طفل سوري نازح من منطقة درعا
طفل سوري نازح من منطقة درعا

بقلم نضال منصور/

على وقع المعارك الساحقة التي يشنها النظام السوري للسيطرة واستعادة المناطق في جنوب البلاد وخاصة المعابر الحدودية، انشغل الأردنيون في حوار واسع بعد إعلان الحكومة أنها لن تفتح الحدود للنازحين السوريين، وبأنها ما عادت قادرة على استقبال مزيد من اللاجئين.

النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي في الأردن أطلقوا حملة ضغط على حكومتهم تحت وسم "افتحوا الحدود"، ونظموا حملات لجمع المساعدات للنازحين على الحدود، ودخلوا في سجال مع الحكومة مطالبين باستمرار الأردن بمواقفه الإنسانية التي لا تخذل مستجيرا.

لا يصغي كثيرون للمرافعة التي ينشط في تقديمها وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي والتي تؤكد على أن مشكلة النازحين واللاجئين ليست مشكلة أردنية، وبأنه لا يجوز تحميل الأردن وزر الأزمة السورية، بل يجب أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، وقبل ذلك يجب مساءلة المتسببين بالمأساة الإنسانية.

دخول قوات إيرانية مع الجيش السوري أغضب الأردن.. فاستعادت "قوات العشائر" و"السنة" الأراضي

​​بعد لقائه بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أكد الصفدي أن الأردن يدعو لوقف إطلاق النار في الجنوب السوري، وتأمين المساعدات للسوريين على أرضهم.

وذهب الصفدي للتذكير بمواقف الأردن بالقول "لقد تشاركنا مع اللاجئين السوريين لقمة الخبز، والمدارس والمستشفيات".

ويضيف "تحملنا بما فيه الكفاية بصدر رحب، وعلى الآخرين تحمل مسؤولياتهم، وقبل أن نتحدث عن تهجير السوريين من أرضهم، علينا أن نتحدث عن حمايتهم على أرضهم".

اقرأ للكاتب أيضا: مفاجآت مونديال روسيا... 'ذل الكبار' وتألق 'الصغار' وظلم الحكام!

أعلن الأردن منذ بدء المعارك في الجنوب السوري أن حدوده مغلقة، هذه الخطوة اتخذها بعد انهيار اتفاقية خفض التصعيد التي كان طرفا فيها مع روسيا وأميركا، وعلى ما يبدو فإن هذه الاتفاقية قد تجاوزتها الأحداث وأصبحت من الماضي، رغم نجاعتها لأكثر من عام، في الحفاظ على الحدود ومنع التصعيد والاشتباك.

في واجهة الأحداث تتقدم قوات الجيش السوري لحسم المعركة وتصفية القوات المعارضة، وتتسرب معلومات بأن قادة عسكريين روس يفاوضون فصائل المعارضة على التسوية والمصالحة، وأهم الشروط تسليم الأسلحة الثقيلة.

وحسب المعلومات فإن العديد من فصائل المعارضة اعتبرت ما يعرض عليها من اتفاقيات وتسويات بوساطة روسية اتفاقيات مذلة، وليس أكثر من استسلام بدون شروط، ولهذا نقل عن الناطق باسم الجيش الحر إبراهيم الجباري قوله "انتهى الاجتماع بالفشل، الروس لم يكونوا مستعدين لسماع مطالبنا وقدموا خيارا واحدا، وهو قبول شروطهم المذلة بالاستسلام، وهذا رفض".

أدرك الأردن منذ أشهر بأن اتفاقية خفض التصعيد في طريقها للانهيار، وأن هناك تفاهمات تدور خلف الأبواب المغلقة بين الروس والأميركيين تتمحور أساسا في ضمان عدم اقتراب القوات الإيرانية أو الميليشيات التابعة لها من الحدود الإسرائيلية، وهذا مفاده إطلاق يد جيش النظام لاستعادة المناطق ما دام يلتزم بهذه القاعدة ولا يخرقها، وشعرت عمان بأن مصالحها ومخاوفها الأمنية لا تأخذ دوليا ضمن الأولويات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

بعد "الموت السريري" لاتفاقية خفض التصعيد، وتسيد الروس للمشهد، وما بدا إدارة الأميركيين لظهورهم، شكل الأردن خلية أزمة أمنية عسكرية تحركت بالظل وبعيدا عن الأضواء لضمان مصالحه، والتعامل بجدية مع مخاوفه الأمنية، وكان الطرف الرئيس بالمفاوضات الروس.

