نفايات لفظها البحر إلى شاطئ الضبية، شمال بيروت (أرشيف)
نفايات لفظها البحر إلى شاطئ الضبية، شمال بيروت (أرشيف)

بقلم فارس خشّان/

أبلغني صديقي أنه سيتوجه في منتصف تموز/يوليو الجاري مع عائلته إلى جزيرة قبرص المتوسطية، لقضاء أسبوع على شواطئها.

أثار الخبر استغرابي، إذ كيف يعقل لمن يسكن في مدينة البترون اللبنانية البحرية أن يفكر بسياحة إلى مكان شبيه كليا بمكان مسكنه الكلاسيكي، فيتكبد تكاليف السفر والإقامة السياحية، ليحصد النتيجة نفسها!

بالنسبة لصديقي المسألة بسيطة، قد لا يفهمها من لا يحتك بالتفاصيل الصغيرة فيذهب فكره دائما إلى المعايير العامة، وبناء عليه أوضح لي خلفية توجهه؛ فهو وزوجته وأبناؤه يحبون السباحة في مياه البحر، وهذا غير ممكن في بحر لبنان نظرا لنسبة التلوث التي تجعله خطرا صحيا، ولذلك فهو وإن كان مقيما في مدينة شاطئية عريقة إلا أنه فعليا محروم وعائلته من مزاياها بسبب تلوث، تكثر الدراسات الجدية عنه، ويغيب كل فعل ملموس عن معالجته.

في لبنان، حيث البيئة تموت وتقتل، تعهد وزارة البيئة كمكافأة إلى شخص موال في سياق لعبة الأحجام

​​وتأكيدا على ما يقوله، قرأ لي ما ورد في أكثر من دراسة عن وضعية مياه البحر في لبنان، مركزا على مياه بحر البترون التي تعتبر "جيدة" بالمقارنة مع غيرها، حيث يتضح الآتي: "نسبة عالية من التلوث الكيميائي والتلوث بالمعادن الثقيلة التي تسبب الأمراض المعوية والجلدية".

وكم من لبناني يعينه عمله على حفظ بعض المال، حاله مثل حال صديقي البتروني؟

كثر هم!

يكفي النظر إلى المشاركين في البرامج السياحية إلى البلدان المتوسطية الشبيهة بلبنان حتى تتضح النسبة العالية.

اقرأ للكاتب أيضا: السياسة اللبنانية و... الترهيب

ومن الواضح أن لسان حال هؤلاء كلسان حال صديقي، الخلفية الأساسية نفسها.

وهكذا، بدل أن تكون البلدات اللبنانية جاذبة للسياح في الصيف، وتاليا للعملات الأجنبية وللازدهار الاجتماعي، تجدها مصدرة لهم ولمحفظتهم المالية ولوظيفتهم الاقتصادية.

وإذا ما جرى وضع هذه النفقات على ميزان المصرف المركزي في لبنان يمكن قياس حجم تراكماتها السلبية.

ففي آخر هندسة مالية أجراها "مصرف لبنان" بهدف توفير العملة النادرة دفع فائدة ضخمة لكل شخص يودع في المصارف اللبنانية مبالغ يملكها في المصارف الخارجية.

وهذا يعني أن المبالغ التي ينفقها اللبنانيون، في المدن السياحية الشبيهة بلبنان، لا تقاس بحجمها الكبير فقط إنما تضاف إليها الفوائد التي دفعها مصرف لبنان لتوفيرها من جهة أولى، والفوائد التي سوف يصرفها لاحقا لتعويضها من جهة ثانية.

بطبيعة الحال، ليس في استعراض هذه الحالة أي تلميح يعادي حق اللبناني بالتمتع بالسياحة أينما يحلو له، إنما هو مساهمة متواضعة في فهم كلفة واحدة من جزئيات ملف التلوث ـ وفي حالتنا هذه تلوث مياه البحر ـ على الاقتصاد اللبناني الذي يئِن ويتحشرج، باعتراف كبار المسؤولين.

ولكن من الواضح أن الدولة اللبنانية، بكل متفرعاتها، تهمل هذا الملف الذي يلحق الأذى الاقتصادي والمالي بالبلاد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يجري تهميش وزارة البيئة، المفترض أن تكون المعنية الأولى بملف التلوث بكل مندرجاته، واعتبارها "فك مشكل" في عملية الصراع على الحصص في الحكومات، بدل أن يتم التعاطي معها على أساس أنها وزارة معنية بملف إنقاذي كبير وبالتالي وجوب اعتبارها من أهم الوزارات اللبنانية على الإطلاق ومعنية بقضايا ممنوع تسويفها.

وبالمقارنة مع فرنسا، مثلا، فإن العيون تبقى شاخصة على الشخصية التي يتم اختيارها لتولي وزارة البيئة على اعتبار أنها من أهم الوزارات على الإطلاق نظرا لما يرتبط بها من مشاكل تعنى مباشرة بمصلحة المواطن. ولهذا، فإن النظرة إلى الحكومة تنطلق من قيمة الشخصية التي تتولى وزارة البيئة.

من الواضح أن الدولة اللبنانية، بكل متفرعاتها، تهمل الملف البيئي الذي يلحق الأذى الاقتصادي والمالي بالبلاد

​​في لبنان، حيث البيئة تموت وتقتل، تعهد وزارة البيئة كمكافأة إلى شخص موال في سياق لعبة الأحجام من دون أي اعتبار للتحديات وللواجبات وللمتطلبات وللأهداف.

إن الانكباب على إجراء دراسة حقيقية وموضوعية عن تأثير التلوث على الاقتصاد اللبناني، كما يجري في كل الدول التي تطمح أن تبقى على قيد الحياة، يمكنه أن يظهر حجم الخطر الحقيقي على لبنان. فالمسألة هنا، لأتباع مذهب القوة في العالم الثالث، ليست رومنسية لها علاقة سواء بالشجرة ورونقها أم بالرمال وجاذبيتها أم بالصخور وصلابتها أم بالمياه وينابيعها، بل لها علاقة مباشرة ولصيقة بقوة الدولة واقتصادها وماليتها ووظائفها وجاذبيتها.

اقرأ للكاتب أيضا: الغائب الأكبر في لبنان

إن إعلان حالة طوارئ بيئية وتسليم حقيبة البيئة إلى صاحب اختصاص خارج الاصطفاف السياسي وتوفير القدرات اللازمة لها، من شأنه أن يوفر مبالغ طائلة ويؤمن نشاطا اقتصاديا كبيرا ويخفف من أعباء اجتماعية هائلة.

ولا يخطئ أبدا من يعرب عن قناعته بأن أحد أخطر أوجه الفساد يتجسد في إهمال التلوث وبأن تهديم وطن لا يكون فقط بالحرب، إنما يكون أيضا بتخريب البيئة.

وحتى تلك الساعة، هنيئا لشواطئ البحر الأبيض المتوسط بأبناء ضفتها اللبنانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.