خلال تظاهرة ضد النظام السوري، في بلدة الرفيد عند الحدود السورية ـ الإسرائيلية، تطالب بالحماية الدولية
خلال تظاهرة ضد النظام السوري، في بلدة الرفيد عند الحدود السورية ـ الإسرائيلية، تطالب بالحماية الدولية

بقلم حازم الأمين/

لا شيء مستفز مثل استجابة جمهور الممانعة لنفاق نظاميها في دمشق وفي طهران. ولا شيء يستدعي الخوف على ما تبقى من "فلسطين" أكثر من توظيف هذه القضية العادلة ومن ابتذالها على مذبح قتل الشعوب، على نحو ما فعلت عاصمتا "محور المقاومة". فمنذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات في سورية كان الخطاب أن المستهدف من هذه التظاهرات هو موقع دمشق بصفتها جبهة متقدمة في "المواجهة" مع إسرائيل. واتجهت الوقائع نحو ما اتجهت إليه من مشاهد قتل وإبادة واستعمال للسلاح الكيميائي وتحولت الاحتجاجات إلى تراجيديا وإلى مأساة، إلى أن حانت ساعة الصفقة، فتكشف مرة أخرى، ولكن على نحو أوضح وأبلغ هذه المرة، أن فلسطين في الوعي الممانع ليست سوى كذبة كبيرة، وأن المهمة لا تتعدى إخضاع الناس وقتلهم.

ما جرى في الأسابيع الأخيرة في جنوب سورية لم يعد يقبل التأويل. القتال على الحدود كانت مهمته استدراج إسرائيل إلى منظومة الأمان التي أحاط الروس النظام بها. وهو استدراج لم يتم في غفلة عن طهران، ذاك أن حماية النظام الأقلوي بالنسبة إليها تفوق بأهميتها فلسطين وأهلها.

ما يجري اليوم في جنوب سورية صفحة جديدة في خطاب الممانعة المراوغ

​​لكن من الواجب على خصوم النظام وعلى خصوم طهران أن يعترفوا لهما باحترافية ما أنجزاه طوال السنوات السابقة. فرجال "الممانعة" اشتغلوا على سيناريو والتزموا بخطواته بدقة، ومارسوا لعبة أعصاب على ضفاف بئر لا قعر لها. الغارات الإسرائيلية اليومية التي توقفت فور إنجاز الصفقة، كادت تطيح بالمعادلة التي سعوا إليها. غارات يومية، ومواظبة على الغارات، في مقابل صمت ممانعاتي حولها وقبول بنتائجها بانتظار فرج انتظروه حتى آخر نفس. إلى أن حل موعد الصفقة، وأعلنت صحيفة "هآرتس" عن أن نظام الأسد هو الحليف الجديد لتل أبيب في سياق سعيها لحماية حدودها، وانفرجت أسارير القتلة وتوجه جيش النظام إلى درعا وأقفل الأردن حدوده بوجه اللاجئين.

لم يتفاجأ الجمهور الممانع بتوقف الغارات الإسرائيلية وبالتقدم السلس نحو الهدف في جنوب سورية. لم يسائل أحد أحدا عما جرى، ولم يشعر "الشعب" أن ثمة من خانه. فالـ"شعوب" حين قالت إنها تريد تحرير فلسطين كانت تراوغ وكانت ترغب في أن تنقض على "شعوب" عدوة على نحو ما يجري بين إسرائيل والفلسطينيين.

اقرأ للكاتب أيضا: السلطة لـ'داعش' في الليل

كم يبدو المشهد سافرا، وأصحابه لا يرغبون بالتورية. التقدم نحو درعا يجري برضا إسرائيلي! ثم ماذا؟ السنوات السبع التي أمضاها النظام مقاتلا دفاعا عن "موقعه المتقدم في المواجهة" لم تكن سوى كذبة! ثم ماذا؟ ومن وضع نفسه في موقع المساءلة؟ "الشعب" ليس سوى مردد ببغائي لخطاب الجلاد، والمذهبية كفيلة بتبديد أي تساؤل وشك. ولا بأس بألقاب جديدة تعطى للقائد. فنحن اليوم حيال "الصامد الأكبر" على نحو ما وصف زياد الرحباني سيده بشار الأسد.

فلسطين في الوعي الممانع ليست سوى كذبة كبيرة، وأن المهمة لا تتعدى إخضاع الناس وقتلهم

​​ومثلما هي سافرة قصة الممانعة، سافرة أيضا قصص "ممانعي الممانعة"، فهؤلاء لم يجلبوا إلى سورية سوى الاستتباع واللحى الموازية، ولم يشعروا يوما بأن ما هم في صدده هو بلد ومستقبل أفضل لسورية ولأهلها. غرفة الـ"موك" التي أديرت منها ما كان يسمى بـ"الجبهة الجنوبية" كانت صورة عن ارتهان مطلق لرغبات غير سورية. وما أن حانت الساعة حتى تم بيع الجبهة للنظام مقابل ضمانات لإسرائيل ووعود للأردن وتطمينات لطهران بحصة في مناطق بعيدة عن الجنوب.

الدرس كبير. وهو درس للسوريين من غير نظامهم ومعارضتهم، لكنه أيضا درس للفلسطينيين أيضا. إسرائيل التي "انقضت" على القدس هي نفسها من قبل النظام ومن خلفه طهران بتسوية تحفظ حدودها. سوء التفاهم بين السوريين وفلسطين سيصبح موازيا لسوء التفاهم بين الأخيرين وبين العراقيين، وهو ما كان تأسس على حقيقة انحياز منظمة التحرير الفلسطينية إلى جلاد العراقيين وقاتلهم صدام حسين. واليوم يكرر فلسطينيون كثر الحكاية نفسها مع السوريين.

اقرأ للكاتب أيضا: المباراة كانت بين الأمويين والساسانيين

ما يجري اليوم في جنوب سورية صفحة جديدة في خطاب الممانعة المراوغ. صفحة أشد وضوحا ولا مكان فيها لأي ادعاء. قضت الصفقة بأن توقف إسرائيل غاراتها وأن تتيح لجيش النظام السوري بأن يتقدم في مقابل ابتعاد الإيرانيين عن حدودها.

وبهذا المعنى انكشفت مرة أخرى المهمة الإيرانية في سورية. حماية النظام الأقلوي والمذهبي، ولا شيء آخر. قتل أكثر من نصف مليون سوري في سياق تأدية المهمة. هجر أكثر من ثمانية ملايين منهم أيضا. استدعيت "داعش" وسهلت مهمتها وأعطيت دولة، وفتحت الحدود مع العراق ومع لبنان، ودمرت مدن كبرى، وشيدت مخيمات ضمت ملايين اللاجئين.

فلسطين استحضرت مرة أخرى بصفتها الوجهة وبصفتها القضية، إلى أن حان موعد الصفقة. بشار الأسد هو "الضمانة" على ما قالت هآرتس.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.