ليت المحكمة المصرية اكتفت بتوبيخ الشابة اللبنانية ومنعها من العودة إلى مصر كي يكون الجزاء من جنس الفعل
ليت المحكمة المصرية اكتفت بتوبيخ الشابة اللبنانية ومنعها من العودة إلى مصر كي يكون الجزاء من جنس الفعل

بقلم حسن منيمنة/

صدور حكم من محكمة مصرية بالسجن لسنوات بحق مواطنة لبنانية تكلمت بعبارات مهينة عن المصريين في مقطع خاص تم تسريبه وتداوله، فأثار سخطا وردود فعل نابية بحق المعنية كما بحق وطنها، يعيد طرح قضية حرية التعبير في الإطار العربي، وما يقابلها في الحالة الأميركية خاصة، والغربية عامة. والمقارنة هنا ليست مسألة نظرية، حيث أن تداخل الواقع الإعلامي والتواصلي والمتحقق عالميا ينفي إمكانية الركون إلى تصورات منفصلة منقطعة، بل يضع الرؤى الخاصة بالمجتمعات والثقافات المختلفة في موقع التصادم.

الأصل، في الحالة الأميركية بموجب بيان الحقوق المصاحب للدستور، هو أن حرية التعبير مطلقة، وتقييد هذا الإطلاق هو الذي يتطلب الحجة والشروط. وقد أقرت المحكمة الدستورية العليا الأحكام التي أصدرتها الجهات القضائية في الولايات المتحدة لتقييد حرية التعبير في حالات معينة؛ أهمها عند اشتمال التعبير على التهديد بعمل مخالف للقانون أو التحريض على العنف، أو عند تعمد التسبب بالضرر العام بأن يصرخ أحدهم زاعما حدوث حريق داخل مسرح مثلا ما يؤدي إلى التزاحم والتدافع، أو إذا تضمن التعبير تعريض الأطفال لما لا يليق من المواد الإباحية. كما أتاحت المقاضاة المدنية لمن يعمد إلى التشهير بفرد ما والإضرار به، وخصصت في العقود الأخيرة قيودا إضافية تمنع الجرح والطعن بعدد من الفئات (وعلى رأسها الأقليات العرقية والجنسية) لما في ذلك من انتقاص في حقوقها المدنية. ومعيار التقييد في جميع هذه الحالات هو مدى الضرر المباشر الذي قد يتسبب به التعبير غير المقيد.

حرية التعبير في الولايات المتحدة ليست مطلقة، كما هو في رؤيتها الذاتية، ولكن القيود عليها محكومة بتبيان الضرر المباشر

​​أما حيث يكون الضرر معنويا في ذاته، مثل شتم الأشخاص، بما في ذلك الرؤساء وازدراء الأديان وإهانة الرموز الوطنية (مثل العلم والنشيد الوطني)، فالمحاكم عامة في الولايات المتحدة، بما في ذلك المحكمة العليا، قد تمنعت عن تقييدها من حيث المبدأ، على أساس أن المجتمع كفيل بدرء هذه الممارسات من خلال التربية والتعاضد أو تجاهلها ما لم تبلغ حد الإضرار المباشر.

فالولايات المتحدة تشهد كل ليلة سيلا من البرامج التي تستهزئ بالسياسيين كافة، وحصة الرئيس الحالي هي دوما الأولى. بعض الاستهزاء يبقى ضمن حدود اللياقة والأدب، وبعضه الآخر يمعن بالسوقية والبذاءة. وقد لا يطيب هذا التهريج للمستهدف، ولكن لا خلاف حول أنه حق ثابت. ولكن حين يتعدى أي شخص على الحدود التي رسمها القانون والثقافة والمجتمع، فإن العواقب ليست بسيطة، كما جرى أخيرا حين خسرت إحدى الممثلات البارزات برنامجها الفائق النجاح في أعقاب تغريدة أرسلتها وضمنتها وصفا عرقيا مهينا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الإصلاح الديني': مساءلة للمقاربة

فحرية التعبير في الولايات المتحدة ليست مطلقة، كما هو في رؤيتها الذاتية، ولكن القيود عليها محكومة بتبيان الضرر المباشر، ومن يصون هذه القيود ليس القضاء حصرا. يذكر هنا أن الولايات المتحدة في اعتمادها هذا المعيار تبقى متقدمة على غيرها من الدول الغربية والتي تتوسع في تجريم القراءات البديلة للتاريخ، فإنكار حدوث المحرقة خلال الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، خارج عن حرية التعبير في العديد من الدول الأوروبية، بل هو جريمة يعاقب عليها القانون.

