كان الطب من بين المجالات التي برع فيها علماء المسلمين
كان الطب من بين المجالات التي برع فيها علماء المسلمين

بقلم د. عماد بوظو/

في كتب التاريخ والتراث لمختلف الشعوب روايات تتحدث عن إمكانات خاصة يمتع بها الرسل والقديسون. يدور أغلب هذه الروايات حول قدرت الرسل والقديسين على شفاء أمراض معينة أو حالات مستعصية. يطلق على هذه الأفعال الاستثنائية اسم "المعجزات" التي لا يستطيع القيام بها سوى نخبة مختارة من الناس، ويكون ذلك دليلا على قدسيتهم وقربهم من الله. تصل قدرتهم في بعض الحالات إلى درجة إعادة البصر للضرير وإحياء الموتى.

مع مجيء الإسلام ذكرت الكتب الدينية أن المحيطين بالرسول وخاصة المشككين بدعوته قد طلبوا منه إظهار معجزاته والأدلة على نبوته، وكان الرد على ذلك بأن معجزة النبي محمد هي القرآن، "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" الإسراء 88، "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين" يونس 38.

هناك أطباء وباحثون إسلاميون يحاولون إقناع القارئ العربي بأن علم الطب الحالي يتماشى مع كتب الحديث رغم أن كلامهم هذا غير دقيق

​​وأكد رجال الدين المسلمون على وجهة النظر هذه بقولهم إن معجزات الأنبياء السابقين مادية ينقضي زمانها ولا يراها إلا من عاصرها، فقد حصلت وانتهت وأصبحت خبرا من الماضي، كما أن لا صلة لها بوظيفة النبوة، ويقول ابن رشد: "إن دلالة القرآن على نبوة محمد ليست كدلالة انقلاب العصا إلى حية، ولا كدلالة إحياء الموتى وإبراء المرضى، فإن تلك المعجزات وإن كانت أفعالا لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء، وفيها ما يقنع الناس من العامة، إلا أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة وأخبار الوحي ومعنى الشريعة". ويؤكد شيوخ الإسلام السياسي المعاصرون على عدم وجود معجزات مادية عند الرسول، إذ يقول يوسف القرضاوي: "من هنا نفهم الحكمة الإلهية في عدم استجابة الله تعالى لمقترحات المشركين الذين طلبوا من الرسول خوارق حسية وآيات مادية مثل الرسل السابقين فأبى الله تعالى إلا هذا القرآن، وأنكر عليهم أن يسألوا آية غيره، وهو آية الله الكبرى لو كانوا يعقلون".

كذلك لم يتضمن القرآن أي إشارة إلى قيام الرسول بمعجزات حسية مثل سابقيه من الأنبياء أو القديسين، ولم يتطرق بالعموم للطب أو العلاج إلا في أية حول العسل: "ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" النحل 69، بالإضافة لآيات أخرى تعتبر القرآن نفسه شفاء: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارة" الإسراء 82.

اقرأ للكاتب أيضا: تماثل وضع النظام الإيراني اليوم مع حالة الاتحاد السوفييتي عام 1989

على النقيض من ذلك فإن كتب الحديث مليئة بالكثير من العلاجات والوصفات الطبية لمختلف الأمراض التي يدعي قائلوها إنها منقولة عن الرسول، وأطلقوا على مجموعها اسم الطب النبوي، من أمثلتها:

  • عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: "في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام"، والسام هو الموت أخرجه البخاري ومسلم.
  • "عن أنس أن ناسا اجتووا ـ مرضوا ـ في المدينة أمرهم النبي أن يلحقوا براعية ـ أي الإبل ـ فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فشربوا حتى صلحت أبدانهم..." متفق عليه.
  • عن أم قيس بنت محصن سمعت رسول الله يقول "عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفيه يستعط به من الغدرة ويلد به من ذات الجنب" أخرجه البخاري ومسلم.
  • عن سعيد بن زيد قال سمعت النبي يقول "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين"، أخرجه البخاري.
  • عن أبو هريرة أن النبي قال: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء" رواه البخاري.
  • عن جابر قال سمعت رسول الله يقول "عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" أخرجه ابن ماجه.

