عملية إنقاد عدد من اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط
عملية إنقاد عدد من اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط

بقلم كوليت بهنا/

قبل أيام، كانت عدسة إحدى المحطات الغربية تنقل بثا حيا لعملية إنقاذ مركب للاجئين من الغرق قبالة شواطئ مالطا. كان جميع اللاجئين في القارب سمر البشرة ومن أصول إفريقية على الأغلب، صامتين إثر الصدمة التي تعرضوا لها، وبدوا بستر النجاة البرتقالية مثل سلة من كرات البرتقال العائم والبائس.

حدث ذلك، في الوقت الذي أعلنت فيه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في تقريرها السنوي الصادر في شهر حزيران/يونيو الفائت أن عدد اللاجئين في العالم بلغ رقما قياسيا عام 2017 إذ وصل إلى 65 مليون شخص، أي بمعدل شخص واحد كل ثانيتين، بينما بلغ عدد النازحين داخل بلدانهم 40 مليونا، ليكون المجموع أكثر من مئة مليون إنسان هرب من أرضه لأسباب مختلفة مروعة في غالبيتها.

يمكن إنقاذ هذا العالم لو توفرت الإرادة، لكن على ما يبدو ستظل معطلة إلى أجل غير معلوم

​​الأرقام مرعبة، لكن الأشد رعبا هو تخيل تلك اللحظات المضنية التي يعيشها هؤلاء اللاجئون في معاناة الهروب عبر البحر أو البر، وبخاصة إذا كنت مرتبطا معنويا وأخلاقيا بالحدث وفي قلبه إثر اضطرار الملايين من أبناء الشعب السوري المرور بهذه المأساة بعد عام 2011، إضافة إلى تخيل حجم الألم وتحطم آمال الفارين حين يتم التقاطهم وإعادتهم من حيث جاؤوا، أي إعادتهم إلى الجحيم.

يعتقد جميع الفارين أن الدول التي يلجؤون إليها هي الجنة الموعودة؛ تشكل الدول الأوربية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا غالبية الدول المستقبلة للمهاجرين، وإن أردنا أن نقارن هذه البلاد بالبؤس السياسي والأمني والاقتصادي والفكري والثقافي والديني والصحي والإنساني والمعيشي وحقوق الإنسان وحتى حقوق الحيوان في البلدان التي فر من المهاجرون، فلا شك أن الدول المستقبلة هي الجنة الموعودة.

اقرأ للكاتبة أيضا: المونديال.. تماهي السياسي بالرياضي

لكن سرعان ما تخيب أحلامهم وتصوراتهم حال وصولهم وزجهم في مخيمات أو معسكرات مؤقتة. يكتشفون أنها بلاد عظيمة ومتقدمة وجميلة لكنها صارمة للغاية في قوانينها التي لا تحابي أحدا. الجميع فيها مواطنون متساوون أمام القانون. يقضي هؤلاء اللاجئون سنواتهم الأولى بصعوبة شديدة وهم يحاولون التأقلم والانصياع للقوانين بعد أن اعتادوا على مراوغتها والتهرب منها في بلادهم. يكتشفون صعوبة العثور على فرص عمل في هذه البلاد إضافة إلى غلاء المعيشة، فيعتريهم بعض الندم والحنين لبلادهم البائسة مجددا.

لكن مع مرور الزمن يندمج المهاجرون، وخصوصا الأطفال وبسرعة فائقة ويلتقطون بذكاء ونباهة نبض هذه البلاد. تتبدد مصاعب الحياة تدريجيا، ويعيد الكبار حساباتهم ليكتشفوا بعد حين أنهم فعلا لجأوا إلى الجنة، التي إن أردنا أن نعرفها باختصار هي البلاد التي تنعم بها بحريتك وكرامتك وحقوقك، بلاد المواطنة المتساوية ودولة القانون السامي.

يعتقد جميع الفارين أن الدول التي يلجؤون إليها هي الجنة الموعودة

​​فإن كانت هذه هي الجنة التي يحلم بها، أو بالأصح يستحقها، كل إنسان؛ فلماذا يتعثر تحقيق شروطها في معظم بلاد العالم المنكوبة التي يهرب منها شخص كل ثانيتين؟ الجواب واضح وجلي، وتدرك والأمم المتحدة، التي دقت ناقوس الخطر بسبب عدد اللاجئين الكبير وارتعدت فرائصها وتطالب بإلحاح اعتماد اتفاقيات دولية جديدة بشأن اللاجئين، تدرك جيدا وقبل غيرها أن أول الحلول هي السلام والتنمية.

اقرأ للكاتبة أيضا: الثنائيات في الحياة

وهنا تتحمل الأمم المتحدة مسؤولية كبيرة. فإذا استمرت في قرارتها الضعيفة، وبخاصة في السنوات الأخيرة، وبغض الطرف عن طوفان التسلح وعن دول تقتل شعوبها أو شعوبا أخرى، أو تحابي أنظمة سياسية أو طائفية أو ديكتاتورية ينهب المتنفذون فيها الأخضر واليابس في بلادهم الغنية غالبا بالثروات ويعيقون التنمية تحت ذرائع مختلفة، أو تكتفي بالتعبير عن قلقها البالغ من حين إلى آخر، فمن غير المستبعد أن يرتفع قريبا عدد اللاجئين إلى معدل عشرة أشخاص كل ثانية. وهو ما سيضع الدول المستقبلة في أزمة حقيقية، بحيث تقل نسبة سكانها الأصلية من نسبة المقيمين، ويرتفع خطاب العنصرية تجاه اللاجئين، وهو ما نشهده اليوم في العديد من الدول التي تستقبل العدد الأكبر من لاجئي العالم، الذين إن سألتهم إن كانوا يرغبون بالعودة لبلادهم في حال تغيرت أحوالها، يجيب غالبيتهم بالنفي بعد أن ذاقوا عسل الحريات وكرامة الإنسان، خصوصا أنهم يقولون إن لا ثقة لديهم بأن الأحوال ستتغير في بلادهم ولا حتى بعد مئة عام.

الوطن حبيب ولا أحد يرغب بمغادرته إلا مضطرا. لا أحد يتمنى أن يعيش تجربة الفرار المرّة أو يظهر على شاشات التلفزة كبرتقالة عائمة وبائسة. يمكن إنقاذ هذا العالم لو توفرت الإرادة، لكن على ما يبدو ستظل معطلة إلى أجل غير معلوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.