سوري يرفع لافتة تطالب بخروج إيران من بلاده (أرشيف)
سوري يرفع لافتة تطالب بخروج إيران من بلاده (أرشيف)

بقلم جويس كرم/

في خضم المفاوضات حول الجنوب السوري وانطلاق معركة درعا مع نزوح أكثر من 270 ألف مدني، تدور في الأروقة السياسية الغربية أسئلة حول إمكانية استقطاب روسيا للمحور العربي ـ الغربي وإقناعها بتقويض نفوذ إيران في سورية.

نظريا، من المنطق أن تكون موسكو ضد التمدد الميليشياوي الإيراني في سورية، وأن تسعى لحماية الركن الأمني للنظام في دمشق، ومراعاة مصالحها الاقتصادية والنفطية مع الدول العربية وإلى حد ما مع الغرب. إنما ميدانيا، تبدو نظرية فصل روسيا عن إيران في المعترك السوري ضربا من الخيال يتجاهل المعطيات على الأرض ويبالغ في قراءة نفوذ موسكو فيما يقلل من حجم الدور الإيراني.

طرد عشرات الآلاف من الميليشيات الموالية لإيران من سورية لن يحصل من خلال زر تحكم تضغطه روسيا

​​أولا، وحتى لو افترضنا أن روسيا تريد التصدي لإيران في سورية، وهذه فرضية غير مؤكدة، فليس لدى موسكو الأدوات الكافية لفعل ذلك. فإيران اليوم موجودة وبكثافة على الأرض، عبر ميليشيات لبنانية وعراقية ومرتزقة من أفغانستان وباكستان والصين. أما روسيا، فلديها عدد قليل من الجنود في قواعد عسكرية، ومتعاقدون من شركة "واغنر" وغيرها، وتعتمد في الغالب على السلاح الجوي وعلى قدرات نظام الأسد العسكرية ومعه إيران وحلفائها على الأرض. من هنا، فإن الحلف الثلاثي بين روسيا والنظام وإيران هو ثابت اليوم كما كان ساعة دخول موسكو الحرب السورية عام 2015.

اقرأ للكاتبة أيضا: خروج المنتخبات العربية من المونديال: أزمة أبعد من روسيا

وهناك اليوم حاجة متبادلة من أطراف هذا التحالف (طهران وموسكو ودمشق) لإنجاز هدفهم الاستراتيجي في سورية بالسيطرة على الجنوب، ربما إدلب بعد ذلك، ومن ثم إخراج اللاعب التركي من الشمال، والأميركي من الشرق. هذا الهدف الميداني هو أكبر من الكلام الإعلامي الذي تبيعه موسكو لواشنطن وتل أبيب حول دور إيجابي لها في إبعاد اللاعب الإيراني عن حدود إسرائيل.

ثانيا، تواجد إيران لن يقتصر على تواجد بعض القوات عند خط 18 كيلومتر من الجولان، بل إن قواتها وميلشياتها متواجدة، وستتواجد، في القصير ودمشق وحمص كما هي في حلب والبوكمال. وأي حديث عن إخراجها من سورية كبند في قمة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين هو وهم لا يمكن ترجمته على الأرض.

من دون قوة عسكرية بديلة قد تكون عربية أو من الداخل السوري، يصعب الحديث عن اخراج إيران وقواتها

​​فروسيا اليوم بحاجة لإيران لتعويم الأسد كما إيران والأسد بحاجة لروسيا لتعويمهما، ولأن موسكو لا تدرس فكرة إرسال قوات لها إلى سورية لاستبدال القوات الموالية لإيران، فلا نفع للكلام الاستهلاكي حول الفصل بينهما. وأثبت تواجد حزب الله في القصير، رغم اعتراض روسيا مؤخرا، أن القرار الأخير هو للبندقية على الأرض وليس للديبلوماسية في قاعات جنيف وقريبا هلسينكي حيث ستعقد قمة ترامب ـ بوتين.

ثالثا، من دون قوة عسكرية بديلة قد تكون عربية أو من الداخل السوري، يصعب الحديث عن اخراج إيران وقواتها. وفيما هناك مؤشرات لإمكانية إرسال قوات عربية أو مدربين عرب إلى سورية، فهي لن تكون لمواجهة إيران بل لحماية بعض المصالح الحيوية والمناطق التي قد تنسحب منها الولايات المتحدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: حرب مفتوحة بين إسرائيل وإيران.. أبعد من الجنوب السوري

وعليه، يمكن القول إن الواقع السوري الحالي مرجح للاستمرارية مع ما يعني ذلك بقاء القوات الموالية لإيران رغم البيانات الثنائية من روسية وأميركا المؤكدة على "التعاون" و"سيادة سورية" من دون أن تكون هناك أدوات لترجمة لذلك. في نفس الوقت، لا تبدو إسرائيل في موقع من ينتظر التفاهم الروسي ـ الأميركي، وهي تتحرك في سورية وكأنها ساحة مفتوحة ضد إيران سواء في دمشق أو قرب الجولان أو في البوكمال.

إعادة الساعة إلى الوراء في سورية بطرد عشرات الآلاف من الميليشيات الموالية لإيران ليس بهذه السهولة ولن يحصل من خلال زر تحكم تضغطه روسيا. ومن دون مقاربة شاملة تتصدى لهذا النفوذ على الأرض عسكريا وسياسيا واقتصاديا، يبقى الجدل في دائرة المعمعة الأميركية ـ الروسية لحماية مصالحهما وتنفيذ خطوات الحد الأدنى في الداخل السوري.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.