وهناك الكثير من الأحاديث المشابهة لوصفات قريبة الشبه بالطب الشعبي، كما أن هناك عشرات الأحاديث الأخرى عن "الرقية" وهي قراءة أدعية وآيات معينة من القرآن والمسح على المريض أو المنطقة المصابة حتى يشفى سواء كان مرضه عضويا أو ناجما عن الإصابة بالعين، عن أم سلمة أن النبي رأى في بيتها جارية في وجهها سعفة فقال "استرقوا لها فإن بها النظرة"، أخرجه البخاري ومسلم.

في العصر الذي تم فيه تداول هذا النوع من الأحاديث كانت المجتمعات الإسلامية بشكل عام غنية اقتصاديا ومتطورة حضاريا وفكريا مقارنة ببقية العالم، وكان الطب من بين المجالات التي برع فيها علماء المسلمين. فأبو بكر الرازي ولد عام 250 هجري أي أثناء حياة البخاري ومسلم، وألف كتابه الشهير "الحاوي في الطب" الذي يضم خلاصة ما عرفه العالم من الطب منذ أيام الإغريق حتى تاريخه، ومن كتبه أيضا "تاريخ الطب" والمنصور في الطب، و"الأدوية المفردة" الذي يتضمن وصفا دقيقا لتشريح جسم الإنسان، وترجمت بعض كتبه للاتينية لتستمر كمرجع رئيسي للطب لعدة قرون، وقد وصفته المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه بأنه أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق.

وبعد الرازي بسنوات ولد الفارابي الذي عرف بمهارته بالطب بالإضافة لمكانته الرفيعة بالفلسفة والرياضيات والفيزياء. وبعده الزهراوي الذي يعد أعظم الجراحين في العالم الإسلامي ووصفه بعضهم بأبو الجراحة الحديثة، وشرح في كتبه الحقن الشرجية وأدوات خفض اللسان وفحص الحلق وفحص الأذن وقطع اللوزات وكلاليب لخلع الأسنان ومناشير للعظام ومكاوي ومشارط على اختلاف أنواعها، ووصف عملية القسطرة البولية وصنع خيطانا للجراح الخارجية والداخلية، وهو أول من وصف الحمل خارج الرحم وأول من اكتشف الطبيعة الوراثية لمرض الناعور "الهيموفيليا".

وأهم أطباء ذلك العصر الشيخ الرئيس ابن سينا الذي اعتبره الغرب أبو الطب الحديث في العصور الوسطى، ألف 200 كتاب أشهرها القانون في الطب، الذي قال عنه السير ويليام أوسلر أنه "الإنجيل الطبي لفترة طويلة من الزمن" لأنه بقي المرجع الرئيسي في الطب سبعة قرون متواصلة حتى أواسط القرن السابع عشر. وابن سينا هو أول من وصف التهاب السحايا الأولي وأسباب اليرقان وأعراض حصى المثانة والكثير من الأمراض التناسلية، كما أنه تحدث عن وجود كائنات صغيرة لا ترى بالعين المجردة هي التي تنقل الأمراض، وكثير غيرها من الاكتشافات.

الحديث عن وجود دواء أو نبات واحد يمكن استخدامه لعلاج كل الأمراض ويصلح لكل زمان ومكان يبدو بعيدا عن العلم والمنطق والتسمية المناسبة له هي السحر

​​وبعد هؤلاء، أتى ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، بالإضافة لعشرات من أمثال هؤلاء الأطباء الذين كانوا يتبعون المناهج العلمية، حيث يبدؤون بدراسة كل ما كتبه أسلافهم الأطباء ومن ثم يقومون بأبحاثهم الخاصة لفهم آلية حدوث الأمراض ومن ثم الطرق المناسبة لعلاجها ثم يختبرون ذلك في ممارستهم الشخصية لمهنة الطب، وفي النهاية يدونون ويوثقون كل ما قاموا به وما توصلوا إليه من نتائج حتى تستفيد منه الأجيال التالية بشكل قريب جدا من مناهج البحث العلمي الحديثة.

