قبلة بين مشجعين، بلجيكي وإنكليزية، خلال مباراة منتخبي بلادهما
قبلة بين مشجعين، بلجيكي وإنكليزية، خلال مباراة منتخبي بلادهما

بقلم نضال منصور/

تستحوذ بطولة كأس العالم التي تقام في روسيا على اهتمام الناس، وتطغى أخبارها على ما عداها، وتزدحم المقاهي بمحبي الكرة لمتابعتها، بعد أن أصبحت المقاهي تبتدع طقوسا للاحتفاء بهذه المباريات وحصد الأموال من زبائنها.

منذ كنت يافعا وأنا أحب وأشجع منتخب البرازيل؛ لا تسألوني لماذا، فربما لا أجد إجابة، ولكني متيقن أن أبناء جيلي وربما من هم أكبر مني سنا ما زالوا يتعلقون بحب البرازيل مثلما يعشق الجيل الحالي فريقي ريال مدريد وبرشلونة، وبعد كل مباراة بين الفريقين الإسبانيين أشعر بحمى حرب أهلية يمكن أن تنشب على الأقل على صفحات "السوشيل ميديا".

أيام التلفزيون الأبيض والأسود كنا نتابع كأس العالم بشغف وحماس لا حدود لهما. وما زلت أتذكر "بيليه"، لاعب القرن في مونديال 1974، وما زلت أتذكر أول مرة أحضر مباراة بتلفزيون ملون عند جيران لنا كانوا أحسن حالا منا اقتصاديا، كنا نتجمع عندهم لنشاهد المباريات بألوان بعد سنوات من الأبيض والأسود.

تقنية الفيديو جيرت لصالح المنتخبات العريقة وظلمت المنتخبات الصغيرة وأولها المغرب وإيران

​​كان "بيليه" شيئا مختلفا، فهذا الشاب ذو البشرة السمراء يقهر جميع المنتخبات ويسجل أهدافا مثيرة تخلد في أعتى وأقوى حراس المرمى.

من اللاعبين القدامى الذين ما زلت متعلقا بهم حارس مرمى الاتحاد السوفييتي "ياشين"، كنت أتابعه بشغف وجنون، فقد كنت حين ألعب كرة القدم أختار أن أكون حارس مرمى.

خسارة أنني لم أستمر في لعب الكرة، لكانت أفضل شأنا من الصحافة ومتابعة أخبار الحروب والموت والصراعات التي تنهش العالم العربي. لو عاد بي الزمن عقودا للوراء لاخترت الاحتراف الكروي، وترك العالم العربي والانضمام لفريق غربي يصنع المحترفين والنجوم، وربما لكنت مشهورا يشار لي بالبنان، فهل يستطيع أي زعيم أو عالم أو مفكر أن ينافس "ميسي" "ورونالدو" في شهرتهم وحتى كسبهم للمال؟!

اقرأ للكاتب أيضا: بواكير التغيير في الأردن.. تجديد في دماء السلطة

الأكثر احباطا في كأس العالم بروسيا متابعة نتائج المنتخبات العربية وأدائها المخيب للآمال، وإذا ما استثنينا المنتخب المغربي الذي قدم أداء رجوليا ورائعا وكان يستحق التأهل للمرحلة الثانية من البطولة لولا ظلم الحكام له، فإن باقي المنتخبات أشعرتنا بالذل والخزي، وكنت أسأل نفسي حين أتابع مباراة للسنغال ونيجيريا، لماذا يقدمون أداء رائعا ونحن لا نفعل ذلك على الرغم من فقرهم وإمكانياتهم المتواضعة فلا توضع طائرات خاصة بخدمتهم ولا تصرف عليهم الملايين؟!

حتى لا ندخل في متاهة التنبؤ، انظروا للاعب المصري الرائع محمد صلاح، الذي يلعب مع فريق "ليفربول" الإنجليزي، كيف لمع وأبهر الجميع في بريطانيا وأوروبا وأصبح معشوقهم الأول، وكيف أصبح أداؤه مع المنتخب المصري؟!

