لوكاكو، مهاجم المنتخب البلجيكي
لوكاكو، مهاجم المنتخب البلجيكي

بقلم منصور الحاج/

تحتل رياضة كرة القدم مكانة كبيرة لدى غالبية شعوب العالم حيث يستمتع ملايين بمداعبتها والركض خلفها كما يقضي مئات الملايين من البشر الساعات الطوال في مشاهدة المباريات في الملاعب وعبر الشاشات.

وتعتبر بطولة كأس العالم أكثر المنافسات الرياضية شعبية حيث يترقب اللاعبون حلول المناسبة بفارغ الصبر كل أربع سنوات لتمثيل منتخباتهم وبذل أقصى الجهود للتألق وتقديم أفضل ما في جعبتهم من قدرات ومهارات وإمكانيات للوصول إلى منصة التتويج بالبطولة الأغلى على الإطلاق أو بلوغ أدوار متقدمة.

ويسافر آلاف من عشاق الساحرة المستديرة إلى البلد المنظم لحضور المباريات فيما يتسمر ملايين أمام الشاشات في المنازل والمقاهي والحانات لتشجيع منتخبات بلادهم والاستمتاع بمشاهدة من يفضلون من لاعبين.

في مصر يتعرض لاعبو كرة القدم الأقباط لتمييز ممنهج يندى له الجبين

​​ويمنح هذا العشق والاهتمام البالغ بكرة القدم مؤسسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التي تعنى بتنظيم المنافسات وسن القوانين وفرض العقوبات نفوذا كبيرا يجعلها في مركز قوة يخولها دعم مبادئ حقوقية كالعدل والمساواة ومحاربة آفات إنسانية كالتمييز والعنصرية بفعالية قد تتفوق بها على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي فشل فشلا ذريعا في تعزيز الحقوق والحريات والقيم الأساسية لحقوق الإنسان.

وبالنظر إلى واقع مجتمعاتنا العربية والإسلامية حيث تحظى الرياضة باهتمام حكومي وشعبي كبيرين، وحيث تتعرض بعض شرائح المجتمع إلى التمييز بسبب الجنس أو الديانة أو المذهب أو الوضع القانوني أو الجنسية، فإن بإمكان منظمة "فيفا" تغيير ذلك الواقع ومنح محبي رياضة كرة القدم الأمل في تحقيق طموحاتهم أو السعي نحو ذلك عبر اقتراح برامج رياضية تستوعب الجميع أو لفت انتباه الدول إلى التجاوزات وفرض عقوبات عليها إن اقتضى الأمر حتى تتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد للتمييز والعنصرية.

اقرأ للكاتب أيضا: باب ما جاء في فضل الرقص ومكانة الراقصين

ففي السعودية مثلا، لا تحظى كرة القدم النسائية بالاهتمام اللازم على الرغم من رغبة الكثيرات في ممارستها وعلى الرغم من الدعم المادي الكبير الذي تقدمه الحكومة للأندية الرياضية. 

وفي مصر يتعرض لاعبو كرة القدم الأقباط لتمييز ممنهج يندى له الجبين ويتطلب تدخلا مباشرا من "فيفا" لوضع حد لما يتعرضون له من قبل المدربين والأندية الرياضية. وبحسب تقرير أعدته منظمة "التضامن القبطي" لم يشارك سوى ستة لاعبين أقباط في أندية الدرجة الأولى في مصر على مدى نصف قرن.

وقد اعترف النجم الدولي السابق أحمد حسام ميدو بتعرض الأقباط للتمييز على أيدي المدربين واقترح أن يشكل اللاعبون المسيحيون نسبة 10 في المئة على الأقل في جميع فرق الناشئين في البلاد. اعتراف الكابتن ميدو بواقع التمييز ضد الأقباط في المجال الرياضي ليس الوحيد من نوعه، فقد جاء في تقرير المنظمة أن المعلق الرياضي الكابتن خالد الغندور ذكر في معرض رده على متصل قبطي أورد حادثة تعرض فيها أحد معارفه إلى تمييز بأنه "أكثر واحد عارف أنه توجد مواهب مسيحية كروية مظلومة في مصر، فلا يعقل أن هناك 18 فرقة مصرية كروية أساسية لا يوجد بها لاعب قبطي واحد".

