مئات المواطنين السوفييت ينتظرون دورهم عند أبواب مطعم "ماكدونالدز" بعد أيان من افتتاحه مطلع عام 1990
مئات المواطنين السوفييت ينتظرون دورهم عند أبواب مطعم "ماكدونالدز" بعد أيان من افتتاحه مطلع عام 1990

بقلم د. عماد بوظو/

عند البحث عن الاتحاد السوفييتي في شبكة الإنترنت سنجد العبارة التالية "الاتحاد السوفييتي 1922 ـ 1991"، بما يشير إلى تاريخ ولادة هذا الكيان السياسي الكبير حتى يوم إعلان موته رسميا. بلغت مساحة الاتحاد السوفييتي أكثر من 22 مليون كيلومتر مربع، أي سدس مساحة اليابسة في الكرة الأرضية، وأكبر من مساحة القارة الأميركية الشمالية التي تضم كندا والولايات المتحدة الأميركية والمكسيك.

في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كانت نسبة غير قليلة من السياسيين والباحثين يعتقدون أن نموذج الحياة الذي يبشر به ويسعى إليه "الاتحاد السوفييتي العظيم"، كما كانت حركات اليسار تطلق عليه، سينتشر ويسود في كل العالم. حتى في الستينيات والسبعينيات لم يكن يتبادر إلى ذهن أكثر المحللين السياسيين أو الاقتصاديين والاجتماعيين خبرة وأبعدهم نظرا أن هذه الدولة الكبيرة قد تنهار بسهولة بعد بضع سنوات، خصوصا وأنها قوة نووية عظمى وتشارك بنشاط في سباق الاكتشافات والتطور العلمي خاصة في المجالات العسكرية وعلوم غزو الفضاء الخارجي.

وامتلكت هذه الدولة أكبر شبكة دولية للتجسس خارج حدودها، وكانت تعتمد في تجنيد عملائها بشكل رئيسي على الولاء الأيديولوجي، بالإضافة لامتلاكها أقوى منظومة بوليس سري داخلي لم يشهد لها التاريخ مثيلا من حيث الضخامة والوحشية. وكان هناك مجموعة غير قليلة من الدول تدور في فلك هذه الدولة العظمى بالإضافة للكثير من الأحزاب والنقابات التي ارتبطت معها عضويا، بحيث أنه في بعض فترات القرن العشرين كان أكثر من نصف البشرية يعيش تحت أنظمة حكم تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر لهذه الدولة.

رغم كل هذه المشاكل العميقة التي تعاني منها إيران حاليا فإن قيادتها مصرة على أنها لم تخطئ أبدا

​​اليوم، يرى أكثر الخبراء أن مجموعة من العوامل ساهمت في سرعة انهيار الاتحاد السوفييتي. أهم هذه العوامل، الفشل الاقتصادي. إذ كان متوسط دخل الفرد في هذه الدولة مترامية الأطراف والغنية بالكثير من الثروات الطبيعية أقل بكثير من دول الغرب حتى لو تم احتسابه مع مراعاة القوة الشرائية والخدمات المجانية المقدمة للمواطنين. ولم تنجح في بناء صناعة متطورة تستطيع منتجاتها منافسة ما ينتجه الغرب. واستنفد سباق التسلح الجزء الأكبر من ناتجها الوطني وأدى إلى تدهور إضافي في مستوى معيشة شعبها.

ولا يمكن تجاوز تكاليف انتشار قواتها العسكرية لدى الأنظمة الحليفة والعميلة لها في دول أوروبا الشرقية وبعض ديكتاتوريات العالم الثالث، التي كان يكفي أن ترفع شعارات معادية للغرب ومفاهيمه وسياساته حتى تحصل على الدعم السوفييتي الاقتصادي والعسكري. وآخر تدخلات الاتحاد السوفييتي العسكرية المباشرة كان في أفغانستان والذي يعتقد كثيرون أنه سرع من هذا الانهيار. بالمحصلة كان الاتحاد السوفييتي يخوض صراعات متعددة على مستوى العالم تفوق إمكانياته.

اقرأ للكاتب أيضا: استغلال بناء المساجد في الغرب لأهداف سياسية

بالإضافة للدور الأساسي للعامل الاقتصادي في القضاء على الاتحاد السوفييتي تراجعت قناعة جزء كبير من الشعب وحتى من كوادر الحزب الشيوعي بالأيديولوجية الشيوعية التي لم تنجح بتقديم نموذج ناجح أو حلول لمشاكل المجتمع. وقد ساعد ذلك على نمو وانتشار الفساد عند شريحة لا بأس بها من كبار موظفي الدولة والحزب، كما أن تطور وسائل المواصلات والاتصالات جعلت إمكانية عزل مجموعة بشرية كبيرة عن باقي العالم أكثر صعوبة، ولذلك لم يعد باستطاعة "الستار الحديدي"، وهي التسمية التي أطلقها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عام 1946 على السياسة التي اتبعها الاتحاد السوفييتي بإقامة رقابة صارمة تهدف إلى عزله عن بقية العالم، لم يعد باستطاعة هذا الستار منع المواطنين السوفييت من معرفة ما يدور في العالم حولهم وإدراك حالة البؤس الاقتصادي التي يعيشونها ومعرفتهم بحقيقة حرمانهم من حقوقهم السياسية والثقافية.

هناك تشابه إلى درجة التطابق بين ما جرى في الاتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينيات وتحديدا عام 1989، عندما اتضح أن حالة التذمر والاحتجاج عند شعوب هذا البلد قد وصلت إلى مرحلة الرفض التام لاستمراره وأن المقاومة الشعبية وصلت لمرحلة الثورة الشاملة على الأسس التي قام عليها، وبين ما يجري في الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم رغم التفاوت الكبير بالحجم والقوة بين الدولتين.

فإيران مجرد دولة إقليمية متوسطة الحجم لا يمكن مقارنتها بالاتحاد السوفييتي سوى بحجم مشاكلها؛ فالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إيران اليوم أكثر حدة وقد وصلت إلى درجة جعلت أغلبية الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر من ضمنهم ملايين الجائعين والهامشيين ومدمني المخدرات.

وعلى نفس طريقة الاتحاد السوفييتي فقد استنفذت إيران أغلب مواردها في مغامراتها العسكرية وأحلامها التوسعية ضمن محيطها الإقليمي والتي لا تتماشى مع قوتها العسكرية أو مواردها الاقتصادية. كذلك ظهر على السطح في السنوات الأخيرة ضعف الإيمان الأيديولوجي بأفكار الثورة الإسلامية التي ألهمت جيلها الأول في بداياتها. ترجم ضعف الإيمان هذا، بمهاجمة بعض المتظاهرين خلال الاحتجاجات الأخيرة مراكز ومزارات دينية.

وانتشر الفساد عند كبار رجال الدين ومسؤولي الدولة إلى درجة تفوق بكثير ما شهده الاتحاد السوفييتي. ويتشارك البلدان شيخوخة الطبقة السياسية الحاكمة فيهما، والتي تتمثل باللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي في الأول ومجمع تشخيص مصلحة النظام في الثاني. كما يشترك البلدان بأن السلطة الفعلية فيهما بيد فرد واحد هو الأمين العام للحزب في الأولى والمرشد الأعلى للجمهورية في الثانية، أما تطور وسائل التواصل فقد وصل في السنوات الأخيرة إلى درجة جعلت العالم قرية صغيرة وأصبحت محاولة عزل الشعب الإيراني عن بقية العالم مستحيلة ولم يكن هذا بالطبع من مصلحة النظام الإيراني.

ترافق هذا التشابه الموضوعي في بنية ومشاكل نظام الحكم بين الاتحاد السوفييتي والجمهورية الإسلامية الإيرانية بظروف دولية متماثلة. ففي عقد الثمانينيات انهارت أسعار النفط العالمية لدرجة كبيرة فاقمت من الأزمة الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي فيما يشبه انخفاض أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة وانعكاساتها على الوضع الاقتصادي الإيراني.