هذا المنهج العلمي الرصين للأطباء المسلمين في ذلك الوقت لا يتماشى مع حديث: عن أبي سعيد أن رجلا أتى إلى النبي فقال أخي يشتكي بطنه فقال اسقه عسلا، وراجعه ثلاث مرات دون أن يتحسن والنبي يعيد عليه اسقه عسلا، وفي المرة الرابعة قال "صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا" فسقاه فبرأ، أخرجه البخاري ومسلم. فمن المستغرب اجتماع هذا النوع من الأحاديث مع هذا المستوى المتطور في الطب في نفس البيئة ونفس العصر، ولكن من المحتمل أنه من خلال أمثال هذه الأحاديث يستطيع رجال الدين وأحيانا بعض المشعوذين أن يلعبوا دور الأطباء، وقد يوفر لهم ذلك موردا للرزق أو يرفع من مكانتهم بين قومهم، خصوصا في "العلاجات" البعيدة عن المنهج العلمي للطب مثل الرقية التي ادعوا أن هناك مختصين فيها ومنحوه لقب "الراقي الشرعي" ونصحوا باللجوء إليه لمعالجة بعض الأمراض بما فيها تلك التي تسببها العين أو السحر أو الجن.

اقرأ للكاتب أيضا: استغلال بناء المساجد في الغرب لأهداف سياسية

إذا كان من الممكن تفهم وجود هذا النوع من العلاجات في العصور القديمة فإن استمراره والتمسك به والدفاع عنه في عالم اليوم يبدو غريبا. فإذا بحثنا مثلا عن الحبة السوداء "حبة البركة" (اسمها العلمي نيجيلا ساتيفا)، في أغلب المراجع الحالية المكتوبة باللغة العربية نجد لها عشرات الفوائد التي تشمل كل أعضاء ووظائف الجسم، حتى أننا نجد أن لها دورا في علاج أمراض مستعصية على العلم كسرطان الكبد والثدي وغيرها. ونلاحظ أن جميع الأبحاث التي أدت إلى مثل هذه النتائج الغريبة قد جرت في جامعات ومستشفيات بلدان إسلامية، ولكن عند الذهاب للمراجع التي تتحدث عن نفس النبتة باللغة الإنكليزية لا نجد فيها شيئا مميزا ولا نجد لها أي مفعول علاجي مؤكد.

ويشير هذا الأمر إلى أن هناك أطباء وباحثين إسلاميين يحاولون إقناع القارئ العربي بأن علم الطب الحالي يتماشى مع كتب الحديث رغم أن كلامهم هذا غير دقيق وبعيد عن الأمانة العلمية، بدل إعادة النظر في صحة هذه الأحاديث ومصداقية من ادعى أنه قد نقلها عن الرسول. ومثال آخر على ذلك ما يفعله بعض رجال الدين أو حتى الأطباء المسلمين بحديث جناحي الذبابة للبخاري، فنرى بعضهم يدعي أن العلم الحديث قد أثبته، ويصورون ذلك باعتباره إعجازا علميا لهذا الحديث دون وجود أي دليل علمي على ادعائهم هذا، ويتهمون الذي يشكك بصحة أمثال هذه الأحاديث بأن هدفه التهجم على الإسلام نفسه!

وقبل كل ذلك فإن علم الأمراض مرتبط بالزمان والمكان، فالكثير من أمراض الدول الفقيرة تكون بسبب سوء التغذية ونقص البروتين وغيره من العناصر الغذائية أو التلوث، بينما في الدول الغنية تنتشر أمراض لها علاقة بالإفراط في الطعام مثل السمنة والسكري وارتفاع الكولسترول والضغط وأمراض التروية القلبية، وعلاج إحدى هذه المجموعات يختلف جوهريا عن الأخرى. كما أن هناك أمراضا قديمة انقرضت وأمراضا حديثة تظهر كل بضع سنوات، والحديث عن وجود دواء أو نبات واحد يمكن استخدامه لعلاج كل هذه الأمراض معا ويصلح لكل زمان ومكان يبدو بعيدا عن العلم والمنطق والتسمية المناسبة له هي السحر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!