طوال السنوات الماضية خلق الأردن حلفاء، و"حائط صد" تمثل في مجموعات سورية مقاتلة تصون وتحمي حدوده، وقد نجحت هذا الاستراتيجية على الأقل في منع الجماعات الإرهابية وخاصة "جيش خالد بن الوليد" المرتبط بتنظيم "داعش" من تحقيق اختراقات بالقرب من الحدود الأردنية تزيد من مخاطره.

اتهم الأردن مرارا من قبل الحكومة السورية وتابعين لها بأنه يدعم بالسلاح قوات تابعة وخاصة "قوات العشائر"، و"قوات شباب السنة" بقيادة أحمد العودة، هذا عدا عن علاقاته الجيدة "بالجيش الحر".

آخر الإشاعات والاتهامات تزويده لهذه القوات بالأسلحة النوعية قبل شهر رمضان استعدادا للمعارك التي اندلعت، بعد أن انتهت اتفاقية خفض التصعيد وأصبحت طي النسيان.

كثيرة هي المعلومات التي تتداول عن المفاوضات السرية التي حدثت بين المعارضة السورية والروس بحضور أردني، أهمها وآخرها أن تسلم قوات المعارضة معبر نصيب للجيش السوري، وتنسحب قوات المعارضة من المناطق المحاذية للمعبر، ويرفع النظام السوري علمه على المعبر، ويضمن فتحه وانسياب البضائع الى الأردن وبالعكس، على أن تأخذ المعارضة السورية 50 في المئة من واردات المعبر، وجرى حديث بعدها عن نسبة 30 في المئة فقط.

لم تنجح هذه الصفقة وفق معلومات مصادرها المعارضة السورية لأكثر من سبب أبرزها؛ رفض رفع العلم السوري، وتسليم أراض للجيش، واختلاف على نسبة الواردات من التبادل التجاري سواء للنظام أو المعارضة.

رغم فشل المفاوضات، فإن اجتماعات لفصائل المعارضة السورية، حسب نفس المصادر، تمت في المنطقة "الحرام" التي تفصل حدود جابر الأردنية عن معبر نصيب السوري بحضور روسي أردني، ودار تفاوض على انسحاب قوات المعارضة السورية شريطة ضمانات روسية بانسحاب القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها 80 كيلومترا عن الحدود الأردنية.

وللمرة الثانية لم تنجح "الصفقة" وانسحبت فصائل المعارضة وأعلنت أنها جاهزة للمعركة بعد عيد الفطر، وتواصلت الجهود الأردنية ـ الروسية عبر خلية الأزمة الأمنية العسكرية لترتيب اتفاق يضمن للأردن فتح معبر نصيب، وعدم دخول اللاجئين لأراضيه، عبر ضغط روسي على النظام السوري لفتح مخيمات سورية في مناطق آمنة، وأربعة ممرات إنسانية لوصول النازحين السوريين إليها، ويعهد الإشراف عليها للهلال الأحمر.

كل هذه المحاولات للوصول الى تسوية أو مصالحة لم تتكلل بالنجاح، واجتاحت القوات السورية بدعم روسي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة ووصلت مشارف معبر نصيب، واستسلم العديد من الفصائل المعارضة والقرى حتى لا تتعرض للسحق.

رغم حرص الأردن على الوصول لتسوية وتجنيب المدنيين المعارك وحمايتهم، فإن ما يهمه أولا أمنه ومصالحه، والخط الأحمر الذي لا يقبله وجود قوات إيرانية أو ميليشيات "حزب الله" قريبا من حدوده، وهو ما أثار غضبه حين تأكد من وجود قوات إيرانية وميليشيات تابعة لها مصاحبة وضمن قوات الجيش السوري، مما أعاد الأمور إلى مربع الصفر، وعادت المعارضة لاستعادة الأراضي التي سيطرت عليها قوات النظام.

