الكاتب خالد منتصر (من صفحته على موقع فيسبوك)
الكاتب خالد منتصر (من صفحته على موقع فيسبوك)

بقلم د. توفيق حميد/

تعرض الكاتب الصحفي والمفكر المستنير خالد منتصر مؤخرا لحملة من أصحاب الفكر الظلامي المتطرف الذين يظنون أنهم وحدهم من يملكون حق فهم الدين وملكيته.

ولم يقف الأمر عند الهجوم على خالد منتصر بأبشع الشتائم والسباب بأقذر الألفاظ وحسب، بل تطور الأمر في الأيام الأخيرة لرفع قضية ازدراء أديان عليه، ليلحق بغيره من المفكرين المستنيرين في هذا الأمر.

فقد تقدم المحامي أيمن محفوظ ببلاغ للنائب العام ضد منتصر، لأنه اعترض على تصرف أحد حراس مرمى منتخب مصر في كأس العالم (أحمد الشناوي)، حين رفض الأخير استلام جائزة أفضل لاعب في المباراة لأنها عبارة عن "زجاجة خمر".

وأسباب الدعوى القضائية هي أن خالد منتصر ـ من وجهة نظر المحامي قد تهكم على رفض الشناوي خمر الدنيا رغم انتظاره أنهارا من خمر الآخرة، ووصف تصرفه بأنه يضر بالسياحة، وأضاف اتهاما آخر بأن خالد منتصر سخر من العلاجات النبوية (أو ما يسميه السلفيون بالطب النبوي).

كان بمقدور الشناوي أن يأخذ الهدية ولا يستخدمها، لأنها ذات معنى رمزي وليس مادي

​​ووصف المحامي المذكور المفكر خالد منتصر بأنه قد أنكر ما هو ثابت من الدين والمؤكد حرمته (أي معلوم من الدين بالضرورة).

ولم يكتف رافع الدعوى ومقدم البلاغ بذلك، بل اعتبر أن هذا يأتي من التحالف الشيطاني لهدم وتشويه الإسلام، ووصف الإسلام بأنه دين غير صالح لمجاراة الحضارة، ويكون بذلك المشكو في حقه أي خالد منتصر قد "ارتكب جريمة ازدراء الدين المعاقب عليها بنصوص المواد 98 و171 و161 من قانون العقوبات المصري"، وطالب المحامي بإحالة الشكوى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لاتخاذ اللازم نحو المشكو في حقه، بفرض العقوبات الملائمة مع إلزام قناة دريم باعتذار عما بدر من خالد منتصر.

اقرأ للكاتب أيضا: هل انهزم 'الإسلام' في المونديال؟

والعجيب في هذا الأمر أن من يدرّسون فتاوى إرضاع الكبير، ونكاح البهائم، والاستمناء بيد الصغيرات في رمضان، لا يحاكمون بهذا القانون، بل يسمح لهم بنشر فكرهم البشع والذي هو في حقيقة الأمر يتسبب في أكبر ازدراء للإسلام في تاريخه.

والأكثر عجبا من ذلك أن نفس هؤلاء من أصحاب الفكر السلفي، والذين يهاجمون المفكر المسالم خالد منتصر، يدرّسون في مناهجهم الدينية مثل الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية أحكام قتل المرتد، ورجم الزاني، وسبي النساء في الحروب، وضرب المرأة، وقتال غير المسلمين حتى يخضعوا للإسلام أو يدفعوا لهم "جزية"، وينتظرون في نفس الوقت أن يكف العالم عن كراهية الإسلام بل وأن يصفه بأنه "دين السلام".

وأقول لهؤلاء الواهمين أن حلمهم هذا لن يحدث أبدا، طالما أنهم يدرسون هذا العنف باسم الدين، وعليهم أن يعلموا الحقيقة بأن ما يدرسونه ـ وليس ما يقوله خالد منتصر ـ هو السبب الحقيقي في ازدراء الكثير من الناس للإسلام ولتعاليمه، وفي تزايد الكراهية ضد المسلمين في العالم (وهي التي يشكون منها!).

وإضافة إلى هذا فإن الهجوم بأبشع الألفاظ، ومحاولة سجن المفكر خالد منتصر، هو في الواقع أكبر دليل على انتصاره. فلغة العنف والسباب والتهديد لا يستخدمها في صراع الفكر سوى المهزومون فكريا، والعاجزون عن الإتيان بحجة قوية أقوى من حجة مناظريهم، ويذكرني ذلك دائما بلاعب الكرة العاجز عن مجاراة موهبة اللاعب المقابل فيستخدم العنف معه لإخراجه من الملعب.