وقس على ذلك الوضع في باقي الدول حيث يتعرض اللاعبون من أصحاب البشرة السوداء وغيرهم من الأقليات إلى هتافات عنصرية من قبل الجماهير، وهي أمور يمكن "للفيفا" حسمها في حال وجود إرادة قوية لوضع حد نهائي للتمييز والعنصرية في الملاعب الرياضية.

إن قصص وصول العديد من النجوم إلى العالمية بعد معاناة من الفقر والتمييز تمنح الأمل لملايين الشباب لبذل الجهد والعمل بجد واجتهاد من أجل تحقيق أحلامهم، وهو أمر يمكن "للفيفا" المساهمة فيه وترسيخه نسبة لما تحظى به من نفوذ وقدرة على إملاء شروطها على الدول التي يحرم فيها أبناء الأقليات من الحصول على فرصة للحلم بالوصول إلى النجومية ويشيع فيها التمييز الديني والجنسي والعرقي.

إن قصة زين الدين زيدان وكريم بنزيمة وسمير نصري وكاريمبو مع المنتخب الفرنسي والنجم من أصول كنغولية لوكاكو مع المنتخب البلجيكي والمصري محمد صلاح مع ليفربول وحارس المنتخب الإيراني الذي كان مشردا في فترة من فترات حياته ونجوم من أمثال عمر عبد الرحمن مع منتخب الإمارات والتشادي عبد الله عمر مع منتخب البحرين وغيرها قصص ملهمة للأجيال وتمنح الأمل لكل حالم بالنجومية بإمكانية الوصول إلى ما وصلوا إليه بالجد والمثابرة وتطوير الموهبة.

من حقنا كشعوب مقهورة أن نحلم بأن يسود العدل والمساواة في أوطاننا

​​إن الطريق نحو الإصلاح السياسي والمدني في العالم العربي والإسلامي طويل وبحاجة إلى تضافر جهود جميع دعاة الإصلاح في شتى المجالات من أجل الوصول إلى الغاية وتحقيق أمل الشعوب وتخليصها من الأنظمة الدكتاتورية والتطرف الديني.

وفي خضم هذا الواقع الحقوقي البائس في العالمين العربي والإسلامي من المنطقي انتهاز فرصة تعلق الحكومات والشعوب بالرياضة واستغلال النفوذ الذي تحظى به "فيفا" للضغط نحو توفير مناخ رياضي يسوده المساواة ويخلو من العنصرية والتمييز.

اقرأ للكاتب أيضا: عنصرية العرب تجاه أصحاب البشرة السوداء 'السودانيون مثالا'

إن هذه المبادرة ليست الأولى من نوعها فقد طرق هذا الباب من قبل الكثير من المفكرين والكتاب أمثال الكاتب جيمس مونتاق الذي اقترح في عام 2008 أن تنظم كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل بطولة كأس العالم لعام 2018 كبادرة لإحلال السلام في الشرق الأوسط.

وبحسب مونتاق فإن اليابان وكوريا الجنوبية كانتا عدوتين في الماضي لكنهما نجحتا في تنظيم مشترك لنسخة 2002 من البطولة العالمية. وتبنى الفكرة المنتج الإسرائيلي إيتان هيلر مع منظمة صوت واحد هذه الفكرة واقترحوا أن تقام المباريات في كل من رام الله وطولكرم وغزة وحيفا وتل أبيب ومتسبي ريمون.

وخلاصة القول إن من حقنا كشعوب مقهورة أن نحلم بأن يسود العدل والمساواة في أوطاننا وإن لم يحصل ذلك في صورة قوانين ودساتير تكفل الحقوق والحريات فلنسعى من أجل أن تحظى جميع شرائح المجتمع بفرص متساوية في ممارسة رياضتهم المفضلة والحلم بالوصول إلى العالمية في مناخ تسوده المساواة وخالي من التمييز والعنصرية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.