قبلة بين مشجعين، بلجيكي وإنكليزية، خلال مباراة منتخبي بلادهما
قبلة بين مشجعين، بلجيكي وإنكليزية، خلال مباراة منتخبي بلادهما

بقلم نضال منصور/

تستحوذ بطولة كأس العالم التي تقام في روسيا على اهتمام الناس، وتطغى أخبارها على ما عداها، وتزدحم المقاهي بمحبي الكرة لمتابعتها، بعد أن أصبحت المقاهي تبتدع طقوسا للاحتفاء بهذه المباريات وحصد الأموال من زبائنها.

منذ كنت يافعا وأنا أحب وأشجع منتخب البرازيل؛ لا تسألوني لماذا، فربما لا أجد إجابة، ولكني متيقن أن أبناء جيلي وربما من هم أكبر مني سنا ما زالوا يتعلقون بحب البرازيل مثلما يعشق الجيل الحالي فريقي ريال مدريد وبرشلونة، وبعد كل مباراة بين الفريقين الإسبانيين أشعر بحمى حرب أهلية يمكن أن تنشب على الأقل على صفحات "السوشيل ميديا".

أيام التلفزيون الأبيض والأسود كنا نتابع كأس العالم بشغف وحماس لا حدود لهما. وما زلت أتذكر "بيليه"، لاعب القرن في مونديال 1974، وما زلت أتذكر أول مرة أحضر مباراة بتلفزيون ملون عند جيران لنا كانوا أحسن حالا منا اقتصاديا، كنا نتجمع عندهم لنشاهد المباريات بألوان بعد سنوات من الأبيض والأسود.

تقنية الفيديو جيرت لصالح المنتخبات العريقة وظلمت المنتخبات الصغيرة وأولها المغرب وإيران

​​كان "بيليه" شيئا مختلفا، فهذا الشاب ذو البشرة السمراء يقهر جميع المنتخبات ويسجل أهدافا مثيرة تخلد في أعتى وأقوى حراس المرمى.

من اللاعبين القدامى الذين ما زلت متعلقا بهم حارس مرمى الاتحاد السوفييتي "ياشين"، كنت أتابعه بشغف وجنون، فقد كنت حين ألعب كرة القدم أختار أن أكون حارس مرمى.

خسارة أنني لم أستمر في لعب الكرة، لكانت أفضل شأنا من الصحافة ومتابعة أخبار الحروب والموت والصراعات التي تنهش العالم العربي. لو عاد بي الزمن عقودا للوراء لاخترت الاحتراف الكروي، وترك العالم العربي والانضمام لفريق غربي يصنع المحترفين والنجوم، وربما لكنت مشهورا يشار لي بالبنان، فهل يستطيع أي زعيم أو عالم أو مفكر أن ينافس "ميسي" "ورونالدو" في شهرتهم وحتى كسبهم للمال؟!

اقرأ للكاتب أيضا: بواكير التغيير في الأردن.. تجديد في دماء السلطة

الأكثر احباطا في كأس العالم بروسيا متابعة نتائج المنتخبات العربية وأدائها المخيب للآمال، وإذا ما استثنينا المنتخب المغربي الذي قدم أداء رجوليا ورائعا وكان يستحق التأهل للمرحلة الثانية من البطولة لولا ظلم الحكام له، فإن باقي المنتخبات أشعرتنا بالذل والخزي، وكنت أسأل نفسي حين أتابع مباراة للسنغال ونيجيريا، لماذا يقدمون أداء رائعا ونحن لا نفعل ذلك على الرغم من فقرهم وإمكانياتهم المتواضعة فلا توضع طائرات خاصة بخدمتهم ولا تصرف عليهم الملايين؟!

حتى لا ندخل في متاهة التنبؤ، انظروا للاعب المصري الرائع محمد صلاح، الذي يلعب مع فريق "ليفربول" الإنجليزي، كيف لمع وأبهر الجميع في بريطانيا وأوروبا وأصبح معشوقهم الأول، وكيف أصبح أداؤه مع المنتخب المصري؟!