كما وصل إلى السلطة في الولايات المتحدة في الثمانينيات رئيس جمهوري من خارج الطبقة السياسية التقليدية هو رونالد ريغان الذي خاض الانتخابات بشعارات أقرب للإعلانات التجارية المتفائلة، وفاز تحت هذه الشعارات بأغلبية كبيرة، وتبنى من البداية سياسة حازمة تجاه الاتحاد السوفييتي ومارس ضغوطا على دول الغرب للحد من استيراد المواد الخام منه. كان ريغان مؤمنا بأن الضغط على الاقتصاد السوفييتي سيؤدي إلى تدميره، وهذا ما حصل فعلا.

انتشر الفساد عند كبار رجال الدين ومسؤولي الدولة الإيرانية إلى درجة تفوق بكثير ما شهده الاتحاد السوفييتي

​​وفي أيامنا، وصل إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية أيضا شخص من خارج الطبقة السياسية، هو الرئيس دونالد ترامب الذي رفع نفس الشعارات والوعود المتفائلة للشعب الأميركي. وتبنى منذ البداية سياسة حازمة تجاه إيران وفرض عليها عقوبات اقتصادية ودعا العالم إلى التوقف عن شراء نفطها، وتضامن مع حق الشعب الإيراني بالحرية، واعتبر النظام الإيراني أساس الشرور في عالم اليوم، ووصفه مرارا بأنه ديكتاتورية فاسدة واعتبر أن إيران دولة مارقة.

رغم أن فشل السياسات الداخلية والاقتصادية والاجتماعية هو العامل الحاسم في بقاء أو انهيار أي نظام سياسي، ولكن العوامل والضغوط الخارجية تستطيع أن تسرع من عملية الانهيار هذه. وفي هذه الأيام لا يكاد يمضي يوم واحد دون أن تنقل وكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي خبرا عن إضراب أو مظاهرة أو حادثة حريق كبير أو اشتباك مسلح يقع في إحدى مناطق ومدن إيران.

اقرأ للكاتب أيضا: تقارب المواقف بين الكثير من الليبراليين الأميركيين والنظام الإيراني

وتتفق أغلب التحليلات على أن العمر الافتراضي لهذا النظام السياسي قد شارف على نهايته وأن الوقت الذي سنجد فيه على شبكة الإنترنت عبارة "الجمهورية الإسلامية الإيرانية متبوعة بتاريخ الولادة وتاريخ الموت غير بعيد. لكن، يبقى التساؤل الحقيقي والموضوع الذي لا يعرف الإجابة عنه أحد حتى الآن، هو ما هي نقطة التحول أو السبب المباشر الذي سيكتب النهاية الفعلية لهذا النظام؟ هل هو امتداد واتساع الاحتجاجات الشعبية ذات الأسباب الاقتصادية المتواصلة على شكل موجات منذ نهاية العام الماضي؟ أم انعكاس لهزيمة أحد المشاريع أو المغامرات الإقليمية مثل اليمن أو سورية وخروج إيران من أحد هذين البلدين بدون أي مكسب بعد كل ما تكبدته من خسائر اقتصادية وبشرية فيها؟ أم نتيجة صراع على السلطة بين محافظين ومعتدلين، أو بين القادة الحاليين والسابقين الذين سيحاول كل منهم إلقاء المسؤولية عما تشهده إيران من أزمات مستعصية على الحل على الطرف الآخر؟ أم أن السبب المباشر لانهيار هذا النظام سيكون نتيجة أسباب طبيعية مثل وفاة المرشد الحالي نتيجة مرضه وتقدمه في السن؟ أم بسبب تصاعد حالة التمرد على الدولة عند الشعوب غير الفارسية فيها؟

تتعدد السيناريوهات والاحتمالات ولكن النتيجة واحدة بالنسبة لنظام لم يستطع التأقلم مع العصر ولم يستطع تقديم نموذج ناجح لشعبه في أي مجال من مجالات الحياة، ولم يتمكن من التفاهم مع محيطه الإقليمي أو مع القوى الدولية، والغريب أنه رغم كل هذه المشاكل العميقة التي تعاني منها إيران حاليا فإن قيادتها مصرة على أنها لم تخطئ أبدا والسبب الوحيد لكل ما يحدث فيها هو المؤامرات التي تحيكها "قوى الاستكبار العالمي".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!