العالم العربي الذي يخسر في السياسة والاقتصاد ويتبوأ أول المراكز في انتهاكات حقوق الإنسان ويشكل بيئة طاردة للإبداع ومنها الرياضة، لن يصبح بين يوم وليلة مرشحا لنيل بطولة كأس العالم. فالمهزوم في كل شيء في بلاده، سيهزم في ملاعب كرة القدم، وعلينا أن نمحي هذا الوهم من عقولنا فإن كنا نريد المنافسة رياضيا علينا أن نتعلم كيف نخطط ونصنع النجوم وهم صغارا ونستمر برعايتهم حتى يكبروا ونقطف ثمرة إبداعاتهم كبارا؟

في مونديال كأس العالم في روسيا مفاجآت كثيرة تستحق التوقف عندها، قد يكون في مقدمتها منتخب إيران. في السياسة لا أتفق مع إيران وسياساتها ومواقفها، وفي كرة القدم استحوذت على اهتمامي، وأول ملاحظة كانت الأداء الرجولي والقتالي للاعبين فهم يلعبون حتى آخر دقيقة ولا يستسلمون ويقبلون تحدي الكبار. وسعدت بكسر هيبة رونالدو، وشعرت بالفخر حين تمكن حارس المرمى الإيراني من صد ركلة الجزاء له وتابعت كيف تسامح الحكم مع رونالدو حين ضرب اللاعب الإيراني واكتفى بإعطائه إنذارا، وباعتقادي كان يستحق الطرد، فالحكام يخافون من هيبة النجوم فكيف إذن يطرد لاعب مثل رونالدو؟

الملفت في البطولة تطبيق تقنية الفيديو "VAR" في المباريات، وكلما عاد الحكم لهذا التقنية أصبحت مقتنعا، وربما يشاطرني آخرون أن القرار سيكون لصالح المنتخبات العريقة، وستظلم المنتخبات الصغيرة وهذا ما حدث مع المغرب وإيران على الأقل.

هناك اتهامات للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" أنها منحازة للمنتخبات الكبيرة، فخروجهم من كأس العالم خسارة فادحة للبطولة، ولهذا نجد الحكام يهابون اتخاذ قرارات جريئة بحق المنتخبات الكبيرة والمرشحة للبطولة.

قد يكون هذا الكلام دون أدلة وشعبويا، ولكن هذا ما أسمعه يتردد على ألسنة الناس حين أشاهد المباريات. وقد يكون تعاطفنا مع منتخبات الدول النامية وأملنا أن تحقق انتصارات أخرى هو السبب لهذا الانحياز وهذه الاتهامات.

هل يستطيع أي زعيم أو مفكر أو عالم أن ينافس ميسي ورونالدو بشهرتهم وكسبهم للمال

​​خروج المنتخب الألماني من التصفيات الأولى كانت المفاجأة الأكثر إدهاشا. شجعت بحماس منقطع النظير المنتخب الكوري، ورأيت كيف أخضع لاعبو كوريا الألمان وعلموهم درسا لن ينسوه، وكانوا حبل النجاة ليتأهل منتخب المكسيك للمرحلة الثانية، فخروج المكسيك الذي لعب مباراتين عظيمتين لو حدث فهو ظلم فادح؟

خروج ألمانيا كان له وقع الصدمة ليس في برلين وبون وكل المدن الألمانية، وإنما في المدن العربية التي تحفل بمحبي هذا المنتخب الذي لم يخرج بتاريخه من الدور الأول، والطرفة أن اللبنانيين نظموا جنازة وهمية للمنتخب الألماني!

"الكبار" تعرضوا للذل، فالأرجنتين خرجت من الدور الثاني، والخطر يحيط بمنتخبات مرموقة أخرى فازت وتأهلت باللحظات الأخيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرزاز.. رهان لبناء عقد اجتماعي ينهض بالأردن كطائر الفنيق

يشارف الدور الثاني على الانتهاء، والأمر المؤكد أن النتائج غير محسومة ومفاجآت خروج الفرق الكبيرة والمرشحة للبطولة مستمرة، فالأداء ليس مستقرا، والفرق فيها الكثير من عدم التجانس، فاللاعبين المحترفين لا يلعبون كلهم في بلدانهم وموزعين على فرق في دول العالم تختلف أساليبها ويحتاجون وقتا للاندماج بفرقهم الوطنية.

من سيفوز بالمونديال عام 2018؟

أتمنى أن تفوز البرازيل، ولكن هناك فرق منافسة وقوية، فهناك فرنسا وإنكلترا والمكسيك وكرواتيا وبلجيكا والأوروغواي، وكلها صاحبة حظ ولديها فرصا لتحقيق النجاح والفوز. ولو هزمت البرازيل وخرجت من المنافسة، سأنتقل لتشجيع المكسيك، وإن أطيح بها سأقف متفرجا لا أملك سوى رغبة بمشاهدة لعب جميل.

كرة القدم ليست فرصة لتحصد فيفا مليارات الدولارات فقط، وإنما هي لحظة ليجتمع العالم بأخلاق وروح رياضية ومساواة بعيدا عن المصالح وويلات الحروب ودسائس السياسة، فهل حقا فعلت كرة القدم ما عجزت عنه السياسة؟!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة