أردوغان يلقي خطابا
أردوغان يلقي خطابا

بقلم عريب الرنتاوي/

كثرة كاثرة من الإسلاميين العرب، جعلت من تركيا العدالة والتنمية "نموذجا" لها، ومن زعيمها "الكاريزمي" رجب طيب أردوغان "قدوة" و"إماما"... ومن تابع كتابات هؤلاء وسجالاتهم التي سبقت ورافقت وأعقبت الانتخابات التركية الأخيرة، خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي، ظن أن فجر "الخلافة" قد بزغ من جديد، وأن أردوغان استحق عن جدارة، لقب "خامس الخلفاء الراشدين".

"طوفان" الأدعية والابتهالات للرئيس وحزبه بالفوز على خصومه من علمانيين وملاحدة و"كماليين"، الذي فاض على صفحات "السوشيال ميديا"، أظهر حجم التعلق بالتجربة والرجل، وشكل سدا، حال ويحول، دون الانخراط في أي نقاش حقيقي حول التجربة والزعيم، بما لهما وما عليهما.

بالكاد أمكن لـ"العدالة والتنمية" ورئيسه الحصول على 42 بالمئة من أصوات الأتراك أنفسهم

​​ولقد تكشف هذا "الطوفان" عن جملة من المفارقات الصادمة، التي تشفّ عن شقاء العقل "الإسلاموي" وضحالته... وتقدم الدليل تلو الدليل، على قدرة "الأيديولوجيا الشمولية المغلقة" على حجب الرؤية عن المصابين بها وتعطيل أبصارهم وبصائرهم عن معرفة الحقيقة وتتبع خيوطها... بل إنها، عند الأشد غلوا منهم، تنتهي إلى بناء "عوالم افتراضية" منبتة عن الواقع المعاش، فيحل الحديث عن "تركيا المتخيلة" محل الحديث عن "تركيا الواقعية"، وتصبح أية قراءة أو معلومة خارج هذا السياق الافتراضي، ضربا من التآمر على الإسلام والمسلمين، وعملا من أعمال "الاستكبار العالمي".

من هذه المفارقات الفجة، اختلاق دوافع و"أسباب موجبة" لتعظيم التجربة التركية وتمجيد زعيمها، غير تلك التي يتحدث بها أصحابها ومناصروها من الأتراك أنفسهم... هنا، في المنطقة العربية، تجد الإصرار على تقديم التجربة بوصفها "إسلامية خالصة"، تستنهض "الأمة" وتؤسس لاستعادة مجدها التليد. وهناك، في تركيا، يجري تقديم جردة حساب شاملة بالمكاسب والمنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كسبا لتأييد الناخبين وطمعا في أصواتهم.

اقرأ للكاتب أيضا: نهاية "لحظتين" لا لحظة واحدة

هنا، الإصرار على هجاء "القومية" و"الوطنية" بوصفها مفاهيم "عصبوية" وافدة على الفكر والتراث الإسلاميين، ونقيض لمفهوم "الأمة الإسلامية الواحدة"... وهناك، يجري نسج عرى التحالف الوثيق مع الحركة القومية التركية، والتي من دون دعمها وأصوات ناخبيها وجمهورها لما أمكن "للسلطان" أن يصبح رئيسا مطلق الصلاحيات ولا لائتلافه الانتخابي أن يستأثر بغالبية مقاعد البرلمان.

هنا الإصرار على تقديم الزعيم التركي بوصفه زعيما لأمة المليار ونصف المليار مسلم، ومن دون منازع، وتصوير فوزه الانتخابي بـ"النصر الإلهي"... وهناك يقف نصف الشعب التركي في موقع النقيض للحزب الحاكم وزعيمه، إذ بالكاد أمكن لـ"العدالة والتنمية" ورئيسه الحصول على 42 بالمئة من أصوات الأتراك أنفسهم، بعد احتساب الكتلة التصويتية للحركة القومية.

