إقامة صلاة عيد الفطر في باكستان
إقامة صلاة عيد الفطر في باكستان

بقلم حسن منيمنة/

الإشكال في المجتمعات التي يحضر فيها الإسلام ليس بأن المسلمين قد تخلوا عن دينهم، فجلهم يجهد لإقامة شعائره والتحلي بأخلاقه؛ ولا هي بأنهم ازدادوا تدينا وتزمتا، فليس المسلمون، حيث يصح هذا التوصيف حالة على حدة، بل الجنوح إلى المزيد من المحافظة ظاهرة عالمية وسط تراجع القيم الإنسانية المشتركة؛ ولا الإشكال في هذه المجتمعات أن علماء الدين خرجوا عن مقاس الناقد، سواء أرادهم أكثر صرامة وتشددا أو أكثر انفتاحا وتسامحا، بل العلة بأنه، في ما يتعدى الدين ونطاقه، هذه المجتمعات تعيش في حالات عوز ونقص وقصور على مستويات عملية وعلمية عدة، لا الشدة في التقوى ولا اللين في فهم الدين السبيل إلى علاجها، ولا الفتاوى الصارمة ولا البيانات الواعدة الطريق إلى سدها. فالدعوة إلى "الإصلاح الديني"، إذ تثير جدلا بين مؤيد ومعارض، تبقى حكما ووفق الشواهد الحالية والسوابق الماضية عاجزة عن الحسم وعن استنتاج صيغة دينية جامعة. شأنها وحسب أن ترفع من حرارة الخلاف في موضوع خارج سياق الاستنهاض المطلوب، وتدخل المتبارزين في صراع عقيم يستهلك الطاقات.

وأوجه التأزم في دعوات الإصلاح الديني عديدة، أولها أنه لا مرجعية عليا ملزمة لعموم المسلمين، وتفرق علماء الدين إلى مناهج متباعدة يمنع وصولهم إلى الإجماع والذي قرر البعض أنه ينوب عن الأمة في تحديد الواجب. والأهم أنه لا اتفاق على لزوم الإصلاح، بين من يصر على حتميته ومن يرى بأن الدعوة إليه سعي مبطن للطعن بالدين.

بدلا من أن تكون المقاربة الشروع بالإصلاح الديني كأولوية قد يكون من الأفضل السعي إلى تعزيز كافة البنى الذاتية، والثقافية منها أولا

​​ودعاة الإصلاح يستأنسون في العديد من الأحيان بالتجارب التاريخية لغير الإسلام من الأديان، والمسيحية خاصة. لسان حال هذا الطرح الذي يتكرر هو أنه كما أن المسيحية قد شهدت في القرن السادس عشر الميلادي حركتها الإصلاحية والتي أطلقها مارتن لوثر، فقد يكون الإسلام بدوره يقترب من وجوب إصلاحه بحركة مماثلة. ثمة خطأ منهجي في هذا الطرح عند افتراض المعيارية للتجربة الدينية المسيحية وتوقع تكرارها رغم اختلاف الظروف والمعطيات، بالإضافة طبعا إلى إغفال حقيقة أن من يشابه مارتن لوثر في التاريخ الديني الإسلامي، لجهة تشذيب التراكم النصي الديني والعودة إلى الأصول الأولى، أي إلى السلف، هو ابن تيمية، قبل مارتن لوثر بقرون، ثم محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر، مع التنويه إلى أن المسار الفكري النابع من محمد عبده قد أنتج بالفعل طه حسين، عند أقصى الانفتاح، ثم انقطع، ولكنه كذلك أخرج محمد رشيد رضا ومنه حسن البنا ومنه سيد قطب ومنه عبدالله عزام وصولا إلى أسامة بن لادن ثم "الدولة الإسلامية".

اقرأ للكاتب أيضا: تجنبا للمعايير المختلة في قراءة السجل التاريخي الولايات المتحدة

وهذا التسلسل المتعاقب باتجاه الشدة ليس ظاهرة عرضية طارئة، فدعوة الإصلاح يرافقها حكما منهج انتقائي، أو وفق مصطلح السلف، أهوائي. ومع اعتماد دعاة اللين لهذا المنهج، يمسي متاحا لدعاة الشدة، والذين من شأنهم أن يجدوا من المواد لدعم مذهبهم ما يفوق قرائن دعاة اللين بأشواط، وينتفي ما كان سائدا من أصول تلطيفية قائمة على التسليم بانعدام التجانس المطلق، مثل درء الحدود بالشبهات، وصولا إلى أن تمسي الشدة هي القاعدة، واللين شذوذا عنها، بعد أن كانا متجاورين في القراءات السابقة للإصلاح. فهذه مسألة تستحق التمحص والانتباه: الفكر المتشدد الصارم بسلفيته والداعي إلى الجهادية هو الوليد المنهجي الطبيعي للفكر الإصلاحي.

الدين طبعا ليس داء، ولكن دعوات الإصلاح الديني غالبا ما تنطلق من فرضية أنه كذلك، ثم تعمد إلى العلاج وفق مقولة "وداوني بالتي كانت هي الداء".

وليست هذه "الهفوة" المنهجية، أي التعامل الانتقائي مع النص والقابل للتوظيف لاستخراج قراءة تقدمية منفتحة متسامحة كما لإنتاج تصور سلفي صارم، المساهمة السلبية الوحيدة التي تقدمها الدعوات الإصلاحية في الفضاء الديني.

دعوات الإصلاح في غالبيتها فوقية أبوية نخبوية لا تتعامل مع الواقع الفكري الديني من إطار الاختلاف المستوجب للتسليم، بل تكرر الطعن بعقول من لا يوافقها الرأي

​​بل ثمة سمتان دقيقتان خلف الزخم المصاحب للدعوات الإصلاحية. الأولى أن دعوات الإصلاح في غالبيتها العظمى فوقية أبوية نخبوية لا تتعامل مع الواقع الفكري الديني من إطار الاختلاف المستوجب للتسليم، بل تكرر الطعن بعقول من لا يوافقها الرأي.

فإذا كانت التوجهات الناشطة الدينية تشهر سلاح التكفير بوجه خصومها، وإذا كان ما يقابها من الطروحات القومية والوطنية تلجأ إلى التخوين، فإن من يمني نفسه بأنه من أصحاب الفكر الإصلاحي المستنير غالبا ما يعتمد التسفيه للتصدي لمن يرفض الإذعان لآرائه. وأساليب الاسترذال هذه، أي التكفير والتخوين والتسفيه، متشابهة في إسقاطها للآخر من الاعتبار ونفي الحاجة إلى مواجهة طرحه بالحجة.

أما السمة الثانية، وهي أقل انتشارا ولكنها أكثر خطورة، هي أن بعض دعوات الإصلاح ليست شفافة، أي أنها لا تجاهر بكامل مبتغاها فتتطرق إلى الجزء فيما هي تقصد الكل، لاعتبارات التدرج أو لمراعاة مشاعر جمهورها. ولكن التقصير في الشفافية هنا ليس غائبا عن الخصوم والذين يستغلونه، مبالغا به ومضاعفا، لإثارة الريبة دون الحاجة بدورهم إلى التصدي للمضمون. فالمواجهة بين الإصلاح وخصومه تندرج بالتالي في واقع المزايدات في إسقاط الآخر أكثر منها في إطار الانتصار للطروحات التي يدعو إليها كل طرف.

والسعي إلى التعويض عن واقع غياب الحوار الصادق المنتج بين أصحاب الرؤى المحافظة ودعاة الطروحات التقدمية من خلال الاعتماد على سلطة تفرض الرؤية الإصلاحية قد يحقق وهم الغلبة، ولكنه لن يبدل تراتبية المرجعية الثقافية في المجتمعات المعنية. فالقضية ليست آنية.

في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وفي خضم احتدام التنافس العلمي في مساعي ريادة الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، صدر كتيب في المملكة العربية السعودية من إعداد الشيخ عبد العزيز بن باز يتطرق فيه إلى مسألة كروية الأرض. لم يقطع بن باز في بحثه، والمبني حصرا على استعراض القرآن والسنة، لا بأن الأرض كروية ولا بأنها مبسوطة مسطحة، وإن كان الراجح لديه الرأي الآخر. كتابه هذا كان المثال المتكرر والذي أشهره من يصف الدين بالظلامية للتأكيد على أن المتفقهين من طراز بن باز هم آفة عضال من عصور الجهل والانحطاط. ولا يزال هذا المنحى، أي التشهير بما يتعارض مع العلم السائد من نصوص المخزون التراثي، من الأساليب المعتمدة للدعوة وإن الخجولة إلى هجر الدين كله، أو ترك بعضه على الأقل بالاقتصار على النص القرآني، من خلال تطبيق أدوات التفسير انتقائيا بما يتماشى مع تطويع هذا النص لإرادة الانسجام مع رؤية حاضرة.

