يرتدي قناعا يمثل وجه تشارلي تشابلن
يرتدي قناعا يمثل وجه تشارلي تشابلن

بقلم كوليت بهنا/

عرضت في السنوات الأخيرة عديد من الأعمال الدرامية والكوميدية القائمة على مبدأ الثنائيات التي تعتمد في بنيتها الدرامية على تجاذب بطلين رئيسيين بشكل مستمر. يتحاور البطلان أحيانا في قضايا تتعلق بالشأن العام واهتمامات الجمهور، أو يقومان بأداء درامي يخدم مفارقات الثنائية، بحيث تبرز حواراتهما، الجادة أحيانا أو الكوميدية في أحيانا أخرى، التناقض في الأفكار أو التضاد أو المفارقة الواضحة في الشخصية والآراء والمواقف.

كذلك، تعتمد الأعمال القائمة على مبدأ الثنائيات في كثير من الأحيان على المفارقة الجسدية الواضحة بحيث يكون أحدهما بدينا والآخر نحيلا، أو طويلا والثاني قصيرا، وغيرها من المفارقات، لتحقق هذه الثنائيات غرضها في استقطاب المشاهد والاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، اللذين ينجحان معا في النهاية في جذب الجمهور الذي استساغ هذه النمط الدرامي غير الحديث زمنيا.

ترك "حسني البورظان وغوار الطوشة" إرثا ثمينا من الأعمال الإذاعية والكوميدية التلفزيونية والسينمائية والمسرحية

​​بدايات ظهور هذا النمط كانت في تركيا قبل مئات الأعوام عبر شخصيتي "كراكوز وعيواظ" اللتين اعتمدتا مسرح خيال الظل والمفارقة الجسدية والفكرية بآن واحد. وفي العصر الحديث، ظهرت الشخصيتان الأميركيتان الشهيرتان "لوريل وهاردي" قبل ما يقارب مئة عام.

وامتدت هذه الثنائيات لاحقا إلى عالم الكرتون مع شخصيتي "توم وجيري" الأكثر عالمية وقبولا لدى الكبار والأطفال معا، وشخصيتي "أنيس وبدر" في عالم "افتح يا سمسم"، وكذلك شخصيتي "زينغو ورينغو"، وهو مسلسل تشيكي بدأ عرضه قبل أربعين عاما تقريبا ولقي تعرييه وعرضه في العالم العربي قبولا واسعا لطرافة هاتين الشخصيتين وظرافتهما.

اقرأ للكاتب أيضا: جاذبية 'دراما البيئة'

عربيا، برزت ثنائيات درامية اعتمدت على شخصيات حقيقية في الواقع مثل شخصيتي "ريّا وسكينة" المصريتين الشهيرتين، كذلك شخصيتي "بكيزة وزغلول" المصريتين أيضا.

لكن الأبرز عربيا، والأكثر شهرة وديمومة، هما النجمان السوريان نهاد قلعي ودريد لحام بشخصيتيهما المعروفتين "حسني البورظان وغوار الطوشة". ويعد الأخيران رائدي الدراما والكوميديا السورية، ويعود إليهما الفضل في نشر الدراما السورية في العالم العربي قبل انتشارها بواسطة الفضائيات.

وترك "حسني البورظان وغوار الطوشة" إرثا ثمينا من الأعمال الإذاعية والكوميدية التلفزيونية والسينمائية والمسرحية التي لا تزال تعرض على بعض المحطات، مثل مسلسل "مقالب غوار، حمام الهنا وصح النوم"، وأفلام "خياط للسيدات، مسك وعنبر، غرام في إسطنبول، مقلب في المكسيك وغيرها". بالإضافة إلى أعمالهما المسرحية الشهيرة عربيا مثل "مسرح الشوك، غربة، وضيعة تشرين، شقائق النعمان وغيرها"، كما يضاف إلى قيمتهما الفنية جهدهما المشترك في تسليط الضوء على جماليات الحارة الشعبية كبطل رئيسي لاعب في محور أعمالهما منذ ستينيات القرن الماضي والمنتمية إلى دراما البيئة الشامية.

عربيا، برزت ثنائيات اعتمدت على شخصيات حقيقية مثل شخصيتي "ريّا وسكينة"

​​كثيرة هي الثنائيات في الحياة؛ منذ بداية الوجود تشاركنا ثنائية رجل وامرأة كجنسين مختلفين يتكاملان بالحب والود أحيانا، أو يتصارعان ليحقق كل منهما مكاسبه لكنهما في النهاية يشكلان معا قطبي الحياة بحيويتها. توازنهما يعني استمرار البشرية التي تعتمد بنيويا على توازن قطبيها الشمالي والجنوبي وثنائية قطبي الطاقة السالب والموجب.

اقرأ للكاتبة أيضا: المونديال.. تماهي السياسي بالرياضي

وكأني بهذه الثنائيات تشكل ميزان الحياة الأرضية. ميزان يتجسد بأشكال مختلفة ويميل مرة إلى هذه الكفة وتارة إلى تلك؛ مثل ثنائية الخير والشر وصراعهما الأزلي، أو تحقق هذه الثنائية الإثارة والمتعة كما في الصراع السلمي لفريقي ألعاب الرياضة، أو تحقق هذه الثنائية الراحة النفسية للجميع كما في ثنائيات الغناء البديعة المعروفة بـ"دويتو"، أو تتغلغل إلى عالم الشعر البديع كما في اعتماد القصيدة العمودية على توازن شطريها، كما يمكن أن تتجلى كفكر وجودي كما جاء في كتاب "المثنوي" لمولانا جلال الدين الرومي، وتعني النظم المزدوج الذي يتحد به شطرا البيت الواحد ويكون لكل بيت قافيته الخاصة، وهي أشعار صوفية متممة لفكر الرومي الفلسفي كتبها صاحب الطريقة المولوية المعروفة بالدوران والتي تعتمد على توازن ثنائية حركة الرأس الذي يتطلع إلى سمو السماء مع حركة القدمين الراسختين على هذه الأرض الفانية.

في عالم السياسة تتوضح الثنائيات باستقطاباتها الحادة بين الحكومات وأحزابها المعارضة وصراعهما الديمقراطي الدائم على السلطة. وتبقى الثنائية الأكثر استقطابا في القرن العشرين وحتى اليوم بين قطبي السياسة التقليديين، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا (الاتحاد السوفييتي سابقا) وما دفعته البشرية من أثمان ليبقى توازن القوى بينهما في حده السلمي الأدنى والقابل للاهتزاز وتبعاته في أية لحظة مصيرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.