الأصوليتان الدينية والقومية معاند للواقع، كلاهما ذو ذهنية مغلقة على أوهامها وتصوراتها الذاتية
الأصوليتان الدينية والقومية معاند للواقع، كلاهما ذو ذهنية مغلقة على أوهامها وتصوراتها الذاتية

بقلم محمد المحمود/

كنت قد ذكرت في المقال السابق أن من المتحقق عندي أن الأصولية القومية، بقدر ما هي تنافس الأصولية الدينية وتعارضها في الظاهر إلى درجة الصراع المعلن أحيانا، هي في الوقت نفسه، تتبادل معها ـ بوعي أو بلا وعي ـ معظم الأدوار الوظائفية على امتداد تاريخ العرب الحديث. وهذا يعني أن ثمة وحدة كامنة في أعماق الوعي هنا وهناك، تعكسها مفردات التشابه في البعدين: البنيوي والوظائفي؛ رغم وجود التنافر الظاهر الذي يغري بتصنيفهما كـ"وَعْيَين مُتَضادين"، كثيرا ما يشتعل التنافس بينهما من أجل الاستيلاء على أكبر قدر من هذه الجماهيرية العربية الحائرة في فضاء الأيديولوجيات.

مسار التماثل/ التشابه هو الأصل. ومسار الاختلاف والتنافر هو الفرع. ولو أني أردت استقصاء كل صور التماثل/ التشابه بين الأصولية الدينية والأصولية القومية، تلك الصور التي تعكس "وحدة الوعي الأصولي"؛ لما استطاعت أن تفي بها الكلمات العابرة في هذا المقال. ولكنني أكتفي ببعض النقاط التي تشير إلى معالم في هذا الطريق، لعلها تفتح الباب لما وراءها؛ لمن يريد. وأهمها ـ في تتصوري ـ ما يلي:

1ـ كلتا الأصوليتين الرائجتين في العالم العربي (الأصولية الدينية، والأصولية القومية) تنبعان من تصور "اصطفائي". فالأصولية الدينية تؤسس مجمل الرؤى الحاكمة لوعي أتباعها على مبدأ: الاصطفاء الإلهي: الطائفة المنصورة/ الفرقة الناجية... إلخ. ومن جهتها، تؤسس الأصولية القومية مجمل الرؤى الحاكمة لوعي أتباعها على مبدأ: الاصطفاء التاريخي/ العرقي، لـ"الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة"!

الأصولية القومية متشبعة باليقين؛ كما هو حال الأصولية الدينية

​​لا يخفى هنا أن ثمة تداخلا بين هذين الاصطفاءين، إذ في "الاصطفاء التاريخي/ العرقي" ما يوحي بنوع من الاختيار الإلهي/ القدر الكوني/ الانتخاب الطبيعي الذي اصطفى هذا "العرق المختار" لهذه المهمة التاريخية الفريدة المرتبطة بالرسالة الإلهية. وفي المقابل، ثمة تأكيد أصولي ديني ـ غير خاف ـ على محورية "العرق العربي" في منظومة الإسلام ككل، فكرا/ دينا وتاريخا. ولهذا ليس غريبا أن نجد غلاة الأصولية الدينية في القديم وفي الحديث مشدودين إلى تصور قومي واضح، يؤكدونه بحديثهم الصريح أو الضمني عن "التميز العربي"، وعن فضيلة التلقي الأول للرسالة. ولعل أبلغ ما جاء في هذا المجال، هو تأكيد أحد رموز الغلو الأصولي الديني/ ابن تيمية، عندما قال صراحة: "الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم" (اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية ج2 ص207).

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة في السعودية.. بداية عصر جديد

2ـ الأصولية القومية متشبعة باليقين؛ كما هو حال الأصولية الدينية. هنا وهناك، ليس ثمة مجال للنسبية، ولا للأقوال البينية، ولا للاختلاف في التصورات والمسارات. كلاهما يصدر عن وعي إطلاقي مشبع باليقين، وكلاهما يتعامل ـ في معظم ما يعتمده من أقوال وأفعال ـ بعقلية دوغمائية تجد فيها ملامح الحسم العقائدي؛ حتى وإن لم يكن الأمر دينيا. وهذا ليس في المبادئ والمواقف الأساسية والأصول فحسب، بل حتى في الآراء والمواقف الثانوية، التي يجري ترفيعها؛ لتكون أسسا وأصولا. وإذا كان الأصولي الديني يسلّ على مخالفيه سيف التكفير؛ فإن الأصولي القومي يسلّ على مخالفيه سيف العمالة والتخوين.

3ـ الأصولي الديني والأصولي القومي يتوفران على نفَس عدائي واضح، كلاهما يصدر عن موقف ضدي تجاه الآخر؛ الغربي خاصة. فالنضالية الأصولية الدينية نهضت في البدايات الأولى كاستجابة للتحدي المتمثل في صعود الحضارة الغربية وتوسعها الاستعماري، وما تبع ذلك من تحديات ثقافية واجتماعية وسياسية، إذ ظهر الدين كأقوى ضامن للهوية وللمرجعيات الثقافية وللتضامن السياسي. وكذلك الأمر في النضالية القومية التي بدأت ملامحها الأولى كنضالية تحررية ضد الاستعمار التركي، ثم ارتسمت معالمها واكتسبت مفاهيمها الأيديولوجية الصارخة في مرحلة النضال القومي ضد الاستعمار الغربي.