التطور اللاحق والمفاجئ عودة جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات، وبواسطة أردنية أيضا. وهذه المرة أسفرت عن تخلي "قوات شباب السنة" عن مدينة بصرى الشام، وتسليمها مع بعض الأسلحة الثقيلة لقوات النظام، التي أصبحت بذلك على مسافة تقل عن ثمانية كليومترات عن الحدود الأردنية.

في الغرف المغلقة، المفاوضات مستمرة وما يرشح عنها من معلومات مؤكدة قليل ونادر، وسط كم هائل من الإشاعات. وعلى الأرض، الأوضاع الميدانية ثبتت عند هذه النقطة منذ يومين، مع استمرار الاشتباكات والقصف، دون أن ينجح أي طرف بتحقيق أي تقدم على حساب الآخر حتى الآن.

الصورة في الجانب الأردني واضحة، رغم ضغط الخارج والداخل، فهو لن يعيد تكرار السيناريو وفتح حدوده للاجئين السوريين الذين بلغ عددهم باعتراف وزير الخارجية أيمن الصفدي 1.3 مليون لاجئ. والطريف في الأمر ما نشرته صحف أردنية بالتزامن مع إغلاق الحدود بأن المجتمع الدولي قدم 7 في المئة من الدعم المقرر وفق خطة الاستجابة للأزمة السورية، فمجموع ما دفع 181 مليون دولار من أصل 2.5 مليار، 59 مليون دفعت للمجتمعات المستضيفة، و125 مليون ذهبت للاجئين على أراضيه، في حين لم تدعم خزينة الدولة.

روسيا والأردن تقودان التسويات.. وعمان تريد فتح معبر نصيب وابتعاد القوات الإيرانية عن حدودها

​​تسعى الحكومة الأردنية لتخفيف ضغط الشارع، لذلك بادر رئيس الحكومة عمر الرزاز الى زيارة الحدود الأردنية ـ السورية وإطلاق حملة وطنية لإغاثة النازحين السوريين، لامتصاص غضب الناس المطالب بفتح الحدود.

حقوقيا وقع الأردن مذكرة تفاهم مع المفوضية السامية للاجئين منذ عام 1998 تنص بنودها "وجوب احترام مبدأ عدم طرد أو رد أي لاجئ يطلب اللجوء للأردن بأي صورة إلى الحدود أو الإقليم حين تكون حياته أو حريته مهددتين".

يدرك الأردن هذا الالتزام، ويضع مخاوفه على طاولة المجتمع الدولي ليسأل عما فعلوه وعن التزاماتهم التي تعهدوا بها للأردن ولم يفوا بها، مما ساهم في تفاقم أزمته الاقتصادية. والأهم لماذا لا تضع الدول الكبرى التي تسيطر على الأرض بسورية خطة لحماية النازحين على أراضيهم وتوفير مخيمات بأماكن آمنة، بدل التهجير القسري للسوريين خارج بلادهم مما يتيح تنفيذ الأجندة الإيرانية بتغيير ديموغرافي؟

اقرأ للكاتب أيضا: بواكير التغيير في الأردن.. تجديد في دماء السلطة

والأخطر للأردن ماذا يضمن ألا يتسلل مئات أو ألوف من الإرهابيين من جيش خالد بن الوليد المرتبطة بـ"داعش" وغيره من التنظيمات المتشددة من بين اللاجئين إلى أراضيه؟

إذن، تطغى المخاوف السياسية والاقتصادية والأمنية على أجندة حقوق الإنسان في الأردن، ويزداد الأمر تعقيدا حين يرى أن دولا كبرى تعصف بمبادئ حقوق الإنسان، ولا تلتزم بها، ولا يسألها أحد، فلماذا الأردن وحده مطالب بالتمسك بحقوق الإنسان وخاصة حقوق اللاجئين؟!

ستشهد الأيام المقبلة تطورات في الملف السوري، فالجيش الإسرائيلي يعلن تعزيز قواته في الجولان، ويعيد التذكير بالأهمية البالغة لاتفاق فك الاشتباك بين دمشق وتل أبيب الذي وقع عام 1974، وعمان تأمل أن يصل الجميع لحل سياسي دون إراقة الدماء، ودفع مئات الألوف إلى حدودها، والأميركيون يتفاهمون مع الروس اللاعب الأقوى، ولا يعرف صورة الحل، ولكن أعتقد أن الجميع خاسر، وخاصة سورية وشعبها!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.