكذلك "الكتائب اللبنانية" و"القوات اللبنانية" المنبثقة عنها، و"الحزب الوطني الكردستاني" و"حزب التغيير" المنشق عنه، والأخير حزب تغييري لم يتغير رئيسه إلا بالموت.

لم يشت المعارضون السوريون عما درج عليه العرب والكرد في ما يسمونه "سياسة"، إذ على الرغم من حملة العنف غير المسبوقة التي شنها الرئيس بشار الأسد على السوريين، وخصوصا المعارضين منهم، لم تساهم دموية الأسد في توحيد صف المعارضين السوريين، بل إن المعارضين أنفقوا وقتا يهاجمون بعضهم البعض أكثر بكثير من الوقت الذي أمضوه للعمل على التخلص من الأسد ودمويته.

في سوق الاتهامات، يندر أن يقدم أي من السوريين أفكارا بناءة لخروج سورية من محنتها، خارج الأفكار عن الدستور وتقاسم المناصب

​​أدت الانقسامات إلى قيام عدد لا يحصى من فصائل المعارضة السورية المسلحة، بعضها إسلامي، وبعضها الآخر أكثر إسلامية، بعضها فصائل الشام، وأخرى كتائب الشام، وغيرها جنود الشام، وغيرهم جيش الشام، لا يفصل بين الجيش وجنوده، ولا الفصائل وكتائبها، ولا الإسلامي والسلفي والجهادي، إلا السباق على النفوذ، وعلى السيطرة على حي هنا أو زقاق هناك، وعلى استعراض القوة على السكان، تماما كما "تمرجل" زعران الأسد وشبيحته على السوريين على مدى العقود الأربعة الماضية.

أما المعارضة السورية غير المسلحة فهي أقل ضررا على السوريين، ولكنها من نفس مدرسة الانقسامات والسباق على المصالح الشخصية.

اقرأ للكاتب أيضا: في لبنان فساد بلا فاسدين

منذ المؤتمر الأول للمعارضة السورية في مدينة أنطاليا التركية، يوم كانت التظاهرات لا تزال تخرج في مدن سورية وبلداتها، كان المعارضون يتغامزون على بعضهم البعض، يتآمرون، يتسابقون على رعاية العواصم لهم ولأزلامهم، وهي رعاية غالبا ما أنفق أموالها بعض المعارضين السوريين على شراء تذاكر طيران الدرجة الأولى، والإقامة في فنادق النجوم الخمس، والجلوس في بهو هذه الفنادق، ينفخون فيها دخان سيجارهم الفاخر ويتآمرون على بعضهم البعض.

على مدى العقود الماضية، انخرط اللبنانيون، والتحق بهم العراقيون منذ العام 2003، بما يتعارف العرب على تسميته سياسة، وهذه عبارة ـ كما أسلفنا ـ عن ثارات شخصية، وعداوات عشائرية، كلها مغلفة بشعارات عن الوطنية، لكنها شعارات مطاطة تسمح لأصحابها بتغيير ألوانهم بسرعة وخفة، فينقلب أعداء إيران إلى حلفائها وينقلب أصدقاء السعودية إلى أعدائها، في عملية مثيرة للغثيان، لا ثابت فيها إلا مصلحة السياسيين ممن نصبوا أنفسهم زعماء، في الحكومات كما في معارضاتها.

منذ المؤتمر الأول للمعارضة السورية كان المعارضون يتغامزون على بعضهم البعض

​​لكن السوريين، منذ اندلاع ثورتهم في العام 2011، قدموا أداء غير مسبوق في الانقسامات والمناكفات كادت تجعل الأسد ودمويته تبدوان وكأنهما خيار لا مفر منه.

يهاجم المعارضون السوريون بعضهم البعض في كل تصريح وحول كل موضوع. يسارعون لنبش الماضي، واتهام فلان أنه كان "يعمل لدى بثينة" شعبان، من بلاط الأسد، أو في "العمل في جمعيات أسماء" الأسد، زوجة بشار. ويتهم الإسلاميون العلمانيين بالإلحاد والإعجاب بالغرب، ويسخر العلمانيون من الإسلاميين وفتاوى بعض رجال الدين المضحكة. ويكره الطرفان الكرد، ويكره الكرد الطرفين.

اقرأ للكاتب أيضا: عن القدس ويومها

في سوق الاتهامات والشتائم، يندر أن يقدم أي من السوريين أفكارا بناءة لخروج سورية من محنتها، خارج الأفكار عن الدستور وتقاسم المناصب. ما تحتاجه سورية ولا يقدمه المعارضون هي أفكار من قبيل كيف يمكن لبلاد شحت مياهها وانعدمت مواردها الأولية وسوى مدنها الأسد وحلفاؤه بالأرض، وقضت عقود من عبثية العروبة على رأسمالها البشري وعلى العلم فيها واللغات الأجنبية بين صفوف مواطنيها، كيف يمكن لهذه البلاد أن تعود إلى حياة لتعيل 17 مليونا من السوريين؟

بدلا من أن يقدم السوريون أفكارا حول انتقال بلادهم من حكم الأشخاص، الأسد أو معارضيه، إلى حكم المؤسسات المرهونة بالسياسات (لا بالسياسيين)، ينهمكون في حملات قاسية وطويلة ومملة، يشتم فيها مشعل أيادا ويشتم فيصل غسانا، وهكذا دواليك، في دوامة مثيرة للاشمئزاز، لا ينفرد بها السوريون بين العرب، وإنما يتصدرونها اليوم، مثلهم كمثل من قال عنهم السيد المسيح ممن "يرى القذى في عين أخيه ولا يرى الخشبة في عينه".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