هنا لا يتوقف الحديث عن تركيا بوصفها السد المنيع في وجه "الاستكبار الأميركي/الأطلسي/الإسرائيلي"، فلا ينقطع سيل القصص والحكايات عن الانتصارات التي سجلها الحزب والزعيم في مسعاه لإحباط خطط "الصليبية الجديدة" ومؤامراتها، والانتصار للشعب الفلسطيني وحقوقه، والأمة الإسلامية ومقدساتها... وهناك يتكشف الإصرار على توثيق عرى التحالف مع واشنطن، وإنجاز صفقة الـ"أف 35"، وإتمام تسوية "منبج"، وتعظيم مكانة تركيا في حلف "الناتو"، وزيادة معدلات التبادل الاقتصادي والتجاري والسياحي مع إسرائيل، حتى وإن تم ذلك تحت سحابة كثيفة من الخطابات الغاضبة التي يتقنها السيد أردوغان ويشتهر بها.

عربيا، تجد الإصرار على تقديم التجربة بوصفها "إسلامية خالصة"، تستنهض "الأمة" وتؤسس لاستعادة مجدها التليد

​​هنا تقام الدنيا ولا تقعد ضد "صفقة الغاز" المبرمة بين إسرائيل والأردن على سبيل المثال، ويحظى مهرجان جرش للثقافة والفنون بحملة "مكارثية" تستخدم فيها جميع أسلحة الإفتاء الديني... وهناك يضرب صفحا عن نقل النفط من ميناء جيهان إلى ميناء عسقلان، والاستخدام التركي الكثيف لميناء حيفا وبرامج تحفيز السياحة الإسرائيلية إلى تركيا... كما أن أحدا لا ينبس ببنت شفة، عن "الدراما التركية" أو مرافق السياحة والترفيه الطافحة بكل ما يتنافى مع ما يعتقده هؤلاء من ضوابط وقيود "شرعية".

هنا يجري صب اللعنات بالجملة والتفصيل على مسار أستانا في الأزمة السورية، وتنعت أدوار كل من روسيا وإيران بأقذع النعوت وأقذرها، مع إصرار متعمد على تجاهل دور "الضامن والشريك الثالث" في هذا المسار: تركيا، وأدوارها في تأزيم وتأجيج الأزمة السورية، منذ بواكيرها الأولى... هناك، يجري توصيف المسألة على نحو مغاير، محكوم بالضبط بمعايير المصلحة القومية من جهة وشروط استمرار الحزب والزعيم في سدة الحكم والرئاسة من جهة ثانية.

هنا، تتجلى الدوغمائية بأبشع صورها، وهناك، تتجلى البراغماتية الميكافيلية كما لم يحدث من قبل.

اقرأ للكاتب أيضا: 'إخوان الأردن' وقرار 'النأي بالنفس' عن الشارع

هي المفارقة الكاشفة والصادمة؛ عندما تتحدث عن "نموذج" لا تقتدي به، ولا تسعى في استلهماه حتى لا نقول إعادة إنتاجه، أو عندما تتحدث عن "قدوة" لا تحتذي بها أو تسير على خطاها، من دون أن تلفت إلى التناقض والازدواج في الخطاب والممارسة، وإلى حالة "الانفصام" في العقل والتفكير والممارسة.

هي حالة "الخواء" المتفشية فكريا ومعرفيا وسياسيا في أوساط هذا التيار، وهي حالة ممتدة إلى التيارات الأخرى على أية حال، حتى لا نتحامل على فريق دون آخر، وهي الثمرة الطبيعية للبحث عمن يملأ الفراغ حتى وإن تطلب الأمر استحضار "الرمز" و"الزعيم" من خارج حدود الأوطان والقوميات. ولكم كان مؤسفا أن ترى البعض من هؤلاء، يلهج بالدعاء لأردوغان بالفوز على أعدائه، أعداء الإسلام من الأتاتوركيين، ليواصل حربه من أجل تحرير سورية والعراق من "الروافض" و"النصيريين".

وهو "الخواء" ذاته الذي كان دفع بكثرة من هؤلاء، قبل عشرة سنوات أو أزيد قليلا، لاستقبال تجربة العدالة والتنمية في بداياتها بكثير من الشكوك والاتهامات (مثل اتهامه بأنه يمثل الإسلام الأميركي)، قبل أن ينقبلوا بخفة على شكوكهم واتهاماتهم ويتحولوا إلى "جوقة" من المسبحين بحمد "خامس الخلفاء الراشدين" والمبشرين بفجر الخلافة الذي انبلج من اسطنبول أو يكاد.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.