مشجعان مصريان خلال مباراة مصر والسعودية في الجولة الأخيرة من الدور الأول من كأس العالم
مشجعان مصريان خلال مباراة مصر والسعودية في الجولة الأخيرة من الدور الأول من كأس العالم

بقلم نيرڤانا محمود/

لا يمكن لمن يترعرع في مصر ألا يحب كرة القدم. إن ابتسامات الأطفال وهم يلعبون واستمتاعهم وشغفهم وضجيج هتافاتهم بعد الفوز، كانت جزءا من ذكريات طفولتي. لكن مشاهد كهذه لم تكن دائما مبعث تفاؤل وبهجة. فأنا أتذكر أيضا المشاحنات الفظيعة والصراخ والعراك بعد الهزيمة.لطالما عكست كرة القدم في مصر المجتمع بكل سلبياته وإيجابياته.

 لقد تأرجحت مصر خلال مشاركة البلاد في كأس العالم، بشكل كبير بين الفرح الغامر والغضب العارم والاكتئاب.

بالتأكيد لكل مجتمع عيوبه، لكن في مصر، عيوبنا خطيره ومدمرة تقودنا إلى الهزيمة حتى عندما نكون بأمس الحاجة إلى الفوز. "نكسة" كرة القدم المصرية في كأس العالم قاسية ومؤلمة، لكنها يجب أن تكون فرصة للتفكير والتعلم.

يمكن لمصر أن تحقق نتائج أفضل في كره القدم، لكن علينا أولا أن نتعلم كيفية العمل كفريق

​​يقول المثل المصري الشائع: "قيراط حظ ولا فدان شطارة". هذا المثل الهدام ساهم في إيجاد عقل جمعي في مصر يدفعنا بشكل منهجي إلى الاعتماد على (أو لوم) الحظ في نجاحنا (أو فشلنا). قد يساعدك الحظ مرة، لكن العمل الشاق هو ما يؤدي إلى النجاح، والأهم من ذلك، يحافظ عليه.

لنعد إلى مباراة التأهيل في تشرين الأول/أكتوبر. فبإمكان أي شخص يملك معرفة أولية بكرة القدم أن يدرك أن مصر لم تلعب بشكل جيد في تلك المباراة. فبدون ركلة الجزاء في الدقيقة الأخيرة والهدف الجميل لمحمد صلاح، فربما كانت فرص مصر للتأهل قد تتغير تماما.

اقرأ للكاتبة أيضا: الاتفاق النووي الإيراني وتمكين الإسلاموية

استغرب كيف يمكن لأي منا أن يعتقد أن أداء مصر المهتز ضد الكونغو كان يمكن أن يكون قد تحسن بشكل كبير في غضون بضعة أشهر لدرجة التغلب على فرق أقوى مثل روسيا وأوروغواي.

فبدلا من الإقرار بالمستوى المتواضع لفريقنا، أخذتنا نحن المصريين، الفرحة وافترضنا خطأ أن الحظ القليل الذي لدينا سيكون كافيا لمواصلة تحقيق النصر، طالما أن لدينا الموهوب محمد صلاح.

 مصر وقصة ضربتي جزاء

بعد هزيمتنا الساحقة في روسيا، تذكر كثيرون بحنين أداء مصر في كأس العالم عام 1990، كما لو أن الفريق المصري آنذاك كان أفضل بكثير. مثل هذا الحنين هو في غير محله. 

في عام 2018، كان محمد صلاح نجما عالميا قبل أن يسجل ركلة جزائنا الحاسمة في المباراة مع الكونغو، مما أدى إلى خلق توقعات عالية في غير محلها، وربما حالة من الرضى عن النفس غير مبررة.

أما في 1990 لم يكن سقف توقعاتنا عاليا، وكنا علي علم تام بمستوي فريقنا مما ساهم في أداء أكثر هدوءا من فريقنا، ثم سجل مجدي عبد الغني هدف مصر الوحيد في المباراة الأولى من المسابقة الدولية مما أعطانا الانطباع أن أداء الفريق كان جيدا.

فريق اللاعب الواحد

إن التركيز على هدف صلاح الذي أهلنا لكأس العالم، والذي تزامن مع أدائه الرائع في الدوري الإنكليزي الممتاز، ضخم لدينا الثقة بالنفس على نحو غير منطقي، والأخطر أنه رسخ فينا عقلية الاعتماد على صلاح.فقد أصبح اللاعبون الآخرون في الفريق يعتمدون على حضور صلاح وأدائه. هذا الاعتماد الكلي علي محمد صلاح كان خطأ مصر القاتل.

الاعتماد الكلي علي أداء محمد صلاح كان خطأ مصر القاتل

​​نعم توجد فرق أخرى تعتمد علي نجم واحد كرونالدو، ميسي ونيمار، ولكن الفجوة بين هؤلاء النجوم واللاعبين الآخرين في فرقهم لا تكون عادة كبيرة كما هو الحال في الفريق المصري. ربما دمرت هذه الفجوة الواسعة ثقة اللاعبين الآخرين بأنفسهم، الأمر الذي جعلهم يعتمدون بشكل كامل على صلاح. اهتز هذا الاعتماد الخطير على صلاح بعد إصابته في دوري الأبطال، وعلى الرغم من تعافيه، فشل اللاعبون الآخرون في استعادة الثقة بالنفس.

التحضير الذهني

لفت نظري كيف بدا لاعبو السنغال ونيجيريا مسترخين ومرتاحين وسعداء، في حين أن لاعبينا المصريين كانوا متوترين ومتصلبين وتقريبا تعساء. لم يكن الفريق المصري جاهزا ذهنيا. من اليوم الأول للبطولة بدا على لاعبينا التوتر، ربما لانشغالهم بالشكوك حول جهوزية صلاح للعب بعد إصابته. إن أكثر ما يدمر اللاعب هو عدم الثقة بقدراته.

اقرأ للكاتبة أيضا: أزمة قطر: لماذا تشكل الإمارات هاجسا للقطريين

كان ولهنا الجماعي بصلاح غير صحي وغير منتج. كرة القدم لعبة جماعية ولا يمكن الفوز بها عبر الاعتماد على نجم واحد. لقد حملنا صلاح ضغطا لا داعي له، وتمكنا من تحويل نعمة امتلاك لاعب موهوب إلى لعنة دمرت قدرتنا الجماعية على القتال والفوز. هذا بالتأكيد ليس خطأ صلاح.هو خطأنا ـ خطأنا وحدنا ـ ويجب علينا معالجته.

يمكننا إلقاء اللوم على الجميع ابتداء من المدرب واتحاد كرة القدم إلى المناخ العام للفساد والمحسوبية، ولكن دعونا نتحدث بصراحة: لقد خسرنا كأس العالم قبل فتره طويلة من لعب فريقنا أي مباراة في روسيا.

يمكن لمصر أن تحقق نتائج أفضل في كره القدم، لكن علينا أولا أن نتعلم كيفية العمل كفريق. نحن لسنا بحاجة إلى الحظ، لكننا بحاجة إلى "فدادين" من العمل الجماعي الشاق لنمنع المزيد من النكسات ونستمتع بكره القدم من جديد.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!