باءت الدعاية عن عودة اللاجئين الوشيكة من لبنان إلى سورية بالفشل لأن من عاد منهم لم يكن سوى بضعة مئات
باءت الدعاية عن عودة اللاجئين الوشيكة من لبنان إلى سورية بالفشل لأن من عاد منهم لم يكن سوى بضعة مئات

بقلم منى فياض/

اللجوء أو النزوح أو الهجرة، أو أي تسمية شئنا، يعني الآن التشرد في العراء والارتماء في أحضان البحر هربا من جحيم بلدان العالم الثالث. تتناسل وتتضخم هذه الظاهرة مثل وباء يمكن تسميته "الرغبة بالهرب" أو "الطفشان". يجمع الباحثون أن هذه الظاهرة ستكون أحد أهم مشاكل الألفية الثالثة وأحد أهم المظاهر التي أفرزتها العولمة بوجهيها: توحش الرأسمال عابر القارات والعنف والقتل المتفلتين من كل عقال.

عندما يرى الشاب، بأم عينيه وفي كل حين، كيف يعيش "المواطن" محترما في بلدان العالم الأول فيما يعلق بين فكي البؤس والقتل، سيركب بالطبع أمواج البحر حتى ولو كان هناك موت آخر محتمل بالانتظار. كل هذا على أمل الوصول إلى الشاطئ المقابل بعيدا عما يفترض أنه الوطن. وكلما غفلنا عن أمر هؤلاء الهاربين، فستعيد تذكيرنا بهم حادثة كـ"الأكواريوس" التي حملت 630 مهاجرا ضاقت بهم أوروبا على امتدادها بسبب قوانينها غير المهيأة لهذه الظاهرة المستجدة ولعجز دول الاتحاد الأوروبي عن التنسيق فيما بينها. وهذا حديث آخر.

يعتبر الأوروبيون هذه الظاهرة، التي تطال عشرات الآلاف ممن يرتمون في البحر أو يهيمون على وجوههم في البراري والجبال كما حصل في الشتاء الماضي في جبال لبنان المحاذية لسورية حيث تجمد وقضى عشرات الأشخاص في الصقيع، هروبا من جحيم الحرب الأهلية وذلك في نوع من التسامح مع الذات! ففي سورية "حرب أهلية" على ما يبدو! فذلك أجدر بطمأنة الضمائر وإبعاد المسؤولية عن الدول الكبرى لاستمرار حروب احتلال سورية أو تجارة الموت العالمية واسمها التقني "تجارة السلاح".

المحفزات والمساعدات التي يغري بها الأوروبيون الدول المنكوبة كلبنان والأردن ليست إلا مورفين لمريض السرطان

​​غريب أمر هذه الدول، ألم يكن أرخص وأقل كلفة وأكثر احتشاما وحفظا للحياة الإنسانية وكرامتها أن يبذل مثل هذا الجهد لإيقاف الحرب بدل الأزمة المتفاقمة على جميع الأصعدة!

الأوروبيون مصابون بالذعر من اجتياح "المهاجرين" لساحتهم وملعبهم (الملفت عدم استخدامهم صفة اللاجئين هناك وتخصيصنا بها)، فتتهدد حكومات وتستعيد تيارات اليمين العنصرية مجدها تحت تسمية مخففة كـ"الشعبوية"، تهربا من الذاكرة النازية. تعقد المؤتمرات وتصدر القرارات وتزدحم الزيارات لاحتواء مفاعيل داء العصر، إما بإبقائهم في الأمكنة البعيدة عنهم، أو احتجازهم في معسكرات انتظار عند نجاحهم بالوصول إلى الجنة الأوروبية!

