تظاهرة في بيروت ضد العنصرية تجاه العمال الأجانب (أرشيف)
تظاهرة في بيروت ضد العنصرية تجاه العمال الأجانب (أرشيف)

بقلم عبد الحفيظ شرف/

تعيش مجتمعاتنا العربية تحت ظل وهم كبير اسمه الخيرية، وعلى أطلال إنجازات التاريخ الذي يعتبره كثيرون تاريخا عظيما مليئا بالخير والحضارة. لكن عندما تلقي نظرة على حال مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تجد أنها في حال سيء يرثى لها، فتستغرب كيف يكون هذا هو الحال بينما العقل الجمعي للمجتمع يعتبر أننا خير أمة أخرجت للناس، وأن كل أمم الأرض تتآمر علينا لأننا الأفضل. فهل هذا صحيح؟ أم أنه محاولة للتصالح مع النفس دون الاعتراف بالحقيقة؟ وهو ما يعرف بالإنكار وهي مرحلة نفسية تمر بها المجتمعات قبيل الاعتراف بحقيقة الأمر.

كلنا يعرف حديث رسول الله محمد بأن لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. تتفاخر مجتمعاتنا بهذا الخلق العظيم الذي دعا إليه الإسلام ووضع من خلاله أحد أسس العدالة الاجتماعية، لكن عندما تنزل إلى أرض الواقع تجد أبشع أنواع العنصرية ضد العمالة الأعجمية في دول الخليج خصوصا. يعيش هؤلاء العمال في أسوأ الظروف وتستخدم ضدهم كل المصطلحات البذيئة ويضربون ويهانون في كثير من الأحيان. وهذه المشكلة قائمة حتى مع العرب في تلك البلاد، وكثير من القوانين تعزز هذه التفرقة العنصرية بشكل أو بآخر. وعندما تناقش هذا الموضوع تجد الإنسان العنصري نفسه يكرر لك حديث رسول الله المذكور أعلاه. يزداد تعجبك أكثر، فكيف لهذا الإنسان الذي يعرف تماما أن العنصرية هي أمر سيء ويعزز معرفته بخطاب ديني، إلا أنه لا يطبق منه شيئا بل ويناقضه في تصرفاته. وإذا ما سألت مجموعة من الناس، ستتفاجأ بحجم الإنكار لهذه الآفة.

المريض الذي لا يعترف بمرضه لن يسعى للعلاج وقد يسبب إنكاره وعدم اعترافه إلى تشخيص خاطئ لمرضه

​​كلنا يعرف أن رسول الله لم يدع على غير المسلمين إلا بالهداية. وعندما دعا مرة واحدة على بعض أعدائه ممن آذوه بسلاطة ألسنتهم نزلت الآية الكريمة (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)، وهذه آية واضحة صريحة بأن الأمر لله وحساب الناس على خالقهم وأننا لسنا وكلاء الله على خلقه. رغم ذلك، فإذا ما جلت على مساجد الحي أو المدينة التي تسكن فيها عزيزي القارئ فستجد أن أغلب الأئمة يدعون على اليهود والنصارى بأدعية ما أنزل الله بها من سلطان. يدعون عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور وما إلى ذلك مما يسميه الفقهاء ورجال الدين بالاعتداء في الدعاء، وتحدث عنه الكثير من علماء الإسلام وحرموه ولكن تجد أغلب المتدينين هم أول من يدعون بهذه الأدعية وإذا ما سألت مجتمعك الضيق فلن تجد اعترافا بهذه المشكلة كذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: احتلال عسكري يوازيه احتلال فكري (2)

لننتقل إلى مجال آخر؛ ينتشر مرض الاكتئاب وكثير من الأمراض النفسية الأخرى في مجتمعاتنا بكثرة، وبحكم كوني طبيبا، أعرف تماما مدى انتشار هذه الأمراض. لكننا نفتقد الإحصاءات الدقيقة. لا يوجد أرقام دقيقة تتحدث عن أعداد المكتئبين والأدوية التي تصرف لهم للعلاج، بل تجد إنكارا شديدا في مجتمعاتنا لانتشار هذا المرض، بل يخجل الإنسان المكتئب من ذكر ذلك حتى أمام طبيبه الخاص. هذا النفي لا يلغي انتشار المرض بشكل كبير مثل باقي المجتمعات الغربية الأخرى. وعندما تسأل عينة من المجتمع عن الأمر فسيقولون إن الإسلام دين عظيم وإن الاكتئاب منتشر في الغرب لأن لديهم فراغا روحيا إيمانيا وإن مجتمعنا محصن وبقوة من هذه الآفة. الواقع يقول عكس ذلك، لا تختلف نسب انتشار الإحباط كثيرا بين بلداننا والغرب، بل إن ما يختلف هو وجود مراكز إحصاء في الغرب تنشر أرقاما علمية دقيقة، بينما ننكر نحن وجود الاكتئاب.

نحن مجتمعات تخجل من الاعتراف بعيوبها وأخطائها وتحاول دائما تجميلها

​​تدعو تعاليم الإسلام إلى الصدق والمحبة والأمانة وإلى حسن العمل وإتقانه، ثم تنزل إلى أرض الواقع لتجد أن أغلب أبناء المجتمع يكذبون على بعضهم البعض وستتفاجأ أن الأمانة أصبحت عملة نادرة في مجتمعاتنا، وحدث ولا حرج عن إتقان العمل لأنك لن تجده إلا قليلا فالكل يسعى لأقل عمل وجهد ممكن وسترى هذا جليا في أي دائرة حكومية في الوطن العربي. وإذا ما سألت عينة من مجتمعك سؤالا بسيطا حول سبب انتشار هذه القيم في الغرب وغيابها في عالمنا العربي والإسلامي؟ سيأتي الجواب إما بتخوينك، أو جملة أنك مفتون بالغرب وهذا كله مجرد قناع ليخدعوك حتى تميل إليهم وتبتعد عن جذورك وأصولك العربية والإسلامية وأنها محاولة لتشويه الإسلام والمسلمين. هذا أحد أشكال الإنكار.

اقرأ للكاتب أيضا: جديد بشار الأسد

تعمدت نقل أمثلة متعددة من جوانب حياتية مختلفة لإظهار أننا مجتمعات تخجل من الاعتراف بعيوبها وأخطائها، وأننا نحاول دائما تجميلها والتغاضي عنها ونبادر إلى اتهام الآخر المختلف بهذه العيوب والأخطاء كوسيلة من وسائل الإنكار.

لكن هل هذا صحي؟ لا أعتقد ذلك، فالمريض الذي لا يعترف بمرضه لن يسعى للعلاج وقد يسبب إنكاره وعدم اعترافه إلى تشخيص خاطئ لمرضه، وإذا ما أجبر على العلاج فلن يتقبله ولن تكون لديه القدرة والعزيمة والهمة العالية والروح القوية، وهذه كلها عوامل مساعدة ستساعده على تخطي هذه المرحلة الصعبة. يبدأ علاج النزيف بوضع الإصبع عليه والضغط بقوة لتخفيف حدة النزيف وبدء مرحلة العلاج والالتئام.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.