أما الواقع العربي، وبغض النظر عن النصوص التي تتضمنها الدساتير، فليس قائما على إطلاق حرية التعبير، بل على اعتبارها مقيدة بما هو أسمى منها، وهو استقراء الكرامة. فإذا كان النظام الدستوري في الولايات المتحدة يضع حدا لحرية التعبير عند تسببها بالضرر المادي المباشر، فإن المنظومة الثقافية العربية تجعل هذا الحد عند ابتداء الضرر المعنوي.

والفارق بين التوجهين هو أن الأول في صلبه موضوعي قابل للتحديد والضبط، وبالتالي أكثر وضوحا في معياريته واستقامة تطبيقه وإن بقي متبدلا على المدى التاريخي الأطول، فيما الآخر ذاتي ومبهم وأكثر عرضة بالتالي للاستغلال والتحوير.

يمكن بالتأكيد الإشارة إلى أن هذا الفارق كمي أكثر منه نوعيا، حيث أن الواقع الأميركي، ولا سيما في خضم حروب الثقافة المحتدمة للتو ينتج قراءات متوالية ومتوازية على أقدار من التضارب فيما بينها حيث تتوقع صورته الذاتية اتصال التجانس والثبات، فيما الحالة العربية تبدي قدرا من الاستمرارية وإن السلبية في التزامها "ثالوث محرماتها" أي الدين والجنس والسياسة.

والتباين بين التعريفين لحرية التعبير، والمعيارين الضمنيين فيهما، يؤدي إلى مواجهة مستمرة. الطرف العربي يطالب بأن تتوقف حرية التعبير الغربية عند الحدود التي يضعها هو، فيما الطرف الأميركي لا يرضى بأن يكبل حريته لصالح قاعدة لا يرى صوابها. بل قد تكون مطالبة الطرف العربي بمراعاة اعتباراته أجدى لو أن هذا الطرف التزم نفسه بمعياره.

والإشكالية التي تعيشها حرية التعبير العربية ليست في المعيار، أي تقييد هذه الحرية بالحق بحفظ الكرامة، بل بأن التفاعل مع هذه القيمة العليا، أي الكرامة، يأتي على الغالب انتقائيا ومتضاربا. والاعتلال هنا من جانبين.

جانب الاعتلال الأول هو أن صون الكرامة يطبق على الذات دون الآخر. يطيب للثقافة العربية أن تسطح وتختزل وتفتري على الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي للولايات المتحدة كيفما شاءت، وأن تستعرض العيوب الأميركية بكل إسهاب. وللتنبيه، فإنه رغم وفرة الطعن المتعمد، ليس في ذلك من وجهة نظر أميركية أي انتقاص من كرامة الولايات المتحدة. ولكن، ما أن يرد أي تعليق أو تنبيه أو مساءلة بشأن عربي أو إسلامي، حتى تتعالى الأصوات المشتكية من التعدي على الكرامة.

على أن خطوط التماس في موضوع الصون الانتقائي للكرامة ليست بين الإطارين العربي والأميركي وحسب، بل تخوض في تشظيات داخل الصف العربي كذلك. ومن فيض النماذج بهذا الشأن، يمكن العودة إلى موضوع لبنان.

فقد كثر الكشف في الأشهر الماضية عن حوادث وقعت في لبنان بحق رجال ونساء وأطفال، من سورية والسودان وكينيا وأثيوبيا، بالإضافة إلى الحادثة المذكورة آنفا حول الكلام النابي من لبنانية بحق المصريين. وهذ الحوادث بالفعل تدعو اللبنانيين عامة إلى التأمل والنقد الذاتي لعيوب عديدة في ثقافتهم السائدة، بحق هؤلاء كما بحق بعضهم البعض. على أن الغالبية الملحوظة من الأصوات المستهجنة، من الإطار العربي خارج لبنان، وإن استوفى بعضها الواجب الاسمي بتجنب التعميم، قد استعانت بالطعن بكرامة اللبنانيين عامة، واللبنانيات خاصة، فجاء عندها الرد لا من موقع الترفع عما تعتبره أخلاقا فاسدة، بل إشهار مقابل لهذه الأخلاق عينها.