الدين طبعا ليس داء، ولكن دعوات الإصلاح الديني غالبا ما تنطلق من فرضية أنه كذلك

​​والواقع أن المشكلة ليست في ما كتبه بن باز وفي التزامه لمنهجية فقهية تحصر أصول المعرفة بالموروث الديني. بل المشكلة بأن الثقافة العربية تراجعت في العقود الماضية عن التشديد بأن هذا الحصر ينطبق على الدين لا على عموم المعارف. فبعد أن كان بحث بن باز في الستينيات موضوع تندر وتسفيه، أمسى حال الثقافة العربية اليوم أقرب إلى واقع تختزل فيه كلمة "عالم" الفقيه، ويستفتى فيه رجال الدين في جميع الشؤون العلمية، من نظريات نشوء الكون وتشكل المجرات إلى احتمالات الاستنساخ وعواقب الذكاء الاصطناعي. بل ما شهدته المرحلة الماضية هو القبول بتطرق رجال الدين إلى مواضيع كان أسلافهم يمتنعون عنها من باب إدراكهم لافتقاد الأهلية. وما كان رأيا متحفظا لبن باز في الستينيات، وما شابهه في المنحى والمغزى، بات اليوم مادة متداولة في أوساط تزداد اتساعا تشكك بنتائج العلم "الغربي" وتقدم عليه الآراء الفقهية، والتي غالبا ما لا تستوفي الأصول وفق منهجياتها الذاتية، بعد الإضفاء التعسفي لصفة الإطلاقية عليها. وللفقهاء طبعا، تحت أي مسمى، أن يدلوا بآرائهم، وفق المنهجيات المعتبرة لديهم، بالمسائل كافة. والمشكلة ليست في إجاباتهم، بل في الثقافة التي تحملهم ما لا يتحملون.

اقرأ للكاتب أيضا: الأزمة الخليجية: قراءة مختلفة وأفق للحل

فبعد أن أفرطت الثقافة العربية في الاعتماد على رجال الدين كبدائل عن مرجعيات علمية وثقافية مندثرة، يبدو الإصلاح الديني وكأنه مطالبتهم بأن تتبدل إجاباتهم، في الشؤون العلمية كما الاجتماعية والفكرية، بما يتناسب مع القناعات الإصلاحية المسبقة. ففي هذه المطالبة إجحاف بحق المؤسسة العلمائية بأن تعمد وفق أسسها الذاتية إلى معالجة ما يواجهها من قضايا، وهي عديدة وواسعة وضرورية وخطيرة. ولكن الأخطر في التركيز على الإصلاح الديني هو الربط الضمني والصريح بين هذا الإصلاح، رغم انحسار التوقعات بتحققه بما يتوافق مع طموحات دعاته، وبين السلسلة الواسعة من الإصلاحات الأكثر إلحاحا والأشد تأثيرا على المجتمعات المعنية، البنيوية والثقافية والسياسية.

فبدلا من أن تكون المقاربة الشروع بالإصلاح الديني كأولوية، مع ما يمثله ذلك من إثارة للهم الديني والقلق الوجودي، قد يكون من الأفضل السعي إلى تعزيز كافة البنى الذاتية، والثقافية منها أولا، في المؤسسات التعليمية وفي الفضاء العام، لتحقيق الصالح الفردي والمجتمعي، وفي اقتراب مما كان عليه الواقع الثقافي في المجتمعات العربية كافة قبل الاختلال بالتوازن في تلقي المعرفة، والذي صاحب فشل نموذج الدولة في العقود الأخيرة. فالمجتمعات القادرة على تحقيق النهوض التي تتوخاه من شأنها، تلقائيا ذاتيا ودون أبوية سلطوية، أن تنتج القراءات الدينية المتوافقة مع قيمها وقناعاتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!