اقرأ للكاتبة أيضا: الفساد والاقتصاد الموازي: دعامتا الاستبداد والهيمنة

لكن أوروبا التي تضيق بمليون ونصف نازح/ مهاجر، ترتئي أن على بلد مثل لبنان أن يستوعب عددا يزيد عن ذلك! في إشارة ضمنية إلى أن "الثقافة المتجانسة" تساعد على الاندماج. لكن ربما يصح هذا الافتراض في الحالة التركية، فمليونان أو ثلاثة ملايين نازح يمكن استيعابهم في إطار هذا المفهوم في بلد تعداده يقارب الـ 80 مليون نسمة. لكن مهما فعلنا لن يكون ممكنا للبنان أو للأردن النجاة من مفاعيل هذه النسب التي تقارب نصف عدد السكان (أكثر للبنان وأقل للأردن).

وأمام حجم المشكلة، لم يجد وزير خارجيتنا (جبران باسيل) سوى مفوضية اللاجئين كممثل للحكومات الغربية ليهاجمها، وهي التي تميل حقا إلى تخفيف المشكلة، في وقت أن الحكومة اللبنانية مقصرة بحق اللبنانيين قبل السوريين. وتصبح المشكلة في التسمية؛ ويثور الجدل حول مفهومي لاجئ ونازح، فتعتبر الأمم المتحدة أنهم "لاجئون" بما يترتب عن ذلك من حقوق، فيما تصر الحكومة اللبنانية على تسميتهم بـ"نازحين".

اللافت هو أن الأدبيات الغربية تستعمل كلمة مهاجر (immigré) لوصف الأشخاص الهاربين إليها، وهم لن يصبحوا لاجئين (refugié) إلا بعد أن تقبل بهم الدولة المضيفة بهذه الصفة، وإلا سيظلون مهاجرين على متن السفن أو الزوارق أو محاصرين في مخيمات، ومصدر صراع دائم بين الدول وتهديد للمجتمعات.

ينتقل الأشخاص بين لبنان، المعروفة أوضاعه وانقساماته ومشاكله، وسورية من دون جوازات سفر أو فيزا سوى إبراز بطاقة الهوية؛ وفي بداية الأزمة عبر إليه مئات آلاف النازحين الذين بدأوا بالتوافد بعد أن تسبب حزب الله بتهجيرهم إثر احتلاله لمدينة القصير. ظلت المشكلة غائبة عن سمع المسؤولين، حتى ما قبل عامين، ربما للتقليل من حجم مسؤولية الحزب. ولم يقم لبنان الرسمي بأي تدبير لمواجهة المشكلة أو لتخصيص أماكن أو مخيمات للنازحين. وفجأة بدأ الحديث عن مشكلة الأعداد الفائضة منهم المتواجدين على الأرض اللبنانية من دون أي رقابة إلى أن بلغ تعدادهم ما يعادل نصف عدد السكان، في سابقة عالمية أولى من نوعها. ولم يحرك المسؤولون اللبنانيون ساكنا إلا عندما احتاجوا إلى تبادل العلاقات مع نظام الأسد.

لكن بروفة هذه العودة التي جرت في بلدة عرسال (عند الحدود اللبنانية ـ السورية) قبل أيام، بينت أن المسؤول عن التهجير ـ عدا القتل طبعا ـ ومن يمنع عودتهم هو النظام نفسه الذي يتهرب المسؤولين اللبنانيين من إدانته من أجل التصويب على الأمم المتحدة ومفوضية شؤون اللاجئين التابعة لها. لكن سرعان ما باءت الدعاية عن عودة اللاجئين الوشيكة بالفشل لأن من عاد منهم لم يكن سوى بضعة مئات ومع ذلك ينتقي نظام الأسد من بينهم من يحق له العودة ومن لا يحق، بعد أن مهد لاعتبارهم أجانب في بلدهم مع القانون الشهير رقم 10.

وبحسب الصحف: "انخفض عدد النازحين العائدين إلى القلمون الغربي في سورية من مخيمات بلدة عرسال اللبنانية من 400 نازح أعلن أن القافلة الأولى ستشملهم، إلى أقل من 300 نازح". وقال رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري لجريدة "الحياة": "إن السبب أن الموافقة السورية لم تشمل أسماء عائلات أشخاص، ففضل هؤلاء انتظار الموافقة السورية على بقية أفراد العائلة للعودة إلى الداخل السوري".

