يقبلان حية
يقبلان حية

بقلم رياض عصمت/

للطبيعة أسرارها، وأهم تلك الأسرار هو التوازن البيئي، الأمر الذي لا يدركه العقل إلا بعد طول تمحيص وتأمل. كانت الأفعى في طفولتنا ـ نحن أهل المدينة ـ تعتبر من الزواحف المخيفة، لأننا لم نعتد تواجدها، فكنا نخشى أذاها. أذكر أن عمي وعماتي حين أقاموا في بيت ريفي حذرونا من إيذاء الأفعى أو أولادها الصغار، لأنها تحقد على المؤذي وتصمم على الانتقام منه. أكدوا لنا أن الأفاعي لا تهاجم إلا من يهاجمها، اللهم إلا إذا داس عليها المرء ليلا بمحض الصدفة، أو كانت من الحيات التي تعيش وسط القش. ربما كان هذا ما خلق مصطلح "حية التبن" من قبيل الذم لتشبيه من يظهر عكس ما يبطن، سواء كان المقصود رجلا أم امرأة. في الواقع، تتباين المواقف من الأفاعي حسب تجارب البشر، فهناك من تثير لديه رعبا وهلعا، وهناك من يأنس لها ولا يخشاها، بل يعتبرها فألا حسنا. لذلك، فإن "برج الحية" ضمن الأبراج الصينية واليابانية برج يتسم بعديد من الصفات الجيدة، بحيث يسعد من يقترن بشخص مولود في برج الحية.

في سني اليفاعة، عندما كان الواحد منا يرغب أن يستأثر بالكلام، كان بعض أصحابنا يحتج على ثرثرته قائلين: "أتريد أن تحكي لنا حكاية الحية؟" كان المقصود من تعبير "حكاية الحية" القصص التي لا تنتهي ولا ينضب معينها، لأن كل شخص يملك ذكريات خصبة عن الأفاعي.

ربما ظللت أحمل تلك الذكرى من الطفولة لتلهمني عندما نضجت أن أؤلف مسلسلا تلفزيونيا عنوانه "جلد الأفعى"، لأنه من المعروف من ناحية أن حكايات الأفاعي لا تنتهي بما تحويه من تشويق وإثارة، ولأنه من المعروف من ناحية أخرى أن الأفعى تخلع جلدها لتولد بجلد جديد تحت الحراشف والقشور الزائدة، لكن لدغتها السامة لا تتغير. لكن ليست كل الأفاعي سامة، وليس كل سلوكها غدرا.

​​أذكر ذات مرة أن أصغر أبنائي ألح علي أن أصطحبه إلى حديقة أفاع في مدينة "بندي" قرب العاصمة الباكستانية "إسلام أباد" كي ألتقط له بكاميرتي صورة وهو يلمس أفعى. وافقت على مضض، واصطحبته آملا أن يغير رأيه حين يصل إلى المكان. ما أن أخرج الرجل في تلك الحديقة من كيس أفعى ضخمة مرقطة، حتى انتابني الفزع القديم لمنظرها، وسألت ولدي الصغير: "أما زلت تود أن تلمسها؟" لدهشتي الشديدة، هزّ برأسه في إصرار وأجابني بجرأة غبطته عليها: "نعم". لم ينتظر موافقتي، بل مشى بخطوات ثابته ولمس الأفعى الضخمة التي وضعها الرجل الباكستاني على منضدة خشبية، فالتقطت له الصورة التي أراد.

اقرأ للكاتب أيضا: نعمة الكبرياء ونقمة الغرور

عاد ابني بخطوات مزهوة وهو يرمقني بنظرة جريئة جعلتني أتحامل على نفسي وأصمم على ألا يعتبرني جبانا. اتجهت متجلدا إلى النضد الخشبي، وتجرأت أن ألمس تلك الأفعى السوداء. في الحقيقة، ما أن لمستها حتى زال خوفي تماما، بل استمتعت بملمس عضلاتها القوية، وداعبتها كمن يداعب قطا أو كلبا أليفا. فيما بعد، ازدادت جرأة ولدي، فدأب على لمس جميع أنواع المخلوقات في حديقة حيوان زرناها في ماليزيا، فالتقطت له صورة وهو يحمل أفعى عملاقه على كتفيه، ولم يتورع عن ملامسة نوع من السحالي الضخمة من طراز يشبه الإيغوانا، كما لم يبد خوفا عندما حمله فيل بخرطومه ورفعه إلى الأعلى في الهواء.