المنظومة الثقافية العربية تجعل حد حرية التعبير عند ابتداء الضرر المعنوي

​​ولا فارق هنا أن بعض هذا الطعن المقصود بحق لبنان يخطئ الهدف للاختلاف في منظومة القيم. ففي حين تطعن بعض الأصوات بلبنان لما تعتبره من التعري في لباس النساء فيه أو لظهور المثلية فيه، فإن معظم أهله يعتبرون الأمر طبيعيا وحسب، بأن تختار المرأة ما ترتئيه من الملابس، تتواضع أو تتبرج كما شاءت، تتحجب أو تتزين كما أرادت، بقرارها وكما يروق لها، والعديد من سكانه، ولا سيما شبابه، لا يتحرج من أن للمثليين وغيرهم من الأقليات الجنسية الحق بالظهور والمساواة. ولكن عدم إصابة الهدف من جانب الأصوات الطاعنة لا ينفي نية الإساءة لكرامة الآخر الداخلي اللبناني، ما يستنزف إمكانية مخاطبة الآخر الخارجي الغربي بما يدعوه إلى اعتبار الواقع الثقافي ومراعاته.

فكما لأوروبا مثلا أن تستهجن، بل أن تجرم، من ينكر المحرقة، وكما أنه للولايات المتحدة أن تحاسب من يؤذي بالتحقير اللفظي الفئات المغبونة تاريخيا، مثل الأفارقة الأميركيين، فإنه من حق المجتمعات في المحيط العربي أن تتوقع من نظمها العدلية مقاضاة من يطعن بكرامتها. ولكن الأمر لا يستقيم بتغليب كرامة على أخرى. وهنيئا لمن أراد التغني والمفاخرة بأمجاده وحاضره، أما الانتقال من الاعتزاز إلى المفاضلة، ثم الشروع بالطعن المضاد تحت عنوان رد الفعل، فليس ذودا عن الكرامة ولا تمسكا بمعيار أنها الضابط لحرية التعبير، بل عودة إلى أسلوب عمرو بن كلثوم ومعلقته، أي إلى أخلاق الجاهلية، دون بلاغته وفصاحته على أي حال.

اقرأ للكاتب أيضا: تجنبا للمعايير المختلة في قراءة السجل التاريخي الولايات المتحدة

أما وجه الاعتلال الثاني في زعم تقييد حرية التعبير بالكرامة فهو في غياب التناسب. هذه الشابة اللبنانية والتي صدر عليها الحكم بالسجن لسنوات عدة، جريمتها هي إساءات لفظية قبيحة نطقت بها في إطار خاص. دقائق قليلة من الكلام غير المنضبط من إنسانة ليست في أي موقع مسؤولية تتوجه به إلى دائرة معارفها الضيقة، كان ثمنها سخط من الآلاف وسباب من العشرات بل المئات فاق ما أوردته هي وقذف متراكم للأعراض ثم حكم صارم بسنوات من الحبس والاحتجاز. ليت المحكمة المصرية اكتفت بتوبيخها ومنعها من العودة إلى مصر، كي يكون الجزاء من جنس الفعل، وليتها كذلك تقاضي من نشر هذا التسجيل (ويبدو أنه يزعم الحق الحصري بنشره، ويطارد من يتعدى على حقه المزعوم هذا)، إذ أنه هو وليس هذه الشابة من جعل من هذا الكلام المتردي إهانة عامة للمصريين ولجميع من يتأذى من الكلام النابي.

فهذه الحالة، كمثال وحسب، تكشف عن جانبي الاعتلال في الصيغة العربية لحرية التعبير، أي انعدام التجانس في الإصرار على صون الكرامة، وعدم التناسب في رد الفعل، واللذين يقفان بوجه التفاوض الثقافي والذي من شأنه أن يعيد اللياقة، لا القيود الخارجية، ضابطا لحرية التعبير الغربية في مراعاتها للواقع العربي. فدون المراجعة الذاتية هنا، لا تجاوز للاعتلال، وبالتالي لا إمكانية لعودة اللياقة. ولا يمكن بالتالي للتباعد بين مفهومي حرية التعبير في الإطارين العربي والغربي إلا أن يتسع، ويزداد معه الشحن والتشنج والأذى.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!