وأمام كل هذا التكاذب، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، كيف يفترض أن تعالج مشاكل الهجرة المتزايدة والتي تقلق العالم الأول وتقض مضاجعه؟ أليس بإيقاف الحرب؟ لكن ذلك سيعطل صفقات الأسلحة وسيكدر صفو الأنظمة الاستبدادية!

أمام حجم المشكلة، لم يجد وزير خارجيتنا (جبران باسيل) سوى مفوضية اللاجئين كممثل للحكومات الغربية ليهاجمها

​​عدم إيقاف الحرب، سيبقي الهجرة مشكلة لا تهدد الأمن الوطني لدول الجوار الأقرب فحسب، بل الغرب والعالم بمجمله وسيكون لها آثارا وخيمة على مكتسبات الحقوق المواطنية وقيم الثورة الفرنسية. وفي هذا السياق كتب مارسيل غوشيه: "ضغط الهجرة سيثير اضطراب الأفق الأوروبي، والدول الأخرى المعنية، لعقود قادمة". فالتناقض، الذي يكبر، بين المهاجرين والشعوب الأوروبية يبرر دائما بالاختلاف.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، قادArthur de Gobineauهذا المفهوم الذي اخترع مفهوم "العرقية"، فالشك بإمكانية العيش المشترك مع الغرباء، هؤلاء الذين يترافق تنوعهم العرقي مع تنافر الثقافات antagonism. ويعتبر كلود ليفي ستراوس، أن الاختلاف يعبر عن نفسه بالضغط الذي يدعو إلى الافتراق والمغادرة. هذا الموقف في جعل الاختلاف جوهرانيا، يمكنه أن يبلغ حد وضع المكتسبات الحضارية، من مفاهيم الحقوق التي اخترعتها روما وصولا إلى الاختراع الفرنسي للمفهوم المثلث الوجودي والأيديولوجي: "حرية، مساواة وأخوة"، موضع تساؤل.

اقرأ للكاتبة أيضا: التشيع الإيراني بنكهته الفارسية السلطانية

ويعتبر الجميع أن لبنان العيش المشترك، والذي يعرف ببلد لجوء للأقليات التي عمرته، معتاد على الهجرة واللجوء على مر السنين. لكن هذه أفكار مسبقة ومغلوطة تحتاج إلى إعادة نظر. أولا لا يمكن مقارنة الهجرات التاريخية السابقة بما يجري حاليا؛ فلا الدولة الوطنية كانت معروفة، ولا الحدود كانت موجودة ولا القوانين التي نعرفها الآن. ثانيا، لماذا الاستنتاج السهل أن تلك الهجرات كانت تمر دون صراعات وعنف؟ ولو أن الأمر كذلك لما جهد مؤسسو لبنان الأوائل في التشديد على العيش المشترك والتسامح. لا نؤكد على ما هو بديهي وموجود. إن الحرص على التأكيد على هذه المسائل تضمر وتخفي معاناة طويلة من غيابها.

ناهيك عن النزاعات التي نشأت بعد نشوء الدولة الوطنية بين مواطني لبنان وسورية بسبب اختلاف الأنظمة والاقتصادات وبسبب الهيمنة وغيرها من التفاعلات الحديثة المعروفة. لكل ذلك تداعيات سلبية مشابهة لما يجري في الغرب لجهة الاندماج، ما يؤثر على العلاقة بين الضيف والمضيف. هذا دون أن ننسى أننا لو افترضنا أن الهجرات القديمة كانت بهذه الكثافة الضاغطة، فلم تكن تحصل في منطقة جغرافية ضيقة ومحدودة، بسبب غياب الحدود تحديدا وقدرة الناس على التجول إلى أن يجدوا المنطقة المناسبة لهم.

من هنا إن المحفزات والمساعدات التي يغري بها الأوروبيون الدول المنكوبة كلبنان والأردن ليست إلا مورفين لمريض السرطان.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