تذكرني كثير من مجريات السياسة الراهنة في عصرنا بحكايات الأفاعي المتعددة

روى لي صديق أميركي مقيم في ولاية نورث كارولاينا هذه القصة الواقعية. قال لي: قبل أن أنتقل للعيش في المدينة، كنت أقطن أحد أرياف الولاية. ذات مرة، شعرت وأنا عائد ليلا من الحقل إلى بيتي أنني دهست حيوانا ما. نزلت، فرأيت حنشا أسود اللون قد داسته عجلات سيارتي بالصدفة قرب مرآب البيت. في صباح اليوم التالي، رويت ما حدث لجاري المزارع، ففوجئت بوجهه يكفهر، وما لبث أن نصحني بأن أجلب حنشا بديلا عن الذي صرعنه خطأ. لم آخذ كلامه على محمل الجد، إذ خلته يمزح. لكنه ما لبث أن عاد فزارني بعد أيام مستفسرا عما إذا كنت جلبت الحنش المطلوب. رددت معترضا على فكرة جلب حنش وإفلاته تحت بيتي بحيث يشكل خطرا علي وعلى زوجتي وطفلي. أجابني بنبرة جدية: "إذا لم تجلب الجنش، فستجعلني وبقية جيراننا من المزارعين أمام مشكلة كبيرة، لأن كلا منهم يحتفظ بحنش أسود تحت بيته كي يأكل القوارض من فئران وجرذان، فلا تؤذي المزروعات في الحقول، وأنت بإعراضك عن جلب حنش بديل عن ذاك الذي قتلته بسيارتك خطأً، ستسبب لحقولنا جميعا الضرر، ناهيك عن حقلك أنت". جادلته قائلا: "ومن يضمن لي ألا تتكاثر الأفاعي تحت بيتي؟" أجاب: "يا صديقي، اجلب حنشا ذكرا." بالفعل، لاحظت تكاثر القوارض تحت بيتي خلال​​أيام قليلة، مما راع زوجتي وابني. لذلك، سارعت للاستجابة لنصح جاري، وذهبت للمخزن الذي يبيع علفا للحيوانات في البلدة القريبة المجاورة لأوصي صاحبه على حنش أسود. ما كادت تمر أيام قليلة، حتى جاءني صاحب المخزن بنفسه إلى البيت حاملا كيسا أدركت على الفور أن الحنش كامن فيه. رجوته أن يفلت الحنش بنفسه تحت البيت، وأمري لله، فامتنع قائلا: "بل عليك أنت أن تمسكه وتفلته بنفسك، كي يأنس إليك ويطمئن". هكذا، فتحت الكيس وأمسكت بالحنش الذي راعني حجمه ومنظره، ثم أفلته برفق تحت المنزل. في إحدى الليالي الحارة، عدت ليلا إلى بيتي وحاولت أن ألمس مقبض الباب الخارجي كي أدس المفتاح فيه، فإذا بيدي تقبض على شيء طري أملس، فأدركت أن الحنش ملتف على معدن مقبض الباب تلمسا للبرودة، سحبت يدي بسرعة لكن الحنش لم يلدغني، بل انسل بهدوء واختفى في وكره، لأنه كان يعرف أنه يتعايش بأمان مع شخص لا يضمر له شرا.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف صور شكسبير جنون الطغيان

تذكرني كثير من مجريات السياسة الراهنة في عصرنا بحكايات الأفاعي المتعددة، بدءا من مغامرة السندباد في "ألف ليلة وليلة"، وصولا إلى أفلام سينمائية عديدة حافلة بالتشويق والإثارة، مثل فيلم الأفاعي التي تفلت على متن طائرة ركاب، أو فيلم حية الأناكوندا العملاقة التي تبتلع إنسانا بكامله وتسحق عظامه. وكثيرا ما تروج قصة عن الرجل الذي عثر على أفعى جمدها الصقيع وهو يسير بين الثلوج، فحملها إلى بيتها، أشعل الموقدة ودفأها، فإذا بها تصحو وتعقصه عقصة مميتة وهو نائم، ليثبت الرواة في النهاية مقولة: "اتق شر من أحسنت إليه".

كم يا ترى من أفاع صفراء خضراء وسوداء ومرقطة من جميع الأصناف والأحجام يغص بها عالم السياسة والسياسيين في عالمنا المعاصر؟ كم من شخصيات لطيفة وناعمة الملمس ظاهريا، لكنها يمكن أن تميت حين تلدغ غيلة وغدرا؟ بالمقابل، ألا توجد بين البشر يا ترى أفاع مائية تخيف دون أن تبث أي سم أو تشكل أدنى خطر، كما توجد مقابلها أفاع صحراوية صغيرة لا يولي لها المرء أهمية حتى تشب كالسهم وتلدغه لدعة مميته؟ هل ينسى أحد أفعى الكوبرا التي يخرجها فقير هندي من سلة من قش لتتراقص على وقع أنغام نايه دون أن تلحق أذى به؟ وهل ينكر أحد حكمة الطبيعة في احتفاظ كل صاحب بيت ريفي بحنش أسود تحت داره كي يقيه ويحمي حقله من القوارض المؤذية؟

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.