العالم العربي الذي يخسر في السياسة والاقتصاد ويتبوأ أول المراكز في انتهاكات حقوق الإنسان ويشكل بيئة طاردة للإبداع ومنها الرياضة، لن يصبح بين يوم وليلة مرشحا لنيل بطولة كأس العالم. فالمهزوم في كل شيء في بلاده، سيهزم في ملاعب كرة القدم، وعلينا أن نمحي هذا الوهم من عقولنا فإن كنا نريد المنافسة رياضيا علينا أن نتعلم كيف نخطط ونصنع النجوم وهم صغارا ونستمر برعايتهم حتى يكبروا ونقطف ثمرة إبداعاتهم كبارا؟

في مونديال كأس العالم في روسيا مفاجآت كثيرة تستحق التوقف عندها، قد يكون في مقدمتها منتخب إيران. في السياسة لا أتفق مع إيران وسياساتها ومواقفها، وفي كرة القدم استحوذت على اهتمامي، وأول ملاحظة كانت الأداء الرجولي والقتالي للاعبين فهم يلعبون حتى آخر دقيقة ولا يستسلمون ويقبلون تحدي الكبار. وسعدت بكسر هيبة رونالدو، وشعرت بالفخر حين تمكن حارس المرمى الإيراني من صد ركلة الجزاء له وتابعت كيف تسامح الحكم مع رونالدو حين ضرب اللاعب الإيراني واكتفى بإعطائه إنذارا، وباعتقادي كان يستحق الطرد، فالحكام يخافون من هيبة النجوم فكيف إذن يطرد لاعب مثل رونالدو؟

الملفت في البطولة تطبيق تقنية الفيديو "VAR" في المباريات، وكلما عاد الحكم لهذا التقنية أصبحت مقتنعا، وربما يشاطرني آخرون أن القرار سيكون لصالح المنتخبات العريقة، وستظلم المنتخبات الصغيرة وهذا ما حدث مع المغرب وإيران على الأقل.

هناك اتهامات للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" أنها منحازة للمنتخبات الكبيرة، فخروجهم من كأس العالم خسارة فادحة للبطولة، ولهذا نجد الحكام يهابون اتخاذ قرارات جريئة بحق المنتخبات الكبيرة والمرشحة للبطولة.

قد يكون هذا الكلام دون أدلة وشعبويا، ولكن هذا ما أسمعه يتردد على ألسنة الناس حين أشاهد المباريات. وقد يكون تعاطفنا مع منتخبات الدول النامية وأملنا أن تحقق انتصارات أخرى هو السبب لهذا الانحياز وهذه الاتهامات.

هل يستطيع أي زعيم أو مفكر أو عالم أن ينافس ميسي ورونالدو بشهرتهم وكسبهم للمال

​​خروج المنتخب الألماني من التصفيات الأولى كانت المفاجأة الأكثر إدهاشا. شجعت بحماس منقطع النظير المنتخب الكوري، ورأيت كيف أخضع لاعبو كوريا الألمان وعلموهم درسا لن ينسوه، وكانوا حبل النجاة ليتأهل منتخب المكسيك للمرحلة الثانية، فخروج المكسيك الذي لعب مباراتين عظيمتين لو حدث فهو ظلم فادح؟

خروج ألمانيا كان له وقع الصدمة ليس في برلين وبون وكل المدن الألمانية، وإنما في المدن العربية التي تحفل بمحبي هذا المنتخب الذي لم يخرج بتاريخه من الدور الأول، والطرفة أن اللبنانيين نظموا جنازة وهمية للمنتخب الألماني!

"الكبار" تعرضوا للذل، فالأرجنتين خرجت من الدور الثاني، والخطر يحيط بمنتخبات مرموقة أخرى فازت وتأهلت باللحظات الأخيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرزاز.. رهان لبناء عقد اجتماعي ينهض بالأردن كطائر الفنيق

يشارف الدور الثاني على الانتهاء، والأمر المؤكد أن النتائج غير محسومة ومفاجآت خروج الفرق الكبيرة والمرشحة للبطولة مستمرة، فالأداء ليس مستقرا، والفرق فيها الكثير من عدم التجانس، فاللاعبين المحترفين لا يلعبون كلهم في بلدانهم وموزعين على فرق في دول العالم تختلف أساليبها ويحتاجون وقتا للاندماج بفرقهم الوطنية.

من سيفوز بالمونديال عام 2018؟

أتمنى أن تفوز البرازيل، ولكن هناك فرق منافسة وقوية، فهناك فرنسا وإنكلترا والمكسيك وكرواتيا وبلجيكا والأوروغواي، وكلها صاحبة حظ ولديها فرصا لتحقيق النجاح والفوز. ولو هزمت البرازيل وخرجت من المنافسة، سأنتقل لتشجيع المكسيك، وإن أطيح بها سأقف متفرجا لا أملك سوى رغبة بمشاهدة لعب جميل.

كرة القدم ليست فرصة لتحصد فيفا مليارات الدولارات فقط، وإنما هي لحظة ليجتمع العالم بأخلاق وروح رياضية ومساواة بعيدا عن المصالح وويلات الحروب ودسائس السياسة، فهل حقا فعلت كرة القدم ما عجزت عنه السياسة؟!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.