ويذهب عقلي الآن إلى القصص القرآنية، وهو الذي تم وصفه في القرآن الكريم بأنه عبرة لأولي الألباب: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ" (سورة يوسف آية 111)؛ لأتذكر كيف أن أصحاب الحق من الرسل لم يستخدموا أبدا لغة العنف في دعوتهم، بل على النقيض من ذلك تماما فإن أهل الباطل في كل العصور هم من يلجؤون للسباب والعنف والتخويف لمنع فكر الرسل من الانتشار.

وإليكم بعض الأمثلة من القرآن والتي تؤكد هذا المعنى:

فقال مشركو مكة لمحمد عليه السلام:

"وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ" سورة الحجر آية 6.

وعن الفرعون وموسى عليه السلام:

"وقال فرعون ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" سورة غافر آية 26.

وقال قوم شعيب له:

 "قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ " سورة هود آية 91.

وقال أبو إبراهيم له "يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا" سورية مريم آية 46.

وبذلك ينضم أصحاب الفكر المتطرف في عصرنا الحالي، والذين يريدون استخدام العنف ولغة السباب لمنع المفكرين من إبداء آرائهم، إلى جماعة أهل الباطل المنهزمة، والتي تلجأ للعنف لعجز أتباعها عن إيجاد حجة قوية ضد أفكار من يخالفهم في الفكر.

ومن الجدير بالذكر هنا أن القرآن يدعم موقف خالد منتصر، وليس موقف حارس المرمى المسمى الشناوي.

فصريح القرآن أمر باتباع العرف "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ" سورة الأعراف آية 199. والعرف في كأس العالم هو قبول اللاعب لجائزة أحسن لاعب في المباراة حتى وإن لم يستخدمها الشخص الحاصل عليها.

وكان بمقدور الشناوي أن يأخذ الهدية ولا يستخدمها، لأنها ذات معنى رمزي وليس مادي، فمن المتوقع الحفاظ عليها كتذكار وليس استخدامها أو شربها.

إن الهجوم بأبشع الألفاظ، ومحاولة سجن المفكر خالد منتصر، هو في الواقع أكبر دليل على انتصاره

​​وقد يلجأ البعض لاستخدام حديث لعن من يحمل الخمر "لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ"، ولكن ماذا يفعل حديث رواه أناس بعد موت الرسول بمئات الأعوام وليس لديهم أي تفويض إلهي بذلك أمام آية صريحة في القرآن مثل "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ"! خاصة أن الحديث المذكور لم يرد لا في البخاري ولا في صحيح مسلم وهي أهم كتب الحديث عند السلفيين.

ومن المضحك المبكي هنا أننا قد نرى أحد المتطرفين الآن يطالب بإقامة حد رفض اتباع العرف (وفي هذه الحالة قبول الهدية!) على حارس المرمى الشناوي لأنها مخالفة منه واضحة لصريح القرآن باتباع العرف.

اقرأ للكاتب أيضا: هل فرض الصيام على الذين "يطيقونه" أم الذين "لا يطيقونه"؟

وأكاد أسمع الآن صوت البعض يعلو بأنه لا يوجد حد لعدم اتباع العرف وأن ذلك ضرب من الجنون.

وإجابتي لهم: ولما لا!

فإن كانت المطالبة بإقامة حد "رفض اتباع العرف" على الشناوي ضرب من الجنون، أليس المطالبة بإقامة حدود مبتدعة لا وجود لها في القرآن مثل "عقوبة المفطرين في رمضان" وحد "شارب الخمر" وحد "ازدراء الأديان" هي أيضا ضرب من الجنون؟!

ولكم كنت أتمنى رؤية السلفيين يدعمون مبدأ حرية الفكر والعقيدة التي أمر بها القرآن "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" و"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" بدلا من أن يتشبهوا بأهل الباطل في كل العصور ويقهرون فكر من يخالفهم!

فمبروك للرائع خالد منتصر انتصاره على السلفيين وإجبارهم على اللجوء إلى منع فكره بهذا الأسلوب الرخيص والذي أكد انتصاره عليهم فكريا!

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.