يلاحظ أن كليهما استمر إلى اليوم فاعلا في الواقع بدافع من هذا الموقف الضدي. فبعد زوال الاستعمار استثمرت القومية العربية في دعاوى كثيره لها ارتباط بالاستعمار السابق، منها أن الوضع العربي بكل سلبياته هو إرث استعماري، بما في ذلك الدول القُطْرية التي تتصورها الوحدوية العروبية أصل البلاء وفصله، ومنها القضية الفلسطينية التي يؤكد من خلالها الأصولي الديني والأصولي القومي موقفهما الضدي المستمر من القوى العالمية الداعمة للعدو/ المعتدي... إلخ، فضلا توهمات التآمر الاقتصادي والثقافي.

4ـ كلاهما غير معني ـ حقيقة ـ بالتنمية والإنماء. كلاهما ليس لديه أيديولوجية بناء، بل فقط أيديولوجية كفاح ونضال وصراع؛ مع آخر ما؛ ولو مع طواحين الهواء. التنمية تشترط انفتاحا حقيقيا، انفتاحا نفسيا ـ قبل أي شيء ـ على العالم المتقدم، تشترط تواصلا مع المختلفين بعيدا عن مضمرات الصراع الإقصائي المبنية على توهم العداء. الأصوليات لا تستطيع الخروج من دوائرها المغلقة؛ إلا خروجا ظاهريا متحفظا ومتربصا في آن. ولهذا يتعذر عليها أن تقيم تفاعلا إيجابيا على أساس من المصالح المشتركة التي هي بالضرورة متكافئة في كل الأحوال.

إذا كان الأصولي الديني يسلّ على مخالفيه سيف التكفير؛ فإن الأصولي القومي يسلّ على مخالفيه سيف العمالة والتخوين

​​5ـ كلاهما يتقدم بحلول طوباوية، كبرى وناجزة، ومضمونة النتائج ادعاء؛ بقوة دوغمائية المبادئ المؤسسة للأيديولوجيا الأصولية ذاتها. الحلول لديهما ليست تخطيطا استراتيجيا بعيد المدى، ولا جهودا متراكمة على مدى زمني طويل، ليست جهدا واجتهادا وعرقا وتضحيات يومية متواصلة، إنها ليست منجزات نسبية مشروطة بالإمكانيات المتاحة على أرض الواقع، بل مجرد "رغبويات" حالمة تمليها الأساطير الدينية أو الأساطير القومية. لهذا لم يكن غريبا أن يتجاوز سيد قطب مناقشة واقعه البائس ـ أشد ما يكون البؤس ـ إلى التنظير لـ"قيادة البشرية"، تلك اللازمة التي يكررها بما يشبه الهوس؛ حتى أورثت عشاق تراثه جنون الإرهاب الأصولي المعاصر الذي يتباهى بأنه يريد إقامة إمبراطورية الإسلام؛ بينما هو لم يستطع صناعة مكبر الصوت، بل ولا القلم المتواضع الذي يعبر بواسطته عن هذا الهراء!

6ـ كلاهما يحيل إلى تصور مثالي عن الذات في مراحل تشكلها، وخاصة في مراحلها الأولى. إنه تصور يصنعه على مستوى التصور الذهني المجرد؛ يتضخم بقدر ما يفتقر إلى وقائع تسنده ولو بالقليل من فتات التاريخ. إنهما يصنعان تاريخا للاستهلاك الأيديولوجي يختلف كثيرا عن التاريخ الحقيقي. ومن اللافت ـ وإن لم يكن مستغربا ـ أن الأصولي الديني والأصولي القومي يتفقان على تزييف التاريخ لصالح الحاضر، وأيضا، هما يزيفان "المرحلة التاريخية نفسها" (فترة التوسع الإمبراطوري العربي/ الإسلامي)، ويقومان بتصعيدها لترتقي إلى مستوى "الأنموذج الكامل". وهما إذ يقدمانها على هذا المثال الكامل أو شبه الكامل، فإنما يضعانها مثالا للمستقبل المنشود. بمعنى أنهما لا يرسمان من خلالها معالم الماضي، وإنما معالم المستقبل. ولا يخفى أن لهذا علاقة وطيدة بالـ"الحلم الطوباوي" الذي سبقت الإشارة إليه في الفقرة السابقة. فالحلم الطوباوي كبير جدا، وغير معقول؛ بمقدار كون "التصور المثالي" عن الماضي كبير جدا، وغير معقول، ومشحون بكثير من الأوهام.

اقرأ للكاتب أيضا: أصولية الخطاب القومي العربي

7ـ كلاهما معاند للواقع، كلاهما ذو ذهنية مغلقة على أوهامها وتصوراتها الذاتية، فلا يخضعان مشاريعهما لمراجعات حقيقية/ جذرية، ولا يقبلان بفكرة انتهاء صلاحية الأفكار. والغريب أنهما قد تعرضا لكثير من الهزائم والانكسارات، بل ومورست عليهما كل صور الاضطهاد والنفي والإقصاء؛ فضلا عن كونهما اصطدما ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ بالعالم؛ ممثلا في أبرز قواه المعنوية والمادية، ومع هذا يصران على أوهامهما بصورة عنادية متعالية على الواقع الذي لا يزال يمنحهما "دروس التاريخ"، بأعظم الأثمان.

هذه أهم نقاط التماثل/ التشابه، وغيرها كثير. وفي الأخير لا بد من التأكيد على أن أي دين ليس بالضرورة أصولي، كما أن أية قومية ليست بالضرورة أصولية. لكن، في الواقع العربي، يتحول الدين في كثير من مساراته إلى أصوليات، بل وإلى أصوليات متطرفة؛ إن لم تكن تتبنى العنف المسلح فهي حتما تتقاطع معه. وكذلك الأمر في الأصولية القومية، فهي في العالم العربي تتحول في كثير من مساراتها إلى أصولية قومية موغلة في النبذ والإقصاء، والاستعداد الكامل لممارسة العنف بكل أشكاله، وفي أهون أحوالها الانغلاق النفسي على الذات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.